ذهب بعض الحنفية (^١) إلى أن إفراد الإقامة كان أولًا، ثم نسخ بالإقامة مثنى مثنى.
وعكس الحازمي فذهب إلى أن إفراد الإقامة هو الناسخ للإقامة مثنى مثنى (^٢).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة،
_________________
(١) هذه المسألة بحثتها في عدة مصادر من كتب الحنفية فلم أجد أحدًا منهم ادعى النسخ، ولا نسبه إلى أحد من أئمة الحنفية، وإنما نسبه إليهم الحازمي وغيره. قال الحازمي في الاعتبار ص ١٦٨: (فذهبت طائفة إلى أن الإقامة مثل الأذان مثنى، وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة وأهل الكوفة، واحتجوا في هذا الباب بهذا الحديث -يعني به حديث أبي محذورة والذي فيه ذكر تثنية الإقامة- ورأوه محكمًا وناسخًا لحديث بلال). وقال أبو إسحاق الجعبري في رسوخ الأحبار ص ٢٣٦: (وهذا يدل على أن الإقامة مثنى كالأذان، وهو مذهب أبي حنيفة والكوفة والثوري، ورأوه محكمًا ناسخًا لإيتارها لتأخرها) وقال ابن حجر في الفتح ٢/ ١٠٦ - بعد ذكر حديث أنس-: (وهذا الحديث حجة على من زعم أن الإقامة مثنى مثل الأذان، وأجاب بعض الحنفية بدعوى النسخ، وأن إفراد الإقامة كان أولًا ثم نسخ بحديث أبي محذورة.). وقال عبد الرحمن المباركفوري في تحفة الأحوذي ١/ ٦٠٤: (قلت: وأجاب عن أحاديث الباب من لم يقل بإفراد الإقامة كالحنفية بأجوبة كلها مخدوشة لا يطمئن بواحد منها القلب السليم، فقال بعضهم: إن إفراد الإقامة كان أولًا ثم نسخ بحديث أبي محذورة).
(٢) انظر: الاعتبار ص ٢٠٠. ونسب أبو إسحاق الجعبري القول بنسخ تشفيع الإقامة إلى مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم. انظر: رسوخ الأحبار ص ٢٣٧.
[ ٢ / ٧٤١ ]
لكن السبب الأصلي للاختلاف هو تعارض الأحاديث الواردة فيها (^١).
الأدلة
ويستدل لمن قال بنسخ إفراد الإقامة بما يلي:
أولًا: عن أبي محذورة (^٢) -﵁- أن رسول الله -ﷺ- علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، وفيه: «والإقامة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على
الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله» (^٣).
_________________
(١) انظر: بداية المجتهد ١/ ٢١٥.
(٢) هو: أوس-وقيل: سمرة، وقيل: سلمة، وقيل سلمان-بن معير-وقيل: عمير- بن لوذان بن وهب، القرشي، الجمحي، المكي، المؤذن، أبو محذورة، صحابي، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابنه عبد الملك، وعبد الله بن محيريز، وغيرهما، وتوفي سنة تسع وخمسين، وقيل بعد ذلك. انظر: الإصابة ١/ ٩٨، ٤/ ٢٣٥٣؛ تهذيب التهذيب ١٢/ ١٩٩؛ التقريب ٢/ ٤٦٣.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ٨٤، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، ح (٥٠٢)، والترمذي في سننه ص ٥٧، كتاب مواقيت الصلاة، باب ما جاء في الترجيع في الأذان، ح (١٩٢)، والنسائي في سننه ص ١٠٥، كتاب الأذان، باب كم الأذان من كلمة، ح (٦٣٠)، وابن ماجة في سننه ص ١٣٧، كتاب الأذان، باب الترجيع في الأذان، ح (٧٠٩)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٨٥، والإمام أحمد في المسند ٢٤/ ١٠٠، وابن الجارود في المنتقى ص ٧٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٣٤، وابن حبان في صحيحه ص ٥٣٤، والدارقطني في سننه ١/ ٢٣٧، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٦١٣. قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح). وقال الحازمي في الاعتبار ص ١٩٨: (هذا حديث حسن على شرط أبي داود والترمذي والنسوي).، وقال النووي في المجموع ٣/ ٧٠: (إسناده صحيح). وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٢٦٨: (قال في الإمام: وهذا السند على شرط الصحيح). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٢٠٠: (وتكلم عليه البيهقي بأوجه من التضعيف، وردها ابن دقيق العيد في الإمام وصحح الحديث). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٨٤: (حسن صحيح).
[ ٢ / ٧٤٢ ]
ثانيًا: عن الأسود بن يزيد (^١) «أن بلالًا كان يثني الأذان ويثني الإقامة، وإنه كان يبدأ بالتكبير ويختم بالتكبير» (^٢).
ثالثًا: عن سويد بن غفلة قال: سمعت بلالًا «يؤذن مثنى، ويقيم مثنى» (^٣).
_________________
(١) هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمر، مخضرم، ثقة فقيه، روى عن أبي بكر، وعمر، وغيرهما، وروى عنه: ابنه عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي، وغيرهما، وتوفي سنة أربع أو خمس وسبعين. انظر: تهذيب التهذيب ١/ ٣١٠؛ التقريب ١/ ١٠٢.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ٤٦٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٣٤، والدارقطني في سننه ١/ ٢٤٢. قال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٢٦٩ - بعد ذكر من خرجه-: (قال ابن الجوزي في التحقيق: والأسود لم يدرك بلالًا، قال صاحب التنقيح: وفيما قاله نظر، وقد روى النسائي للأسود عن بلال حديثًا). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٩٨: (فائدة: ورد في تثنية الإقامة أحاديث)، وذكر منها حديث الأسود بن يزيد، ولم يتكلم فيه بشيء.
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٣٤. وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٩٩: (وروى الحاكم والبيهقي في الخلافيات والطحاوي من رواية سويد بن غفلة: أن بلالًا كان يثني الأذان والإقامة، وادعى الحاكم فيه الانقطاع، ولكن في رواية الطحاوي: سمعت بلالًا، ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة.).
[ ٢ / ٧٤٣ ]
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث أبي محذورة -﵁- هذا متأخر؛ لأنه كان بعد فتح مكة، وفيه تثنية الإقامة فيكون ناسخًا لحديث إفراد الإقامة؛ لأنه كان أول ما شرع الأذان، كما يدل عليه حديث أنس -﵁-، ويؤكد القول بالنسخ أن بلالًا -﵁- كان يقيم بعد رسول الله -ﷺ- مثنى مثنى، كما يدل عليه حديث الأسود، وسويد بن غفلة؛ لأنهما قدما المدينة بعد وفاة رسول الله -ﷺ- ورويا عن بلال -﵁- ذلك (^١).
ويستدل لمن قال بنسخ تثنية الإقامة بما يلي:
أولًا: عن أنس -﵁- قال: ذكروا النار والناقوس (^٢)، فذكروا اليهود والنصارى، «فأُمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة» (^٣).
ثانيًا: عن ابن عمر -﵁- قال: «كان الأذان على عهد رسول الله -ﷺ- مرتين
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ١٩٩؛ رسوخ الأحبار ص ٢٣٦؛ فتح الباري ٢/ ١٠٦؛ التلخيص الحبير ١/ ١٩٩؛ نيل الأوطار ٢/ ٤٢؛ تحفة الأحوذي ١/ ٦٠٤.
(٢) الناقوس: خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها، والنصارى يُعلمون بها أوقات صلاتهم. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٧٨٧؛ المصباح المنير ص ٦٢١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٢٤، كتاب الأذان، باب بدء الأذان، ح (٦٠٣)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٦٢، كتاب الصلاة، باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة، ح (٣٧٨) (٣).
[ ٢ / ٧٤٤ ]
مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة» فإذا سمعنا الإقامة توضأنا ثم خرجنا للصلاة) (^١).
ثالثًا: عن سلمة بن الأكوع (^٢) -﵁- قال: «كان الأذان على عهد رسول الله -ﷺ- مثنى مثنى، والإقامة فردًا» (^٣).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث أنس -﵁- يدل أن بلالًا -﵁- أمر بإفراد الإقامة، وكان ذلك أول ما شرع الأذان، لكن الأمر بقي على إفراد الإقامة حتى بعد فتح مكة، حيث أقره الرسول -ﷺ- على الإفراد بها بعد فتحها، وحتى إلى وفاة الرسول الله -ﷺ-؛ بدليل حديثي ابن عمر -﵁- وسلمة بن الأكوع؛ حيث إنهما يدلان على استمرار إفراد الإقامة طول عهد الرسول
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٨٦، كتاب الصلاة، باب في الإقامة، ح (٥١٠)، والنسائي في سننه ص ١١٢، كتاب الأذان، باب كيف الإقامة، ح (٦٦٨)، والطيالسي في مسنده ص ٧٩، وأحمد في المسند ٩/ ٤٠٤، والدارمي في سننه ١/ ٢٩٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٣٣، وابن حبان في صحيحه ص ٥٣١، والحاكم في المستدرك ١/ ٣١٣، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٦٠٩. قال الحاكم: (صحيح الإسناد). ووافقه الذهبي. وقال النووي في المجموع ٣/ ٧٣: (رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح). وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ص ١١٢.
(٢) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع-سنان- بن عبد الله، أبو مسلم، الأسلمي، شهد بيعة الرضوان، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابنه إياس، وزيد بن أسلم، وغيرهما، وتوفي سنة أربع وسبعين، وقيل غير ذلك. انظر: الإصابة ١/ ٧٥٣؛ تهذيب التهذيب ٤/ ١٣٦.
(٣) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٢٤١.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
-ﷺ- (^١). وإذا كان الأمر كذلك فيكون ذلك ناسخًا لتثنية الإقامة؛ لأن الإفراد بها آخر الأمرين (^٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في صفة الإقامة على أربعة أقوال:
القول الأول: أن الإقامة مثنى مثنى.
وهو مذهب الحنفية (^٣)، وروي ذلك عن علي، وسلمة بن الأكوع، وأبي محذورة -﵃-. وبه قال مجاهد، وأبو العالية، وإبراهيم النخعي، والثوري، والحسن بن حي (^٤).
القول الثاني: أن الإقامة تفرد، مرة مرة.
وهو مذهب المالكية (^٥)، وبه قال الليث بن سعد (^٦).
_________________
(١) لأن قوله (على عهد رسول الله -ﷺ- عام يشمل جميع عهد الرسول -ﷺ-؛ لأن اسم الجنس المضاف من الألفاظ العامة. انظر: فتح الباري ١/ ٣٥١؛ عمدة القاري ٣/ ٤٤.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٢٠٠؛ رسوخ الأحبار ص ٢٣٧؛ فتح الباري ٢/ ١٠٦ ..
(٣) انظر: الأصل ١/ ١٢٩؛ شرح معاني الآثار ١/ ١٣٦؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٨٧؛ بدائع الصنائع ١/ ٣٦٦؛ الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ٢٤٣؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٢/ ٥٠.
(٤) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ٤٣٦؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٨٧؛ شرح معاني الآثار ١/ ١٣٦؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٨٧؛ التمهيد ٣/ ٤٤.
(٥) انظر: التمهيد ٣/ ٤٤؛ الاستذكار ١/ ٤١٥؛ بداية المجتهد ١/ ٢١٥؛ جامع الأمهات ص ٨٧؛ مختصر خليل مع شرحه مواهب الجليل ٢/ ١٢٤.
(٦) انظر: الاستذكار ١/ ٤١٥.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
القول الثالث: أن الإقامة تفرد، مرة مرة، إلا قوله: (قد قامت الصلاة) فإنه يقولها مرتين.
وهو مذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، وروي عن ذلك عن عمر، وابنه عبد الله، وأنس -﵃- وبه قال أكثر العلماء، ومنهم: الحسن البصري، ومكحول، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر (^٣).
القول الرابع: أن الشخص مخير بين إفراد الإقامة وتثنيتها.
وهو قول للإمام أحمد (^٤)، ونحوه قول إسحاق بن راهوية، وداود بن علي، وابن جرير الطبري (^٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول -وهو أن الإقامة مثنى مثنى- بما يلي:
أولًا: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث أبي محذورة -﵁- والأسود بن يزيد، وسويد بن غفلة؛ حيث إن فيها الإقامة مثنى مثنى.
_________________
(١) انظر: الأم ١/ ١٧٣؛ مختصر المزني ص ٢٢؛ العزيز ١/ ٤١١؛ المجموع ٣/ ٧٢.
(٢) انظر: مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق ٢/ ٤٨٧؛ المغني ٢/ ٥٨؛ الشرح الكبير ٣/ ٦٦؛ الممتع ١/ ٣٢٢؛ شرح الزركشي ١/ ٢٧٢؛ الإنصاف ٣/ ٦٦.
(٣) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٨٦؛ التمهيد ٣/ ٤٤؛ المجموع ٣/ ٧٢.
(٤) انظر: انظر: المغني ٢/ ٥٧؛ شرح الزركشي ١/ ٢٧٢؛ الإنصاف ٣/ ٦٦.
(٥) انظر: الاستذكار ١/ ٤١٧؛ المغني ٢/ ٥٧.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
ثانيًا: عن عبد الله بن زيد -﵁- أنه أُري الأذان مثنى مثنى، والإقامة مثنى مثنى، قال: فأتيت النبي -ﷺ- فأخبرته، فقال: «علمهن بلالًا» فعلمتهن بلالًا، قال: فتقدمت، فأمرني أن أقيم، فأقمت) (^١).
ثالثًا: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أخبرني أصحاب محمد -ﷺ- أن عبد الله بن زيد الأنصاري -﵁- رأى في المنام الأذان فأتي النبي -ﷺ- فأخبره فقال: «علمه بلالًا»، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة) (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٤٨٩.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٨٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار-واللفظ له-١/ ١٣٤. وأخرجه الترمذي في سننه ص ٥٨، كتاب المواقيت، باب ما جاء في أن الإقامة مثنى مثنى، ح (١٩٤)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد، وذكر أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد، ثم قال: (حديث عبد الله بن زيد رواه وكيع عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب محمد -ﷺ- أن عبد الله بن زيد رأى الأذان في المنام … -إلى أن قال: -وهذا أصح من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى) وأخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٢٤٢، من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٦١٨، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب مخمد -ﷺ- أن عبد الله بن زيد الأنصاري. فذكره. ورواه من طرق أخري ثم قال: (والحديث مع الاختلاف في سنده مرسل؛ لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يدرك معاذًا ولا عبد الله بن زيد، ولم يسم من حدثه عنهما ولا عن أحدهما، -إلى أن قال: - فغير جائز أن يحتج بخبر غير ثابت على أخبار ثابتة. وتعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي فقال: (الطريق الأول الذي ذكره البيهقي رجاله على شرط الصحيح، وقد صرح فيه ابن أبي ليلى بأن أصحاب محمد -ﷺ- حدثوه، فهو متصل لما عرف من مذاهب أهل السنة في عدالة الصحابة -﵃- وأن جهالة الإسم غير ضارة، وقال ابن حزم: هذا إسناد في غاية الصحة. وإذا صح هذا الطريق فبعد ذلك إنما يعلل بالاختلاف إذا كان ممن هو غير مستضعف، وإلا فرواية الضعيف لا تكون سببًا لضعف رواية الحافظ- إلى أن قال: -فظهر بذلك ضعف قول البيهقي). وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٢٦٧: (قال في الإمام: وهذا رجال الصحيح، وهو متصل على مذهب الجماعة في عدالة الصحابة، وأن جهالة أسمائهم لا تضر).
[ ٢ / ٧٤٨ ]
ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث ظاهر؛ حيث إنها تدل على أن الإقامة مثنى مثنى (^١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أن الإقامة مرة مرة- بحديث أنس -﵁- قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» (^٢).
فإنه يدل على أن الإقامة مرة مرة (^٣).
واعترض عليه: بأنه جاء في روايات أخري لحديث أنس -﵁- زيادة: (إلا الإقامة) مما يدل على تكرار قوله: (قد قامت الصلاة). (^٤).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن الإقامة مرة مرة، إلا قوله: (قد قامت الصلاة) فيقوله مرتين- بما يلي:
أولًا: حديث ابن عمر
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٣٤؛ الجوهر النقي ١/ ٦١٩؛ نصب الراية ١/ ٢٦٧.
(٢) سبق تخريجه في ص ٤٩٢.
(٣) انظر: التمهيد ٣/ ٤٥.
(٤) انظر: فتح الباري ٢/ ١٠٤.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
وحديث سلمة بن الأكوع -﵄- الذين سبق ذكرهما في دليل من قال بنسخ تثنية الإقامة؛ فإنهما يدلان على إفراد الإقامة.
ثانيًا: عن أنس -﵁- قال: «فأُمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة، إلا الإقامة» (^١).
ثالثًا: عن سعد (^٢) مؤذن رسول الله -ﷺ-: (أن أذان بلال كان مثنى مثنى، وإقامته مفردة) (^٣).
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث إنها تدل على إفراد الإقامة (^٤).
دليل القول الرابع
أما القول الرابع فدليله كل ما صح وروي في الإقامة، ومنها ما سبق ذكره في دليل الأقوال السابقة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٢٤، كتاب الأذان، باب الأذان مثنى، ح (٦٠٥)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٦١، كتاب الصلاة، باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة، ح (٣٧٨) (٢).
(٢) هو: سعد بن عائذ، ويقال: ابن عبد الرحمن، المؤذن، مولى الأنصار، ويقال: مولى عمار، المعروف بسعد القرظ، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابناه: عمار، وعمر، وغيرهما، وكان مؤذن قباء فنقله أبو بكر، وقيل عمر، إلى المسجد النبوي، وعاش إلى أيام حجاج. انظر: الإصابة ١/ ٧٠٧؛ تهذيب التهذيب ٣/ ٤١٣.
(٣) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ١٤٠، كتاب الأذان، باب إفراد الإقامة، ح (٧٣١). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ص ١٤٠: (صحيح).
(٤) انظر: المجموع ٣/ ٧٣؛ المغني ٢/ ٥٩.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
ووجه لاستدلال منها هو: أن كل ما روي عن النبي -ﷺ- في ذلك محمول على الإباحة والتخيير، وكله جائز؛ لأنه قد ثبت عن النبي -ﷺ- جواز ذلك، وعمل به أصحابه، فمن شاء أخذ بهذا، ومن شاء أخذ بهذا (^١).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو جواز صفتي الإقامة وهما الشفع والإيتار، كما هو القول الرابع، وذلك لأن بلالًا -﵁- كان مؤذنًا في المدينة، وأبو محذورة -﵁- كان مؤذنًا في مكة، وقد روي عن كل منهما تثنية الإقامة وإفرادها (^٢)، وهو دليل للتخيير وإباحة كلا الصفتين، ورد لقولي النسخ المتضادين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- بعد ذكر بعض ما ورد في صفة الأذان والإقامة: (وإذا كان كذلك فالصواب مذهب أهل الحديث، ومن وافقهم، وهو تسويغ كل ما ثبت في ذلك عن النبي -ﷺ-، لا يكرهون شيئًا من ذلك، إذ تنوع صفة الأذان والإقامة، كتنوع صفة القراءات والتشهدات، ونحو ذلك، وليس لأحد أن يكره ما سنه رسول الله -ﷺ- لأمته.
وأما من بلغ به الحال إلى الاختلاف والتفرق حتى يوالي ويعادي ويقاتل على مثل هذا ونحوه مما سوغه الله تعالى، كما يفعله بعض أهل الشرق، فهؤلاء
_________________
(١) انظر: الاستذكار ١/ ٤١٧؛ فتح بالباري ٢/ ١٠٦؛ نيل الأوطار ٢/ ٤٢؛ تحفة الأحوذي ١/ ٦٠٤.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٣٢ - ١٣٤؛ سنن الدارقطني ١/ ٢٣٦ - ٢٤٣.
[ ٢ / ٧٥١ ]
من الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعًا. وكذلك ما يقوله بعض الأئمة-ولا أحب تسميته- من كراهة بعضهم للترجيع، وظنهم أن أبا محذورة غلط في نقله، وأنه كرره ليحفظه، ومن كراهة من خالفهم شفع الإقامة، مع أنهم يختارون أذان أبي محذورة، هؤلاء يختارون إقامته، ويكرهون أذانه، وهؤلاء يختارون أذاته ويكرهون إقامته، فكلاهما قولان متقابلان، والوسط أنه لا يكره لا هذا ولا هذا) (^١).
ولكن الأولى مع هذا إيتار الإقامة؛ لكون الأحاديث الدالة عليها أصح وأثبت من أحاديث تثنيتها (^٢) والله أعلم.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٦٦.
(٢) انظر: تحفة الأحوذي ١/ ٦٠٩.
[ ٢ / ٧٥٢ ]