ذهب البيهقي إلى أنه لا يجب الصلاة على الصبي، وأن ضربه على الصلاة إذا بلغ عشرًا، منسوخ، وأنه رفع عنه ذلك (^١).
وليس للقول بالنسخ أي أثر في اختلاف أهل العلم في المسألة، ولكن السبب لاختلافهم هو اختلافهم في المراد من ضرب الصبي على الصلاة إذا بلغ عشرًا، هل هو لأجل أنها واجبة عليه، أو هو للتدريب والتمرين (^٢).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن سبرة (^٣) -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» (^٤).
_________________
(١) قال ابن حجر في فتح الباري ٢/ ٤٢٦: (وجزم البيهقي بأنه منسوخ بحديث (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم). وقد بحثت عن قول البيهقي في سننه الكبرى، والصغرى، ومعرفة السنن، فلم أجد قوله فيها.
(٢) انظر: شرح مشكل الآثار ٣/ ٢١٠؛، المغني ٢/ ٣٥٠؛ فتح الباري ٢/ ٤٢٦.
(٣) هو: سبرة بن معبد بن عوسجة بن حرملة الجهني، أبو ثرية، صحابي، نزل المدينة، وشهد الخندق وما بعدها، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابنه الربيع، وتوفي في خلافة معاوية -﵁-. انظر: الإصابة ١/ ٦٨٩؛ تهذيب التهذيب ٣/ ٣٩٥.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ص ٨٢، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، ح (٤٩٤)، والترمذي في سننه ص ١١١، أبواب الصلاة، باب ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة، ح (٤٠٧)، وأحمد في المسند ٢٤/ ٥٦، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٣/ ٢٠٩، والدارقطني في سننه ١/ ٢٣٠، والحاكم في المستدرك ١/ ٣١٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٢. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح) وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي. وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٨٢: (حسن صحيح).
[ ٢ / ٦٤١ ]
ثانيًا: عن عبد الله بن عمرو -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» (^١).
ثالثًا: عن علي بن أبي طالب -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٨٢، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، ح (٤٩٥)، وأحمد في المسند ١١/ ٢٨٤، والدارقطني في سننه ١/ ٢٣٠، والحاكم في المستدرك ١/ ٣١٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٣٢٤. وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٨٢: (حسن صحيح).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٦٥٧، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًا، ح (٤٤٠٠)، والترمذي في سننه ص ٣٣٦، كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد، ح (١٤٢٣)، وابن ماجة في سننه ص ٣٥٣، كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، ح (٢٠٤٢)، وأحمد في المسند ٢/ ٤٦١، وابن حبان في صحيحه ص ١٥٣، والحاكم في المستدرك ٢/ ٦٨، و٤/ ٤٣٠، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ١١٨. قال الترمذي: (حديث حسن غريب). وقال الحاكم في المستدرك ٤/ ٤٣٠: (وقد روي هذا الحديث بإسناد صحيح عن علي -﵁- عن النبي -ﷺ- مسندًا). وصحح إسناده النووي في المجموع ٣/ ٨. وقال ابن حجر في فتح الباري ١٢/ ١٤٢ - بعد ذكر طرقه-: (وهذه طرق تقوى بعضها ببعض) وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٦٥٦، وقال في إرواء الغليل ٢/ ٥: (وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قالا، ولا يضره إيقاف من أوقفه لأمرين: الأول: أن من رفعه ثقة، والرفع زيادة فيه فيجب قبولها. الثاني: أن رواية الوقف في حكم الرفع، لقول علي لعمر: أما علمت. وقول عمر: بلى. فذلك دليل على أن الحديث معروف عندهم. وكذلك لا يضره رواية من أسقط من الإسناد ابن عباس).
[ ٢ / ٦٤٢ ]
رابعًا: عن عائشة -﵂- عن النبي -ﷺ- قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (^١).
ويستدل منها على النسخ: بأنه جاء في حديث سبرة، وعبد الله بن عمرو﵃الأمر بضرب الصبي على الصلاة إذا بلغ عشرًا، وهو
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٦٥٦، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًا، ح (٤٣٩٨)، والنسائي في سننه ص ٥٣١، كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج، ح (٣٤٣٢)، وابن ماجة في سننه ص ٣٥٣، كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، ح (٢٠٤١)، والدارمي في سننه-واللفظ له- ٢/ ٢٢٥، وابن حبان في صحيحه ص ١٥٣، والحاكم في المستدرك ٢/ ٦٨. وقال: (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي. وقال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٢/ ٥ - بعد ذكر كلام الحاكم والذهبي: (قلت: وهو كما قالا، فإن رجاله كلهم ثقات، احتج بهم مسلم برواية بعضهم عن بعض، وحماد وهو ابن أبي سليمان وإن كان فيه كلام من قبل حفظه فهو يسير، لا يسقط حديثه عن رتبة الاحتجاج به، وقد عبر عن ذلك الحافظ بقوله: فقيه ثقة صدوق له أوهام).
[ ٢ / ٦٤٣ ]
يدل على وجوب الصلاة عليه، وعلى ضربه عليها، وجاء في حديث علي، وعائشة -﵄- أن الصبي رفع عنه القلم، والرفع يستدعي سبق وضع، فدل ذلك على عدم وجوب الصلاة على الصبي، وعلى عدم ضربه عليها؛ لأنه رفع عنه ذلك، وهو معنى النسخ (^١).
واعترض عليه: بأن كل رفع لا يستدعي سبق وضع، وأن المراد بالرفع في الحديث عدم التكليف ما دام هؤلاء متصفين بتلك الأوصاف (^٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
أما جمهور أهل العلم فلم يقولوا بالنسخ، بل قالوا بضرب الصبي على الصلاة إذا بلغ عشرًا، إلا أنهم اختلفوا في المراد من هذا الضرب، هل هو لأن الصلاة واجب عليه، أو أنه يضرب لأجل التدريب والتمرين؟ اختلفوا في ذلك على قولين:
القول الأول: أن الصلاة لا تجب على الصبي إلا بالبلوغ، وإنما يضرب عليها إذا بلغ عشرًا على وجه التعليم والتدريب والتمرين، كي يألفها ويعتادها، ولا يتركها عند البلوغ.
وهذا قول أكثر أهل العلم، ومنهم المذاهب الأربعة (^٣).
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٢/ ٤٢٦.
(٢) انظر: المصباح المنير ص ٢٣٢؛ التلخيص الحبير ١/ ١٨٤؛ نيل الأوطار ١/ ٢٩٩.
(٣) انظر: شرح مشكل الآثار ٣/ ٢٠٩، ٢١٠؛ أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٤٣٠؛ جامع أحكام الصغار ١/ ١٣٨) (التمهيد ٩/ ٢٨٩؛ مختصر خليل مع شرح التاج والإكليل ٢/ ٥٣؛ مواهب الجليل ٢/ ٥٣.) (الأم ١/ ١٤٦؛ المهذب مع شرحه المجموع ٣/ ٧، ٨؛ فتح الباري ٢/ ٤٢٦) (المغني ٢/ ٣٥٠؛ الشرح الكبير ٣/ ٢١؛ الممتع ١/ ٣١٠؛ شرح الزركشي ١/ ٣٤٧؛ الإنصاف ٣/ ٢٠.)
[ ٢ / ٦٤٤ ]
القول الثاني: أن الصلاة تجب على الصبي إذا بلغ عشرًا، ويضرب عليها إذا تركها عقابًا.
وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض الحنابلة (^١).
ويستدل للقول الأول بما يلي:
أولًا: أما عدم وجوب الصلاة عليه فلحديثي علي وعائشة -﵄- وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ.
ثانيًا: أما أنه يضرب عليها إذا بلغ عشرًا للتدريب والتمرين عليها؛ فلما سبق من حديثي سبرة، وعبد لله بن عمرو﵃-. فإنهما يدلان على ضرب الصبي على الصلاة
إذا بلغ عشرًا، لكنه للتدريب والتمرين؛ لا للوجوب للأحاديث التي تدل على عدم تكليفه (^٢).
ويستدل للقول الثاني -وهو وجوب الصلاة على الصبي إذا بلغ عشرًا، وضربه عليها-بما سبق ذكره من حديث سبرة، وعبد الله بن عمرو﵄.
ووجه الاستدلال منهما هو: لأن الصبي إذا بلغ عشرًا
_________________
(١) انظر: المغني ٢/ ٣٥١؛ الشرح الكبير ٣/ ١٩؛ الممتع ١/ ٣١٠؛ شرح الزركشي ١/ ٣٤٧؛ الإنصاف ٣/ ٢٠.
(٢) انظر: شرح مشكل الآثار ٣/ ٣١٠؛ المغني ٢/ ٣٥٠.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
يضرب عليها، ويعاقب على تركها، ولا تشرع العقوبة إلا لترك واجب (^١).
واعترض عليه: بأن ضربه على الصلاة إذا بلغ عشرًا، ليس للعقوبة حتى يكون ذلك دليلًا على وجوبها عليه، بل للتدريب والتمرين؛ بدليل الأحاديث الدالة على عدم تكليفه (^٢).
الراجح
بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي-والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو قول الجمهور-وهو أن ضربه على الصلاة إذا بلغ عشرًا ليس بمنسوخ، وأنه يضرب عليها للتدريب والتمرين لا لوجوبها عليه-وذلك لما يلي:
أولًا: أن القول بالنسخ احتمال ضعيف؛ لأنه ليس هناك أي دليل على تأخر الأحاديث الدالة على عدم تكليفه على الأحاديث الدالة على ضربه على الصلاة إذا بلغ عشرا، أما رفع القلم عنه فالمراد به عدم تكليفه، ولا منافاة بين عدم تكليفه وضربه على الصلاة للتدريب والتمرين (^٣). وليس كل رفع يقتضي سبق وضع كما سبق ذكره.
ثانيًا: ولأنه يمكن الجمع بين الأحاديث الواردة في هذه المسألة، وذلك بحمل ما يدل على ضربه على الصلاة على التدريب والتمرين، وبحمل غيره على عدم تكليفه، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكنًا لا يصار إلى النسخ، ولا إلى ترك بعضها (^٤) والله أعلم.
_________________
(١) انظر: المغني ٢/ ٣٥١؛ الشرح الكبير ٣/ ١٩؛ فتح الباري ٢/ ٤٢٦.
(٢) انظر: شرح مشكل الآثار ٣/ ٣١٠؛ المغني ٢/ ٣٥٠.
(٣) انظر: شرح مشكل الآثار ٣/ ٣١٠؛ المغني ٢/ ٣٥٠.
(٤) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٤٣٠؛ الاعتبار ص ٤٩٥؛ الممتع ١/ ٣١٠؛ فتح الباري ٢/ ٤٢٦.
[ ٢ / ٦٤٦ ]