ذهب بعض أهل العلم إلى أن وقوف المأمومين إذا كانوا اثنين إلى جانبي الإمام كان أولًا، ثم نسخ ذلك، وأن موقفهما خلف الإمام (^١).
وممن قال بالنسخ وصرح به: الأثرم (^٢)، والبيهقي (^٣)، والحازمي (^٤).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الآثار الواردة في المسألة سبب آخر لاختلافهم فيها (^٥).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن الأسود قال: دخلت أنا وعمي على عبد الله بالهاجرة، فأقام الصلاة فتأخرنا خلفه، فأخذ أحدنا بيمينه والآخر بشماله، فجعلنا عن يمينه وعن يساره، فلما صلى قال: «هكذا كان رسول الله -ﷺ- يصنع إذا كانوا ثلاثة» (^٦).
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ٢٨٠؛ فتح القدير لابن الهمام ١/ ٣٥٦؛ نيل الأوطار ٣/ ١٨٠.
(٢) انظر: إعلام العالم بعد رسوخه لابن الجوزي ص ٢٥٥.
(٣) انظر: السنن الكبرى له ٣/ ١٤٠.
(٤) انظر: الاعتبار ص ٢٨٢.
(٥) انظر: بداية المجتهد ١/ ٢٨٦؛ الاعتبار ص ٢٨٠.
(٦) أخرجه أحمد في المسند ٧/ ٣٩٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار-واللفظ له-١/ ٣٠٦، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ١٤٠.
[ ٢ / ١٠٢٩ ]
ثانيًا: عن أنس بن مالك -﵁- أن جدته مُليكة (^١) دعت رسول الله -ﷺ- لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: «قوموا فلأصلي لكم»، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لُبِس فنضحته بماء، فقام رسول الله -ﷺ- وصففت أنا واليتيم (^٢) وراءه والعجوز من
ورائنا، فصلى لنا رسول الله -ﷺ- ركعتين ثم انصرف) (^٣).
ثالثًا: حديث جابر -﵁- الطويل، وفيه: «ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله -ﷺ- فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر (^٤) فتوضأ فقام عن يسار رسول الله -ﷺ- فأخذ رسول الله -ﷺ- بيدينا جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه» (^٥).
وفي رواية عنه -﵁- قال: (سرت مع رسول الله -ﷺ- في غزوة فقام يصلي، قال: فجئت حتى قمت عن يساره، فأخذني فأدارني حتى أقامني عن يمينه، فجاء ابن صخر حتى قام عن يساره، فأخذنا بيديه جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه) (^٦).
_________________
(١) هي: مليكة بنت مالك بن عدي بن زيد، الأنصارية، جدة أنس بن مالك، وأم أمه أم سليم. انظر: الإصابة ٤/ ٢٦٣٨.
(٢) هو: ضُميرة ابن أبي ضميرة مولى رسول الله -ﷺ-، وجد حسين بن عبد الله بن ضميرة، وقيل: إنه ابن سعيد الحميري، وزعم عبد الغني المقدسي أن ضميرة هذا هو اليتيم الذي صلى مع أنس لما صلى النبي -ﷺ- في بيتهم. انظر: الإصابة ٢/ ٩٣٢؛ فتح الباري ١/ ٦١٦.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٨٣، كتاب الصلاة، باب الصلاة على الحصير، ح (٣٨٠)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٤٦٦، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الجماعة في النافلة، ح (٦٥٨) (٢٦٦).
(٤) هو: جبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن سنان، الأنصاري السلمي، أبو عبد الله، شهد العقبة وبدرًا، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه شرحبيل بن سعد، وتوفي سنة ثلاثين. انظر: الإصابة ١/ ٢٥٢.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه ٩/ ٢٥٣، كتاب الزهد، باب حديث جابر الطويل، ح (٣٠١٠).
(٦) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٠٤، كتاب الصلاة، باب إذا كان الثوب ضيقًا يتزر به، ح (٦٣٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٠٧؛ والحازمي في الاعتبار-واللفظ له- ص ٢٨١. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ١٠٤.
[ ٢ / ١٠٣٠ ]
ويستدل منها على النسخ بالوجوه الآتية:
أولًا: إن هذه الأحاديث المذكور فيها وقوف الاثنين خلف الإمام متأخرة عن حديث ابن مسعود -﵁- الذي فيه ذكر قيام الاثنين إلى جانبي الإمام؛ لأن ابن مسعود -﵁- إنما تعلم هذه الصلاة من النبي -ﷺ- وهو بمكة، وفيها التطبيق وأحكام أخرى هي الآن متروكة ومن جملتها هذا الحكم، ولما قدم النبي -ﷺ- المدينة تركه، يدل عليه حديث أنس وجابر﵄لأن ذلك كان بعد الهجرة، وجابر -﵁- إنما شهد المشاهد التي كانت بعد بدر (^١).
ثانيًا: إن في قيام جبار بن صخر -﵁- عن يسار النبي -ﷺ- كذلك دلالة على أن قيام الاثنين عن جانبي الإمام كان مشروعًا، وأنه استعمل الحكم
_________________
(١) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٣/ ١٤٠؛ الاعتبار ص ٢٨٠، ٢٨١؛ إعلام العالم لابن الجوزي ص ٢٥٥؛ نيل الأوطار ٣/ ١٨٠.
[ ٢ / ١٠٣١ ]
الأول حتى منعه منه النبي -ﷺ- ودله على الحكم الثاني؛ حيث جعله مع جابر -﵁- خلفه، فيكون هذا الحكم الثاني ناسخًا للحكم الأول؛ لأنه بعده (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في موقف الاثنين من الإمام إذا كانوا يصلون جماعة على قولين:
القول الأول: أن موقفهما خلف الإمام.
وهو مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥)، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر﵃-، وجابر بن زيد، والحسن، وعطاء بن أبي رباح (^٦).
القول الثاني: أن الإمام يقف بينهما، وهما إلى جانبيه.
روي ذلك عن ابن مسعود -﵁-، وهو قول علقمة، والأسود، وإبراهيم النخعي (^٧).
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ٢٨١.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣٠٨؛ مختصر القدوري ص ٢٩؛ الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ٣٥٥ العناية ١/ ٣٥٦؛ المختار وشرحه الاختيار ١/ ٥٨؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٦٥.
(٣) انظر: الكافي ص ٤٧؛ التمهيد ١/ ٢٨٦؛ جامع الأمهات ص ١١٢؛ مختصر خليل مع شرحه مواهب الجليل ٢/ ٤٦٩.
(٤) انظر: الأم ١/ ٣٠٠؛ الحاوي ٢/ ٣٣٩؛ العزيز ٢/ ١٧٤؛ المجموع ٤/ ١٣٠.
(٥) انظر: المغني ٣/ ٥٣؛ الشرح الكبير ٤/ ٤١٧؛ الفروع ٣/ ٣٨؛ منتهى الإرادات ١/ ٨٢؛ منار السبيل ١/ ١٢٣.
(٦) انظر: الاعتبار ص ٢٨٠؛ المغني ٣/ ٥٣.
(٧) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣٠٦؛ الاعتبار ص ٢٨٠؛ المجموع ٤/ ١٣٠.
[ ٢ / ١٠٣٢ ]
وبه قال أبو يوسف من الحنفية (^١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أنهما يقفان خلف الإمام- بأدلة منها ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ؛ فإن فيها دلالة ظاهرة على أن الاثنين يقفان خلف الإمام إذا كانوا يصلون
جماعة (^٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أنهما يقفان بجانبي الإمام-بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث ابن مسعود -﵁-.
وفي رواية عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله - ﵁ -، فقال: أصلى من خلفكم؟ قالا: نعم، فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال: «هكذا فعل رسول الله - ﷺ -» (^٣).
فهذا الحديث يدل على أن المأمومين إذا كانوا اثنين فإنهما يقفان إلى جانبي الإمام وهو يتوسطهما (^٤).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع ١/ ٣٩٠؛ الهداية ١/ ٣٥٥.
(٢) انظر: المغني ٣/ ٥٣؛ المجموع ٤/ ١٣٠.
(٣) سبق تخريجه في ص ٥٥٨.
(٤) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣٠٦.
[ ٢ / ١٠٣٣ ]
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وذلك لما يلي:
أولًا: لكثرة أدلته مع صحتها وصراحتها (^١).
ثانيًا: ولأن القول بنسخ حديث ابن مسعود -﵁- في قيام الاثنين إلى جانبي الإمام إذا كانوا يصلون جماعة له وجه؛ حيث إنه ذُكر معه التطبيق، وهو كان في أول الإسلام. أما حديث أنس وجابر﵄- فبعد ا لهجرة بلا شك (^٢).
ثالثًا: ولأن حديث ابن مسعود -﵁- رُوي مرفوعًا، ورُوي موقوفًا ثم يحتمل أمورًا، منها: النسخ كما سبق بيانه. ومنها: أنه صلى كذلك لضيق المكان (^٣) والله أعلم.
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ٢٨٢.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٢٨٢.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣٠٧؛ السنن الكبرى للبيهقي ٣/ ١٤٠؛ الاعتبار ص ٢٨٢؛ بداية المجتهد ١/ ٢٨٧؛ بدائع الصنائع ١/ ٣٩١.
[ ٢ / ١٠٣٤ ]