ذهب ابن شاهين إلى أن من أذن (^١) فهو يقيم، وأن رخصة أن يؤذن أحد ويقيم غيره منسوخ (^٢).
والقول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف، لكن السبب الأصلي لاختلاف الفقهاء في المسألة هو اختلاف الأحاديث الواردة فيها (^٣).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن زياد بن الحارث الصدائي (^٤) -﵁-، قال: أمرني رسول الله -ﷺ- أن أؤذن في صلاة الفجر، فأذنت، فأراد بلال (^٥) أن يقيم، فقال رسول الله
_________________
(١) الأذان لغة: الإعلام. انظر: مختار الصحاح ص ١١؛ المصباح المنير ص ١٠؛ القاموس المحيط ص ١٠٥٨. والأذان شرعًا: قول مخصوص يعلم به وقت الصلاة المفروضة. انظر: الاختيار ١/ ٤٢؛ مواهب الجليل ٢/ ٦٨.
(٢) انظر: ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين ص ٢٦٦.
(٣) انظر: بداية المجتهد ١/ ٢١٢.
(٤) هو: زياد بن الحارث الصدائي، له صحبة، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: زياد بن نعيم الحضرمي. انظر: الإصابة ١/ ٦٣٦؛ تهذيب التهذيب ٣/ ٣١٧.
(٥) هو: بلال بن رباح الحبشي، التيمي مولاهم، أسلم قديما، وكان مولى لأمية بن خلف وكان يعذبه على التوحيد، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فلزم النبي -ﷺ- وأذن له، وشهد معه جميع المشاهد، وروى عنه -ﷺ-، وخرج بعده إلى الشام، وبها توفي في زمن عمر. انظر: التاريخ الكبير ٢/ ١٠٦؛ ا لإصابة ١/ ١٨٧؛ التهذيب ١/ ٤٦١.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
-ﷺ-: «إن أخا صداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم» (^١).
ثانيًا: عن ابن عمر -﵁- أن النبي -ﷺ- كان في مسير له، فحضرت الصلاة، فنزل القوم فطلبوا بلالًا فلم يجدوه، فقام رجل فأذن، ثم جاء بلال، فقال القوم: إن رجلًا قد أذن، فمكث القوم هونًا، ثم إن بلالًا أراد أن يقيم الصلاة، فقال له النبي -ﷺ-: «مهلًا يا بلال، فإنما يقيم من أذن» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٨٧، كتاب الصلاة، باب في الرجل يؤذن ويقيم آخر، ح (٥١٤)، والترمذي في سننه-واللفظ له- ص ٥٩، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن من أذن فهو يقيم، ح (١٩٩)، وابن ماجة في سننه ص ١٣٨، كتاب الأذان، باب السنة في الأذان، ح (٧١٧)، وعبد الرزاق في المصنف ١/ ٤٧٦، والإمام أحمد في المسند ٢٩/ ٧٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٤٢، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٦٢، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٥٦٠، والحازمي في الاعتبار ص ١٩٦، وحسنه. وقال الترمذي: (إنما نعرفه من حديث الإفريقي، والإفريقي هو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره، وقال أحمد: لا أكتب حديث الإفريقي. ورأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره، ويقول: هو مقارب الحديث) وقال النووي في المجموع ٣/ ٩٠: (قال الترمذي والبغوي: في إسناده ضعف). وقال ابن التركماني في الجوهر النقي ١/ ٥٦٠: (في سنده عبد الرحمن الإفريقي سكت عنه هنا-يعني البيهقي- وقال في باب فرض التشهد: ضعفه القطان، وابن مهدي، وابن معين، وابن حنبل، وغيرهم). وقال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ١/ ٢٥٥: (ضعيف) ثم ذكر من خرجه وكلام الترمذي فيه، ثم قال: (وقد ضعف الحديث أيضًا البغوي والبيهقي، وأنكره سفيان الثوري). وقال في سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/ ٥٤: (وهذا سند ضعيف من أجل الإفريقي هذا).
(٢) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٦١، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٥٨٦، وقال: (تفرد به سعيد بن راشد، وهوضعيف). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٦: (رواه الطبراني في الكبير، وفيه سعيد بن راشد السماك، وهو ضعيف). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٣٠٩: (وسعيد بن راشد هذا ضعيف، وضعف حديثه هذا أبو حاتم الرازي، وابن حبان في الضعفاء) وقال الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/ ٥٤: (وروي الحديث عن ابن عمر ولكنه ضعيف أيضًا)، ونقل عن ابن أبي حاتم أنه قال في علل الحديث: (وقال أبي: هذا حديث منكر، وسعيد ضعيف الحديث، وقال مرة: متروك الحديث).
[ ٢ / ٧٣٥ ]
ويستدل منهما على النسخ: بأن هذا الحديث (من أذن فهو يقيم) متأخر عن الحديث الذي يدل على جواز أن يؤذن أحد ويقيم آخر؛ لأن ذاك كان في أول ما شرع الأذان، وهذا الحديث كان بعد ذلك بلا شك، حيث كان النبي -ﷺ- في مسير له، فيكون هذا اللاحق ناسخًا لذاك السابق، وأولى بالأخذ (^١).
واعترض عليه: بأنه لا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الحديثين، والجمع هنا ممكن، وذلك بحمل حديث الصدائي على الأولوية، وغيره على الجواز (^٢).
هذا كان من قال بالنسخ ودليله.
_________________
(١) انظر: ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٢٦٦؛ التمهيد ٣/ ١٦؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٥٨٧؛ الاعتبار للحازمي ص ١٩٦؛ رسوخ الأحبار ص ٢٣٩.
(٢) انظر:؛ الاعتبار للحازمي ص ١٩٦؛ رسوخ الأحبار ص ٢٣٩.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
وقد اتفق أهل العلم على جواز أن يؤذن أحد ويقيم آخر (^١)، واختلفوا في الأولى على
قولين:
القول الأول: أنه لا بأس أن يؤذن أحد ويقيم آخر.
وهو قول الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، وأبي ثور، وروي ذلك عن علي -﵁- (^٤).
القول الثاني: أنه يستحب أن يقيم من أذن.
وهو قول الشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦)، والليث، والثوري (^٧).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أنه لا بأس أن يؤذن أحد ويقيم آخر- بما يلي:
أولًا: عن عبد الله بن زيد (^٨) -﵁-، قال: أراد النبي -ﷺ- في الأذان أشياء لم
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ١٩٥؛ المجموع ٣/ ٩٠.
(٢) انظر: الأصل ١/ ١٣١؛ شرح معاني الآثار ١/ ١٤٢، ١٤٣؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٥٩.
(٣) انظر: التمهيد ٣/ ١٦؛ جامع الأمهات ص ٨٧؛ مختصر خليل مع شرحه التاج والإكليل ٢/ ١١٤.
(٤) انظر: ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٢٦٥، ٢٦٦؛ الاعتبار ص ١٩٥.
(٥) انظر: الأم ١/ ٩١؛ العزيز ١/ ٤٢٥؛ المجموع ٣/ ٩٠؛
(٦) انظر: المغني ٢/ ٧١؛ الشرح الكبير ٣/ ٨٢؛ الممتع ١/ ٣٢٦؛ الإنصاف ٣/ ٨٢.
(٧) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٨٩؛ الاعتبار ص ١٩٥.
(٨) هو: عبد الله بن زيد بن ثعلبة-وقيل: ابن عبد ربه-الخزرجي الأنصاري، أبو محمد المدني، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد، وهو الذي أُري النداء للصلاة في النوم، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابنه محمد، وابن المسيب، وغيرهما، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين، وقيل استشهد بأحد. انظر: الإصابة ٢/ ١٠٥١؛ التهذيب ٥/ ٢٠٠.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
يصنع منها شيئًا، قال: فأُري عبد الله بن زيد الأذان في المنام، فأتي النبي -ﷺ- فأخبره، فقال: «ألقه على بلال» فألقاه، فأذن بلال، فقال عبد الله: أنا رأيته، وأنا كنت أريده، قال: «فأقم أنت» (^١).
ثانيًا: عن عبد الله بن زيد -﵁- أنه أُري الأذان مثنى مثنى، والإقامة مثنى مثنى، قال: فأتيت النبي -ﷺ- فأخبرته، فقال: «علمهن بلالًا» فعلمتهن بلالًا، قال: فتقدمت، فأمرني أن أقيم، فأقمت) (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٨٧، كتاب الصلاة، باب في الرجل يؤذن ويقيم آخر، ح (٥١٢)، وأبو داود الطيالسي في مسنده -منحة المعبود-ص ٧٨، وأحمد في المسند ٢٧/ ٣٩٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٤٢، والدارقطني في سننه ١/ ٢٤٥، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٦٥، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٥٨٧، والحازمي في الاعتبار ص ١٩٤. وذكر البيهقي في السنن ١/ ٥٨٧: أن البخاري قال: (فيه نظر) وأن أبا بكر أحمد بن إسحاق الفقيه كان يضعفه. وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٢٠٩ - بعد ذكر من خرجه: (ومحمد بن عمرو هو الواقفي، بينه أبو داود الطيالسي في روايته، هو ضعيف واختلف عليه فيه، فقيل عن محمد بن عبد الله، وقيل عن عبد الله بن محمد، قال ابن عبد البر: إسناده حسن أحسن من حديث الإفريقي). وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص ٨٦.
(٢) قال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٢٧٠: (أخرجه البيهقي في الخلافيات ..) فذكره، وذكر كلام البيهقي فيه، ثم أجاب عنه، وقال ابن حجر في الدراية ١/ ١١٥: (وإسناده صحيح، وله شاهد عند أبي داود …)
[ ٢ / ٧٣٨ ]
وهذا يدل على أنه لا بأس أن يؤذن أحد ويقيم آخر (^١).
دليل القول الثاني
أما القول الثاني-وهو أن الأولى أن يقيم من أذن- فيستدل له بحديثي زياد بن الحارث الصدائي وابن عمر﵄-، وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ.
ووجه الاستدلال منهما: هو أن فيهما بيان أن من أذن فهو يقيم، فدل على أن ذلك أولى، وهذا ليس مخالفًا لحديث عبد الله بن زيد -﵁-؛ لأن هذا يدل على الأولوية، وحديث عبد الله بن زيد -﵁- على الجواز، ولا منافاة بينهما (^٢).
الراجح
بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي-والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولًا: أن الراجح هو القول الثاني؛ وذلك لأن به يمكن الجمع بين الأحاديث الواردة في المسألة، وما دام يمكن الجمع بين الأحاديث المختلفة لا
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٤٢؛ التمهيد ٣/ ١٦.
(٢) انظر: التمهيد ٣/ ١٦؛ المغني ٢/ ٧١؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٥٩.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
يصار إلى ترك بعضها (^١).
ثانيًا: أنه لا يصح دعوى نسخ ما يدل على جواز أن يؤذن أحد ويقيم غيره؛ لأن النسخ إنما يصار إليه عند تعذر الجمع بين الأدلة، وفي هذه المسألة أمكن الجمع بين الأدلة كما سبق ذكره (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ١٩٦؛ رسوخ الأحبار ص ٢٣٩؛ فتح الباري ٤/ ٣٩٧.
(٢) انظر: الاعتبار ص ١٩٦، ٤٩٥؛ رسوخ الأحبار ص ٢٣٩.
[ ٢ / ٧٤٠ ]