ذهب ابن حزم إلى أن الأحاديث الدالة على عدم نقض الوضوء من مس المرأة منسوخة بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^١)، وبناءً على ذلك فمس الرجل المرأة أو العكس إذا كان عمدًا ناقض للوضوء، سواء كان المس لشهوة أم لا (^٢).
وتبين منه أن القول بالنسخ في المسألة أحد أسباب الاختلاف عند بعض الفقهاء، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وهل المراد به الجماع أو ما دون الجماع، وسيظهر ذلك من أدلة الأقوال ووجه الاستدلال منها.
دليل من قال بالنسخ
واستدل من قال بالنسخ بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٣).
ووجه الاستدلال منه هو: أن اللمس قد يكون باليد، كما في قوله تعالى:
_________________
(١) سورة المائدة الآية (٦).
(٢) انظر: المحلى ١/ ٢٢٧، ٢٢٨، ٢٢٩. وقال الغماري في الهداية في تخريج أحاديث البداية ١/ ٣٥٩ - بعد الكلام على حديث القبلة-: (وهو صحيح ولكنه مع ذلك منسوخ بالآية الكريمة).
(٣) سور المائدة الآية (٦).
[ ١ / ٤٧٩ ]
﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (^١).
وقد يكون اللمس بغير اليد كالجماع وغيره، ويدل على هذا ظاهر الكتاب والسنة واللغة، إلا أنه حقيقة في لمس اليد.
وإذا كان اللمس مطلقًا يشمل كل ذلك فيقال باطلاقه، فمتى التقت البشرتان انتقض الوضوء، سواء كان بيد أو جماع (^٢).
وهذه الآية الكريمة متأخرة النزول، والأحاديث الدالة على عدم النقض ليس فيها أنها كانت بعد نزول الآية، بل هي موافقة للحال التي كان الناس عليها قبل نزول الآية، ووردت
الآية الكريمة بشرع زائد، فتكون تلك الأحاديث منسوخة بها (^٣).
واعترض عليه بما يلي:
أولًا: أنه لا يسلم أن المراد باللمس في الآية الكريمة الجس والمس باليد؛ وذلك لما يلي:
أ- أن اللمس وإن كان يطلق على الجماع والجس باليد وغيرها، لكن المراد به في الآية الكريمة الجماع بدليل القرائن الآتية:
١ - الأحاديث التي تدل على أن القبلة والجس باليد وبغيرها-غير
_________________
(١) سورة الأنعام الآية (٧).
(٢) انظر: الأوسط ١/ ١٢٧؛ المحلى ١/ ٢٢٧؛ بداية المجتهد ١/ ٢٧٩؛ المجموع ٢/ ٢٧؛ تحفة الأحوذي ١/ ٢٩٧.
(٣) انظر: المحلى ١/ ٢٢٨، ٢٢٩.
[ ١ / ٤٨٠ ]
الجماع- مما لا ينقض
الوضوء (^١).
٢ - أن هناك دليلًا من تقسيم الآية الكريمة يدل على أن المراد باللمس هنا الجماع، وهو أن في الآية الكريمة تقسيمًا للطهارة إلى أصلية وبدلية، وتقسيمًا لها إلى كبرى وصغرى، وتقسيمًا لأسباب الطهارة الكبرى والصغرى (قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦] فهذه طهارة بالماء أصلية صغرى، ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فهذه طهارة بالماء أصلية كبرى. ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ هذا البدل. وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ هذا بيان سبب الصغرى. وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ هذا بيان سبب الكبرى. ولو حملناه على المس الذي هو الجس باليد، لكانت الآية الكريمة ذكر الله فيها سببين للطهارة الصغرى، وسكت عن سبب الطهارة الكبرى، مع أنه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وهذا خلاف البلاغة القرآنية، وعليه فتكون الآية دالة على أن المراد بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ أي جامعتم النساء، لتكون الآية
_________________
(١) سيأني تخريج هذه الأحاديث في دليل القول الأول. وانظر: الأوسط ١/ ١٢٨؛ أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٦٤؛ تحفة الأحوذي ١/ ٢٩٨.
[ ١ / ٤٨١ ]
مشتملة على السببين الموجبين للطهارة، السبب الأكبر، والسبب الأصغر، والطهارتين الصغرى في الأعضاء الأربعة، والكبرى في جميع البدن، والبدل الذي هو طهارة التيمم في عضوين فقط لأنه يتساوى فيها الطهارة الصغرى والكبرى) (^١).
فلو أريد باللمس المس باليد لم يشمل التيمم للجنب عند عدم الماء (^٢).
٣ - أن اللمس وإن كان حقيقة في اللمس باليد إلا أنه إذا أضيف إلى النساء وجب أن يكون المراد منه الجماع، كالوطء؛ حيث أنه حقيقة في المشي بالأقدام وإذا أضيف إلى النساء لم يعقل منه غير الجماع (^٣).
ب- إن القول بأن اللمس يطلق على الجماع ويطلق على الجس باليد فيقال بإطلاقه وعمومه في اللمسين فيعترض عليه: بأن هذا الفهم ضعيف؛ لأن العرب إذا خاطبت بالاسم المشترك إنما تقصد به معنى واحدًا من المعاني التي يدل عليها الاسم، لا جميع المعاني التي يدل عليها (^٤).
ومما يؤكد ذلك أن عليًا وابن عباس وأبا موسى الأشعري -﵃- لما تأولوا اللمس على الجماع لم يوجبوا نقض الطهارة بلمس اليد.
_________________
(١) فتاوي أركان الإسلام للشخ ابن عثيمين ص ٢٤١. وانظر: الأوسط ١/ ١٢٨؛ التمهيد ٤/ ١٢٧.
(٢) انظر: اللباب للمنبجي ١/ ١١٩.
(٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٦٤٦؛ بدائع الصنائع ١/ ١٣٢.
(٤) انظر: بداية المجتهد ١/ ٧٩.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وعمر وابن مسعود -﵄- لما تأولاه على اللمس باليد لم يجيزا للجنب التيمم (^١).
ثانيًا: أن قول تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ يحتمل أن يكون المراد به الجماع، ويحتمل أن يكون المراد به ما دون الجماع من الجس باليد والتقبيل ونحو ذلك، وعلى الاحتمال الأول لا يصح الاستدلال من الآية على النسخ إطلاقًا؛ لأن إيحاب الطهارة من الجماع لا يلزم منه إيجاب الطهارة من المس بما دون الجماع.
وعلى الاحتمال الثاني لا يصح الاستدلال منها على النسخ كذلك؛ لأن كون الآية نزلت بعد تلك الأحاديث وأن تلك الأحاديث كانت قبل نزول الآية احتمال ليس عليه أي دليل، والنسخ لا يثبت بالاحتمال؛ لأن النسخ لا بد فيه من معرفة التاريخ حتى يعرف المتقدم والمتأخر، فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم، وهذا لا يوجد هنا؛ لأن الأحاديث التي يستدل بها على أن لمس النساء لا ينقض الوضوء ليس فيها أي دليل على أنها كانت قبل نزول الآية، وأنه لم يوجد منها شيء بعد نزولها (^٢).
ثالثًا: أن لمس النساء مما تعم به البلوى، فكيف يكون ناقضًا للوضوء ثم لا يَرِدُ به إلا آية محتملة لمعنيين، ويكون مع المعنى الغير المراد من القرائن والدلائل ما يرجحها على المعنى الذي سيقت الآية لأجلها؟ فهذا مما يرده
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٦٤.
(٢) انظر: فتح الباري ١/ ٧٤٥.
[ ١ / ٤٨٣ ]
العقل والنقل.
ثالثًا: إن عائشة -﵂- لما بلغها قول ابن عمر -﵁- بأن القبلة من اللمس وفيها الوضوء أنكرت ذلك عليه، واستدلت على ذلك بفعل النبي -ﷺ- أنه كان يقبل ثم لا يتوضأ (^١).
وهذا يدل على أن القبلة وجدت بعد نزول هذه الآية، أو أن الآية ليس المراد بها إلا الجماع، وكلا الأمرين مما يُرد به القول بالنسخ، وخاصة أن عائشة -﵂- أعلم من غيرها بالأحكام التي يكون للنساء تعلق بها، فلو كان مس المرأة ناقضًا للوضوء لكان عندها علمًا بذلك قبل غيرها.
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الوضوء من مس المرأة باليد أو بأي عضو آخر دون الجماع على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا، فلا يجب منه الوضوء.
وهو مذهب الحنفية (^٢)، ورواية عن الإمام أحمد (^٣)، واختيار شيخ الإسلام
_________________
(١) انظر: سنن الدارقطني ١/ ١٣٦.
(٢) انظر: الآثار لمحمد ١/ ٣٥؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٦٢؛ المبسوط ١/ ٧٣؛ بدائع الصنائع ١/ ١٣١؛ اللباب للمنبجي ١/ ١١٨؛ الدر المختار ١/ ٢٤٩.
(٣) انظر: المغني ١/ ٢٥٧؛ الكافي ١/ ٩٨؛ الشرح الكبير ٢/ ٤٣؛ الإنصاف ٢/ ٤٢.
[ ١ / ٤٨٤ ]
ابن تيمية (^١).
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وأبي ابن كعب﵃- (^٢).
وبه قال ابن عباس -﵁- ومسروق، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، وطاوس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وأبو ثور (^٣).
القول الثاني: أن مس المرأة ناقض للوضوء.
وهو مذهب الشافعية (^٤)، ورواية عن الإمام أحمد (^٥).
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عمر -﵃- (^٦).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٣٥؛ الاختيارات الفقهية ص ١٦؛ الإنصاف ٢/ ٤٢.
(٢) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٣٥؛ تفسير الطبري ٨/ ٣٨٩، ٣٩٢؛ أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٦٢؛ التمهيد ٤/ ١٢٥؛ الاستذكار ١/ ٢٩٦، ٣٠٠.
(٣) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٣٤؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٤٨؛ الأوسط ١/ ١٢٢؛ التمهيد ٤/ ١٢٤؛ الاستذكار ١/ ٢٩٩؛ المغني ١/ ٢٥٧؛ المجموع ٢/ ٢٦.
(٤) انظر: الأم ١/ ٦٣؛ مختصر المزني ص ١٠؛ العزيز ١/ ١٦١؛ روضة الطالبين ص ٣٤؛ المجموع ٢/ ٢٢، ٢٦.
(٥) انظر: المغني ١/ ٢٥٧؛ الشرح الكبير ٢/ ٤٢؛ المقنع وشرحه الممتع ١/ ٢١٢؛ الإنصاف ٢/ ٤٢.
(٦) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٢٣، ١٣٣؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٤٩؛ الأوسط ١/ ١١٨؛ أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٦٢؛ المجموع ٢/ ٢٦.
[ ١ / ٤٨٥ ]
وبه قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود (^١)، ومكحول، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ويحيى بن سعيد، والزهري، وزيد بن أسلم (^٢)، وعطاء بن السائب (^٣)، وسعيد بن عبد العزيز (^٤)،
وربيعة بن أبي عبد الرحمن (^٥).
القول الثالث: أن لمس المرأة لشهوة ولذة ينقض الوضوء، ولا ينقضه لغير
_________________
(١) هو: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، قيل اسمه عامر، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، وهو ثقة، ورى عن أبي موسى الأشعري، وعائشة، وغيرهما، وروى عنه: إبراهيم النخعي، ومجاهد، وغيرهما، وتوفي سنة إحدى وثمانين، وقيل بعدها. انظر: تهذيب التهذيب ٥/ ٦٨؛ التقريب ٢/ ٤٣٢.
(٢) هو: زيد بن أسلم العدوي مولى عمر -﵁- أبو عبد الله، ثقة، روى عن: أبي هريرة، وابن عمر، وغيرهما، ورى عنه: سفيان بن عيينة، وجرير بن حازم، وغيرهما، وتوفي سنة ست وثلاثين. انظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٣٤٥؛ التقريب ١/ ٣٢٦.
(٣) هو: عطاء بن السائب بن مالك، أبو محمد، الثقفي الكوفي، صدوق اختلط، وروى عن إبراهيم النخعي، ومجاهد، وغيرهما، وروى عنه: الأعمش، والثوري، وغيرهما، وتوفي سنة ست وثلاثين ومائة، وقيل غير ذلك. انظر: تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٧؛ التقريب ١/ ٦٧٥.
(٤) هو: سعيد بن عبد العزيز التنوخي، الدمشقي، أحد الأئمة، ثقة، اختلط في آخر عمره، وسمع من مكحول، وطائفة، وروى عنه: عبد الرحمن بن مهدي، وأبو مسهر، وغيرهما، وتوفي سنة سبع وستين ومائة، وقيل بعدها. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ١٤٩؛ التقريب ١/ ٣٥٩.
(٥) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٣٤؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٤٩؛ الأوسط ١/ ١١٨ - ١٢٠؛ التمهيد ٤/ ١٣١؛ الاستذكار ١/ ٢٩٧؛ المغني ١/ ٢٥٧؛ المجموع ٢/ ٢٦.
[ ١ / ٤٨٦ ]
شهوة.
وهو مذهب المالكية (^١)، والحنابلة (^٢).
وقال به: إسحاق بن راهويه، والحسن بن حي. وروي ذلك عن إبراهيم النخعي، والشعبي، والحكم (^٣)، وحماد (^٤)، والليث، وسفيان الثوري (^٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أن لمس النساء بما دون الجماع ليس بناقض للوضوء - بما يلي:
_________________
(١) انظر: التمهيد ٤/ ١٣٠؛ الاستذكار ١/ ٢٩٨؛ بداية المجتهد ١/ ٧٧؛ جامع الأمهات ص ٥٦؛ مختصر خليل مع التاج والإكليل ١/ ٤٢٩؛ مواهب الجليل ١/ ٤٣٠.
(٢) انظر: المغني ١/ ٢٥٦؛ الكافي ١/ ٩٩؛ الشرح الكبير ٢/ ٤٥؛ العدة شرح العمدة ص ٤٦؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٣٣؛ شرح الزركشي ١/ ١٢٦؛ الإنصاف ٢/ ٤٢؛ زاد المستقنع ص ٨.
(٣) هو: الحكم بن عتيبة أبو محمد الكندي مولاهم، الكوفي، ثقة فقيه، روى عن شريح، ومجاهد، وغيرهما، وروى عنه: الأعمش، والأوزاعي، وغيرهما، وتوفي سنة خمسة عشرة ومائة، وقيل غيرها. انظر: تذكة الحفاظ ١/ ١١٧؛ تهذيب التهذيب ٢/ ٣٨٩؛ التقريب ١/ ٢٣٢.
(٤) هو: حماد بن أبي سليمان-مسلم- الأشعري مولاهم، أبو إسماعيل الكوفي، الفقيه، سمع أنس بن مالك، وتفقه على إبراهيم النخعي، وروى عنه: شعبة، وأبو حنيفة، وغيرهما، ورمي بالإرجاء، وهو صدوق له أوهام، وتوفي سنة عشرين ومائة. انظر: ميزان الإعتدال ٢/ ١١٨؛ تهذيب التهذيب ٣/ ١٤؛ التقريب ١/ ٢٣٨.
(٥) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٣٣؛ مصنف ابن أبي شيبة ٤٩؛ الأوسط ١/ ١١٣؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٦٢؛ التمهيد ٤/ ١٣٠؛ المجموع ٢/ ٢٦.
[ ١ / ٤٨٧ ]
أولًا: عن عائشة -﵂- زوج النبي -ﷺ- أنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله -ﷺ- ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتهما، قالت:
والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) (^١).
ثانيًا: عن عائشة -﵂- قالت: (بئسما عدلتمونا بالكلاب والحمار، لقد رأيتني ورسول الله -ﷺ- يصلي وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فقبضتمها) (^٢).
ثالثًا: عن عائشة﵂- قالت: (فقدت رسول الله -ﷺ- ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان وهو يقول: «اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (^٣).
رابعًا: عن عائشة﵂- قالت: (إن كان رسول الله -ﷺ- ليصلي وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٨٤، كتاب الصلاة، باب الصلاة على الفراش، ح (٣٨٢)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٧١، كتاب الصلاة، باب سترة ا لمصلي، ح (٥١٢) (٢٧٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٠٨، كتاب الصلاة، باب هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد، ح (٥١٩).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١٥٢، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، ح (٤٨٦) (٢٢٢).
[ ١ / ٤٨٨ ]
برجله) (^١).
خامسًا: عن أبي قتادة -﵁- قال: «خرج علينا النبي -ﷺ- وأمامة بنت أبي العاص (^٢) على عاتقه، فصلى فإذا ركع وضع، وإذا رفع رفعها» (^٣).
سادسًا: حديث عائشة -﵂- في القبلة، وقد روي بطرق وألفاظ منها ما يلي:
أ-عن عائشة﵂- «أن النبي -ﷺ- قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ» قال عروة: (فقلت لها: من هي إلا أنت فضحكت) (^٤).
_________________
(١) أخرجه النسائي في سننه ص ٣٥، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة، ح (١١٦). وصحح إسناده النووي في المجموع ٢/ ٢٧، وابن حجر في التلخيص الحبير ١/ ١٣٣. وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٧٣: (هذا الإسناد على شرط الصحيح). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ص ٣٥: (صحيح).
(٢) هي: أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزي بن عبد شمس، العبشمية، وهي من زينب بنت رسول الله -ﷺ-، وتزوجها علي بن أبي طالب بعد فاطمة -﵂- ولما قتل علي -﵁- تزوجها المغيرة بن نوفل وهلكت عنده. انظر: تجريد أسماء الصحابة ٢/ ٢٤٦؛ الإصابة ٤/ ٢٤٢٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٢٧٦، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله، ح (٥٩٩٦)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٩٩، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب حمل الصبيان في الصلاة، ح (٥٤٣) (٤٣).
(٤) أخرجه من طريق الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة: أبو داود في سننه ص ٣٢، كتاب الطهارة، باب الوضوء من القبلة، ح (١٧٩)، والترمذي في سننه ص ٣١، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من القبلة، ح (٨٦)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٤٨، وأحمد في المسند ٤٢/ ٤٩٧، والدارقطني في سننه ١/ ١٣٨، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٠٠. وأعل بعلتين: إحداهما: أن حبيب بن أبي ثابت رواه عن عروة، فقيل: هو عروة المزني، فقد روي عن سفيان الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني. وقد رواه عبد الرحمن بن مغراء عن الأعمش أنه قال: أخبرنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة -الحديث-. وإذا كان هو عروة المزني فهو مجهول. انظر: سنن أبي داود ص ٣٢؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٠١؛ نصب الراية ١/ ٧٢؛ تهذيب التهذيب ٧/ ١٦٦؛ التقريب ١/ ٦٧٢. وقيل في دفع هذه العلة: بأن عروة المذكور في هذا الحديث هو عروة بن الزبير، وليس عروة المزني، يدل عليه ما يلي: أولًا: أن الحديث رواه عن وكيع: قتيبة، وجنادة، وأبو كريب، وأحمد بن منيع، ومحمود بن غيلان، وأبو عمار، وعثمان بن أبي شيبة، وأبو هاشم الرفاعي، وحاجب بن سليمان، ويوسف بن موسى، وإبراهيم بن عبد الله العبسي، كلهم قالوا: عن وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة، مطلقًا غير منسوب، ولا يعقل أن يكون شيخ حبيب بن أبي ثابت عروة المزني المجهول ثم يتفق هؤلاء الثقات الأعلام من أصحاب وكيع وأصحاب الأعمش على إطلاقه الموهم الموقع في الخطأ وتصحيح الضعيف، فإن عروة عند الاطلاق لا ينصرف إلا إلى بن الزبير، وليس هو عروة المزني. انظر: الهداية في تخريج أحاديث البداية ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦. وأما ما جاء في رواية عبد الرحمن بن مغراء عن عروة المزني فهو لا يعلل هذه الروايات؛ لأن إسناده ضعيف، وعبد الرحمن بن مغراء متكلم فيه، فقد قال ابن المديني: (ليس بشيء). وقال ابن عدي: (والذي قاله ابن المديني هو كما قال، فإنه روى عن الأعمش أحاديث لا يتابعه عليه الثقات). وقد خالف في هذا الحديث كل الثقات الذين رووا هذا الحديث عن الأعمش؛ حيث لم يقل أحد منهم في عروة أنه عروة المزني، بل بعضهم أطلق، وبعضهم نسبه فقال: عروة بن الزبير. لذلك لا يصح إعلال الحديث بذلك. وأما: قول سفيان الثوري: ما حدثنا إلا عن عروة المزني. فهذا لم يسنده أبو داود، ثم قد رد عليه ولم يرضه؛ حيث قال: وقد روى حمزة عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثا صحيحًا. انظر: سنن أبي داود ص ٣٢؛ نصب الراية ١/ ٧٢؛ الهداية في تخريج أحاديث البداية ١/ ٣٤٨؛ صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٢٤ - ٣٢٥. ثانيًا: إنه قد جاء مصرحًا بأنه عروة بن الزبير في روية الإمام أحمد في المسند ٤٢/ ٤٩٧، وابن ماجة في سننه، ص ١٠١. وانظر: الهداية في تخريج أحاديث البداية ١/ ٣٤٦؛ صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٢٥. ثالثًا: إن قوله: (فقلت لها: من هي إلا أنت) هذا يدل على أنه عروة بن الزبير؛ لأن عروة المزني لا يجسر أن يقول ذلك الكلام لعائشة. انظر: تحفة الأحوذي ١/ ٢٩٦. رابعًا: إن هناك توابع لحبيب بن أبي ثابت في هذا الحديث، فقد رواه هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير، كما رواه محمد بن عمرو بن عطاء عن عروة بن الزبير، فهذا كله يدل على أنه عروة بن الزبير، وليس هو عروة المزني. انظر: الهداية ١/ ٣٤٧؛ صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٢٠. وسيأتي المتابعات والشواهد. العلة الثانية: أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع عن عروة بن الزبير، وأنه كثير الإرسال والتدليس، وقد قال بعدم سماعه من عروة: سفيان الثوري، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبو حاتم وغيرهم. انظر: سنن الترمذي ص ٣١؛ سنن الدارقطني ١/ ١٣٩؛ تهذيب التهذيب ٢/ ١٦٥. ولذلك ضُعف هذا الحديث، وممن ضعفه: سفيان الثوري، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، والإمام البخاري، والترمذي، والدارقطني، والبيهقي وابن حزم وغيرهم. انظر: سنن الترمذي ص ٣١؛ السنن الكبرى ١/ ٢٠١؛ المحلى ١/ ٢٢٨؛ المجموع ٢/ ٢٨؛ نصب الراية ١/ ٧٢؛ التلخيص الحبير ١/ ١٣٣. ويقال في دفع هذه العلة ما يلي: أولًا: أن حبيب بن أبي ثابت ثقة، ولا شك أنه أدرك عروة، وروى عن عدد من الصحابة، فيمكن أن يكون سمع هذا الحديث عن عروة. قال ابن عبد البر في التمهيد ٤/ ١٢٦: (قالوا: ولا معنى لطعن من طعن على حبيب بن أبي ثابت عن عروة في هذا الباب؛ لأن حبيبًا ثقة ولا يشك أنه أدرك عروة وسمع ممن هو أقدم من عروة، فغير مستنكر أن يكون سمع هذا الحديث من عروة، فإن لم يكن سمعه منه فإن أهل العلم لم يزالوا يروون المرسل من الحديث والمنقطع، ويحتجون به إذا تقارب عصر المرسل والمرسل عنه ولم يعرف المرسل بالرواية عن الضعفاء والأخذ عنهم). وقد مال ابن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث، وصححه ابن التركماني، والزيلعي، والغماري، والشيخ الألباني، والشيخ ابن عثيمين. انظر: التمهيد ٤/ ١٢٦؛ الاستذكار ١/ ٣٠٠؛ الجوهر النقي ١/ ٢٠١؛ نصب الراية ١/ ٧٢؛ الهداية في تخريج أحاديث البداية ١/ ٣٤٥؛ صحيح سنن أبي داود ١/ ٣١٦؛ فتاوى أركان الإسلام لابن عثيمين ص ٢٤٠؛ ومجموع الفتاوى له ١١/ ٢٠١. ثانيًا: أن هذا الحديث له طرق ومتابعات تفيد صحته، ومن هذه الطرق والمتابعات ما يذكر فيما يلي.
[ ١ / ٤٨٩ ]
ب-عن عروة عن عائشة -﵂- قالت: (كان رسول الله -ﷺ- يصبح صائمًا ثم يتوضأ للصلاة فتلقاه المرأة من نسائه فيقبلها، ثم يصلي). قال عروة: (قلت لها: من ترينه غيرك؟ فضحكت) (^١).
ج- عن عائشة﵂-: (أن النبي -ﷺ- كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ) (^٢).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١٣٨، من طريق الحماني. قال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٢١ - بعد ذكر طريق أبي بكر النسابوري الذي يأتي في طريق (و) -: (قلت: ويؤكد ذلك أن الحماني راوي الحديث عن الأعمش جمع فيه بين التقبيل وهو صائم وبين الصلاة بعد ذلك، كما سبق، فالظاهر أنه هذا هو أصل الحديث، فروى بعضهم من التقبيل وهو صائم وبعضهم ترك الوضوء من التقبيل وكل ثقة فيما رواه هذا لا يعارض رواية ذلك وبالعكس).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٣٢، كتاب الطهارة، باب الوضوء من القبلة، ح (١٧٨)، والنسائي في سننه ص ٣٦، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من القبلة، ح (١٧٠)، وعبد الرزاق في المصنف ١/ ١٣٥، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٤٨، والدارقطني في سننه ١/ ١٤٠، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٠١، عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة. قال أبو داود: (وهو مرسل إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة شيئًا) وقال النسائي: (ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلًا). وقال الدارقطني: (لم يروه عن إبراهيم التيمي غير أبي روق عطية بن الحارث، ولا نعلم حدث به عنه غير الثوري وأبي حنيفة، واختلف فيه، فأسنده الثوري عن عائشة، وأسنده أبو حنيفة عن حفصة، وكلاهما أرسله، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة ولا من حفصة، ولا أدرك زمانهما، وقد روى هذا الحديث معاوية بن هشام عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة فوصل إسناده واختلف عنه في لفظه، فقال عثمان بن أبي شيبة عنه بهذا الإسناد: أن النبي -ﷺ- كان يقبل وهو صائم، وقال عنه غير عثمان: أن النبي -ﷺ- كان يقبل ولا يتوضأ. والله أعلم). وقال ابن التركماني في الجوهر النقي ١/ ٢٠١ - بعد ذكر كلام الدارقطني في وصل إسناد هذا الحديث-: (ومعاوية هذا أخرج له مسلم في صحيحه، فزال بذلك انقطاعه، وأبو روق عطية بن الحارث صدوق. وقال أبو عمر: قال الكوفيون: هو ثقة لم يذكره أحد بجرحة، ومراسيل الثقات عندهم حجة). والحديث صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٣١٦، وذكر أن السيوطي صححه في الجامع الكبير.
[ ١ / ٤٩٣ ]
د- عن عائشة -﵂-: «أن النبي -ﷺ- كان يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ» (^١).
_________________
(١) قال ابن التركماني في الجوهر النقي ١/ ٢٠١، والزيلعي في نصب الراية ١/ ٧٤: (قال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إسماعيل بن يعقوب بن صبيح ثنا محمد بن موسى بن أعين، ثنا أبي عن عبد الكريم الجزري عن عطاء عن عائشة، فذكره. ثم قالا: وعبد الكريم روى عنه مالك في الموطأ، وأخرج له الشيخان وغيرهما، ووثقه ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وغيرهم، وموسى بن أعين مشهور وثقه أبو زرعة وأبو حاتم، وأخرج له مسلم، وابنه مشهور روي له البخاري. وإسماعيل روى عنه النسائي ووثقه، وأبو عوانة الاسفرايني وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه وذكره ابن حبان في الثقات. وأخرج الدارقطني هذا الحديث من وجه آخر عن عبد الكريم، وقال عبد الحق بعد ذكره لهذا الحديث من جهة البزار: لا أعلم له علة توجب تركه، ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول ابن معين: حديث عبد الكريم عن عطاء حديث رديئ لأنه غير محفوظ. وانفراد الثقة بالحديث لا يضره) ثم قال الزيلعي -ونحوه كلام ابن التركماني-: (فإن قيل: فقد رواه الدارقطني من جهة ابن مهدي عن الثوري عن عبد الكريم عن عطاء قال: ليس في القبلة وضوء، قلنا: الذي رفعه زاد والزيادة مقبولة والحكم للرافع، ويحتمل أن يكون عطاء أفتى به مرة ومرة أخرى رفعه). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٢٢ عن حديث البزار: بأن إسناده صحيح، وذكر عن ابن حجر أنه قال في الدراية: رجاله ثقات. وهذا الحديث ذكره الدارقطني في سننه ١/ ١٣٧، قال: حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق نا محمد بن غالب، نا وليد بن صالح، نا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري عن عطاء عن عائشة: «أن النبي -ﷺ- كان يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ» ثم قال: (إن الوليد بن صالح وهم في قوله عن عبد الكريم، وإنما هو حديث غالب والله أعلم). وذكر قبل هذه الرواية هذا الحديث عن غالب عن عطاء عن عائشة، ثم قال: (غالب هو ابن عبيد الله متروك). وقال الشيخ الألباني في صيحيح سنن أبي داود ١/ ٣٢٣، بعد ذكر سند الدارقطني: (وهذا إسناد صحيح، وأما الدارقطني فقد أعله على طريقته في إعلال كل إسناد لهذا الحديث ولو بدون حجة ناهضة فقد قال: (يقال إن الوليد بن صالح وهم في قوله عن عبد الكريم وإنما هو حديث غالب …) ثم قال الشيخ في ١/ ٣٢٤: أقول: إن عجبي من الدارقطني لا ينتهي، فكيف يجوز رد رواية الثقة أو تخطئته بمجرد قوله: يقال إن الوليد بن صالح وهم؟ أليس هذا من الممكن أن يقال في كل حديث مهما كان شأن رجاله في الثقة والعدالة!! فإن الوليد هذا متفق على توثيقه واحتج به الشيخان ولم يتكلم فيه أحد بضعف في روايته، ثم الأغرب من ذلك أن يخطئه بمخالفة من هو دونه في الثقة والحفظ بدرجات أعني به جندل بن والق الذي جعل غالب بن عبيد الله المتروك مكان عبد الكريم الجزري. وبالجملة هذا الحديث صحيح لا شك فيه، ولو لم يكن له من الأسانيد إلا هذا لكفى حجة فكيف وله طرق أخرى كما سبق).
[ ١ / ٤٩٤ ]
هـ- عن عائشة -﵂- قالت: «قبل رسول الله -ﷺ- بعض نسائه، ثم صلى ولم يتوضأ، ثم ضحكت» (^١).
و- عن عائشة أنها بلغها قول ابن عمر: في القبلة الوضوء، فقالت: «كان رسول الله -ﷺ- يقبل وهو صائم، ثم لا يتوضأ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١٣٦. ثم قال: تفرد به حاجب عن وكيع، ووهم فيه والصواب عن وكيع بهذا الإسناد «أن النبي -ﷺ- كان يقبل وهو صائم» وحاجب لم يكن له كتاب إنما كان يحدث من حفظه). وقال ابن التركماني في الجوهر النقي ١/ ٢٠٢، والزيلعي في نصب الراية ١/ ٧٥، بعد ذكر هذا الحديث من طريق الدارقطني: (والنسابوري إمام مشهور، وحاجب لا يعرف فيه مطعن، وقد حدث عنه النسائي ووثقه، وقال في موضع آخر: لا بأس به، وباقي الإسناد لا يسأل عنه) ثم ذكرا كلام الدارقطني فيه ثم قالا: (ولقائل أن يقول: هو تفرد ثقة، وتحديثه من حفظه إن كان أوجب كثرة خطأه بحيث يجب ترك حديثه فلا يكون ثقة، ولكن النسائي وثقه، وإن لم يوجب خروجه من الثقة فلعله لم يهم، وكان نسبته إلى الوهم بسبب مخالفة الأكثرين له). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٢١ عن هذا الإسناد: (وهذا إسناد صحيح أبو بكر النسابوري ثقة إمام مشهور، وحاجب بن سليمان ثقة عند النسائي وابن حبان وغيرهما ولم يتكلم فيه أحد إلا الدارقطني من أجل هذا الحديث، وبقية بجاله ثقات مشهورون رجال الستة).
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١٣٦: (حدثنا الحسين بن إسماعيل، نا علي بن عبد العزيز الوراق، نا عاصم بن علي، نا أبو أويس، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال الدارقطني: (ولا أعلم حدث به عن عاصم بن علي هكذا غير علي بن عبد العزيز). وقال ابن التركماني في الجوهر النقي ١/ ٢٠٢، والزيلعي في نصب الراية ١/ ٧٥، بعد ذكر هذا الحديث من طريق الدارقطني وكلامه عليه: (وعلي هذا مصنف مشهور مخرج عنه في المستدرك، وعاصم أخرج له البخاري، وأبو أويس استشهد به مسلم). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٢١، بعد ذكر هذا الحديث: (وهذا يؤكد ما ذكرت آنفا أن أصل الحديث الجمع بين القضيتين) ثم قال في ١/ ٣٢٢: (وهذا إسناد حسن صحيح وأبو أويس اسمه عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي، وهوثقة تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه وأن يخالف في حديثه، وهو هنا لم يخالف أحدًا بل وافق وكيعًا في روايته هذا الحديث عن هشام بن عروة، وبقية رجاله ثقات، ولم يستطع الدارقطني أن يتكلم فيه بشيء غير قوله: (ولا أعلم حدث به عن عاصم بن علي هكذا غير علي بن عبد العزيز) قلت: وهذا لا شيء، فإن علي بن عبد العزيز هو البغوي وهو إمام مشهور، والدارقطني نفسه يروي عنه كثيرًا، وقد قال فيه: ثقة مأمون). هذا بعض طرق هذا الحديث، وله طرق أخرى وشواهد يراجع فيها إلى سنن الدارقطني ١/ ١٣٣ - ١٤٥، والجوهر النقي لابن التركماني ١/ ٢٠١ - ٢٠٢، نصب الراية ١/ ٧١ - ٧٥، الهداية في تخريج أحاديث البداية للغماري ١/ ٣٤٢ - ٤٥٩، صحيح سنن أبي داود ١/ ٣١٦ - ٣٢٥. ومن اطلع على هذه الطرق لا يبقى عنده شك إن شاء الله تعالى في صحة هذا الحديث؛ لذلك قال الغماري في الهداية ١/ ٣٤٥: (والحديث صحيح مقطوع به إن شاء الله) والشيخ الألباني صحح أكثر طرقه كما سبق ذكره. وتضعيف من ضعفه من الأئمة السابقين كيحيى بن سعيد القطان وغيره فالظاهر أنه لم يقف على الأسانيد كلها للحديث، كما أشار إليه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٢٥. أما المتأخرون الذين اطلعوا على جميع طرق الحديث وأسانيدها ثم لم يزالوا يضعفونه بأقاويل واحتمالات فلا يخلو صنيعهم هذا عن تعسف وتعصب، وتكلفات بعيدة كل البعدوالله أعلم.
[ ١ / ٤٩٦ ]
سادسًا: عن عائشة -﵂- قالت: (فقدت رسول الله -ﷺ- ذات ليلة فقلت: إنه قام إلى جاريته مارية (^١)، فقمت التمس الجدار فوجدته قائمًا يصلى فأدخلت يدي في شعره لأنظر اغتسل أم لا. فلما انصرف قال: «أخذك شيطانك يا عائشة» قلت: ولي شيطان؟ فقال: «نعم، ولجيمع بني آدم» قلت: ولك شيطان؟ فقال: «نعم، ولكن الله أعانني عليه فأسلم» (^٢).
سابعًا: عن أبي مسعود الأنصاري -﵁- «أن رجلًا أقبل إلى الصلاة فاستقبلته امرأته فأكب عليها، فتناولها، فأتى النبي -ﷺ- فذكر ذلك له فلم ينهه» (^٣).
_________________
(١) هي: مارية القبطية، أم ولد رسول الله -ﷺ-، وقد أهداها إليه المقوقس أمير القبط صاحب الأسكندرية، سنة سبع من الهجرة، وولدت إبراهيم ابن رسول الله -ﷺ- سنة ثمان، وتوفيت بعد رسول الله -ﷺ- سنة ست عشرة، وقيل غيرها. انظر: تجريد أسماء الصحابة ٢/ ٣٠٣؛ الإصابة ٤/ ٢٦٣١.
(٢) أخرجه الطبراني في معجمه الصغير ص ١٧١، وقال: (لم يروه عن يحيى بن سعيد إلا فرج بن فضالة) وفرج بن فضالة ضعيف كما في التلخيص الحبير ١/ ١٢١.
(٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٥٢: (رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس).
[ ١ / ٤٩٨ ]
ثامنًا: عن أم سلمة -﵂- قالت: «كان رسول الله -ﷺ- يقبل ثم يخرج إلى الصلاة ولا يحدث وضوءًا» (^١).
تاسعًا: عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب خرج إلى الصلاة فقبلته امرأته فصلى ولم
يتوضأ) (^٢).
عاشرًا: أن مس النساء مما تعم به البلوى، فلو كان ناقضًا للوضوء لبينه -ﷺ- لأمته، ولكان مشهورًا بين الصحابة، وإذ لم ينقل أحد منهم حديثا في ذلك عن النبي -ﷺ- دل ذلك أنه ليس بناقض (^٣).
وجه الاستدلال من هذه الأدلة:
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث جاء فيها أن الرسول -ﷺ- غمز زوجته عائشة -﵂-، وغمز رجلها-وهو في الصلاة-، كما أنه -ﷺ- مسها برجله، وقبلها، ثم صلى ولم يتوضأ.
كما أن عائشة -﵂- وقعت يدها على بطن قدميه -ﷺ-
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٥٢: (رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يزيد بن سنان الرهاوي، ضعفه أحمد ويحيى وابن المديني، ووثقه البخاري وأبو حاتم، وثبته مروان بن معاوية، وبقية رجاله موثقون).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ١٣٥، عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد، ويحيى بن سعيد وصل سنده في رواية ثانية عند عبد الرزاق، فقد رواه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن عبد الله بن عمر فذكر بمعناه.
(٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٦٣؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٣٥.
[ ١ / ٤٩٩ ]
وهو -ﷺ- استمر في الصلاة، ولم يقطعها.
وأنه -ﷺ- حمل أمامة بنت أبي العاص في الصلاة، وكان يضعها عند الركوع، ويرفعها إذا رفع.
وأن لمس النساء مما تعم به البلوى، ومع ذلك لم ينقل أحد عن النبي -ﷺ- فيه ما يدل على أنه ناقض.
فثبت من هذا كله أن مس النساء ليس بناقض للوضوء، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وسواء كانت من ذوات المحارم أو غيرها، وثبت به كذلك أن المراد باللمس في الآية الكريمة الجماع (^١).
واعترض عليه: بأنه يحتمل أن القبلة كانت فوق حائل، وكذلك مسه -ﷺ- عائشة برجله وغمزه إياها، ورجلَها، وكذلك وقوع يد عائشة -﵂- على بطن قدميه -ﷺ-، كما أن أمامة يحتمل أنها كان ثوبها سابغًا يواري يديها ورجليها (^٢).
وأجيب عنه بما يلي:
أ- إن القول بأن هذا اللمس والقبلة والغمز، كان فوق حائل، تكلف ومخالفة للظاهر بدون دليل؛ لأن حقيقة التقبيل واللمس أن يكون قد باشر
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ١٢٨، ١٣٠؛ أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٦٣؛ المغني ١/ ٢٥٧؛ المجموع ٢/ ٢٧؛ اللباب للمنبجي ١/ ١١٨؛ الشرح الكبير للمقدسي ٢/ ٤٣ - ٤٥؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٣٥؛ شرح الزركشي ١/ ١٢٧؛ التلخيص الحبير ١/ ١٣٣؛ تحفة الأحوذي ١/ ٢٩٧.
(٢) انظر: المحلى ١/ ٢٢٩؛ السنن الكبرى ١/ ٢٠٣؛ المغني ١/ ٢٥٨؛ المجموع ٢/ ٢٨، ٢٩؛ فتح الباري ١/ ٦١٨.
[ ١ / ٥٠٠ ]
جلدها، حيث قبلها، وكذلك اللمس بالرجل والغمز للرجل، كما أن القدم قدم بلا حائل حتى يثبت الحائل (^١).
ب- إنه إذا كان هذا التقبيل للخمار وفوق حائل فلا فائدة في نقله، مع أن من ذكره ونقله يريد به أن القبلة ليست بناقضة للوضوء، وإذا كانت القبلة فوق حائل أو خمار، فهذه ليس بتقبيل لها حتى يستدل منه على عدم النقض. على أنه لم يكن بين النبي -ﷺ- وبين أزواجه ما يوجب أن يكنّ مستورات عنه حتى لا يصيب منها إلا الخمار (^٢).
ج- أن من حمل صبية في صلاته، ويضعها عند السجود ويحملها عند الرفع فالظاهر أنه لا يسلم من مسها ومن أن يقع يده على شيء من بدنها (^٣).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني -وهو أن مس النساء ناقض للوضوء- بمايلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. (^٤)
وقد سبق وجه الاستدلال منه في القول بالنسخ، وما يعترض به عليه.
ثانيًا: عن عبد الله بن عمر -﵁- أنه كان يقول: (قبلة الرجل امرأته وجسها
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٦٣؛ التمهيد ٤/ ١٢٤؛ نيل الأوطار ١/ ١٩٥، ١٩٦؛ تحفة الأحوذي ١/ ٢٩٩.
(٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٦٣.
(٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٦٣؛ المغني ١/ ٢٥٩.
(٤) سور المائدة الآية (٦).
[ ١ / ٥٠١ ]
بيده من
الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء) (^١).
ثالثًا: عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: (القبلة من اللمس، وفيها الوضوء، واللمس ما دون الجماع) (^٢).
رابعًا: عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: (إن القبلة من اللمس فتوضؤا منها) (^٣).
فهذه الآثار من هؤلاء الصحابة﵃- تدل على أن اللمس
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ص ٦٥؛ والشافعي في الأم ١/ ٦٣؛ والدارقطني في سننه ١/ ١٤٤؛ والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٩٩. وفال النووي في المجموع ٢/ ٢٧ عن إسناده: (وهذا إسناد في نهاية من الصحة كما ترى).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ١٣٣؛ وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٤٩، إلى قوله: (وفيها الوضوء) وأخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١٤٥؛ والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٩٨؛ وفي معرفة السنن ١/ ٣٧٢، كلهم من طريق أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٩٨، وابن جرير في تفسيره جامع البيان ٨/ ٣٩٣، من طريق طارق بن شهاب عن عبد الله بن مسعود، ولفظه: (أن عبد الله يعني ابن مسعود قال في قوله تعالى: (أولمستم النساء) قولًا معناه ما دون الجماع).
(٣) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١٤٤؛ -وقال: صحيح- والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٩٨، وأخرجه في معرفة السنن ١/ ٣٧٣، ولفظه: (القبلة من اللمم فتوضأوا منها) وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٤/ ١٢٨، بنحو لفظ معرفة السنن، ثم قال: (وهذا عندهم خطأ، وإنما هو عن ابن عمر صحيح لا عن عمر). وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ١٤٥: (رواه الدارقطني والبيهقي وهو غير محفوظ).
[ ١ / ٥٠٢ ]
في الآية الكريمة المراد به اللمس باليد، وأنه ينقض به الوضوء، ثم هذه الآية الكريمة وهذه الآثار مطلقة غير مقيدة ولا مشترطة بما إذا كان اللمس لشهوة ولذة؛ فلذلك تكون هي دالة بإطلاقها على العموم (^١).
ويعترض عليه: بأنه قد روي عن رسول الله -ﷺ- ما يدل على أن لمس المرأة ليس بناقض للوضوء، وجعل ما روي عن رسول الله -ﷺ- بيانًا لمراد الآية أولى، من جعل ما روي عن غيره (^٢).
على أنه كما روي عن بعض الصحابة ما يدل على أن المراد باللمس في الآية الجس
والمس باليد فكذلك قد روي عن بعضهم ما يدل على أن المراد باللمس في الآية الجماع، وتفسيرهم أولى من تفسير غيرهم؛ لموافقة ذلك لما روي عن النبي -ﷺ- مما يدل على أن اللمس والجس باليد ليس بناقض للوضوء (^٣).
دليل القول الثالث:
ويستدل للقول الثالث- وهو أن اللمس لا ينقض إلا إذا كان لشهوة ولذة- بما يلي:
_________________
(١) انظر: المحلى ١/ ٢٢٧، ٢٢٨؛ التمهيد ٤/ ١٣١؛ المجموع ٢/ ٢٩.
(٢) انظر: تفسير الطبري ٨/ ٣٩٦؛ أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٦٢، ٤٦٣.
(٣) انظر: تفسير الطبري ٨/ ٣٨٩، ٣٩٢، ٣٩٦؛ أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٦٢؛ تفسير ابن كثير ٢/ ٤٧٦؛ صحيح سنن أبي داود ١/ ٣١٧.
[ ١ / ٥٠٣ ]
أولًا: قول تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^١).
ثانيًا: الأحاديث التي سبقت في دليل القول الأول.
ووجه الاستدلال منها: هو أن الأية الكريمة تقتضي أن اللمس يوجب الوضوء وينقضه، والأحاديث المذكورة في دليل القول الأول فيها أن النبي -ﷺ- قبل بعض أزواجه ولمسها، ولم يعد الوضوء، فتحمل الآية على ما إذا كان اللمس لشهوة ولذة، وتحمل تلك الأحاديث على أنه لم يكن لشهوة؛ جمعًا بين الآية والأخبار (^٢).
واعترض عليه: بأن مس النساء لشهوة ولغير شهوة مما تعم به البلوى، فلو كان حدثًا لبينه النبي -ﷺ- لأمته، ولكان مشهورًا بين الصحابة، ولما لم يوجد شيء من ذلك دل على أنه ليس بناقض، سواء كان لشهوة أم لا، ويؤكد ذلك أن القبلة في الغالب لا تخلو عن شهوة، وقد أنكرت عائشة﵂- على ابن عمر قوله: (في القبلة الوضوء) واستدلت على عدم الوضوء منها بفعل النبي -ﷺ- أنه كان يقبل ثم لا يتوضأ (^٣).
الراجح
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي-والله أعلم بالصواب-ما يلي:
_________________
(١) سورة المائدة، الآية (٦).
(٢) انظر: التمهيد ٤/ ١٣٢؛ المغني ١/ ٢٥٨؛ الكافي ١/ ٩٩؛ الشرح الكبير للمقدسي ٢/ ٤٥؛ الممتع ١/ ٢١٢.
(٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٦٣؛ سنن الدارقطني ١/ ١٣٦؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٣٥.
[ ١ / ٥٠٤ ]
أولًا: أن الراجح هو القول الأول-وهو أن مس المرأة لا ينقض الوضوء سواء كان
لشهوة أم لغير شهوة، وذلك لما يلي:
أ- إن قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ يحتمل الجماع وما دونه، إلا أن الأحاديث التي جاء فيها أن النبي -ﷺ- مس بعض أزواجه وقبلها ولم يتوضأ، تصلح أن تكون بيانًا لمراد الآية، وأن لمس النساء ليس بناقض.
ب-كثرة ما استدل به أصحاب القول الأول وصحته في الجملة، مع صراحته على ما استُدل به منها.
ج- إن مس الناس نساءهم مما تعم به البلوى، فلو كان ناقضًا للوضوء لبينه النبي -ﷺ- لأمته، ولكان مشهورًا بين الصحابة، وعدم وجود شيء من ذلك يدل على أنه ليس بناقض، بل وجد منه -ﷺ- ما يدل على عكس ذلك؛ حيث قبل بعض أزواجه ولم يتوضأ، فثبت من ذلك أن لمس النساء ليس بناقض للوضوء (^١).
ثانيًا: إن ادعاء نسخ الأحاديث الدالة على عدم نقض الوضوء بمس النساء بالآية الكريمة غير صحيح، وقد سبق ما يرد به عليه، وأنه ليس عليه أي دليل.
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٦٣؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٣٥.
[ ١ / ٥٠٥ ]