إن الله ﷾ حكيم، فما شرعه لعباده لا يخلو عن حكمة بالغة، أو مصلحة ظاهرة، أو منفعة عاجلة أو آجلة، فالشريعة كلها (مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها) (^١).
ثم النسخ قد حصل للشريعة السابقة باللاحقة، ثم كلها بشريعة الإسلام، كما وجد النسخ في الشريعة الإسلامية؛ حيث نُسخ بعض أحكام هذا الدين ببعض. وكل منهما لا يخلو من حكمة، وبيانه فيما يلي:
أولًا: الحكمة من نسخ الشريعة السابقة باللاحقة، ثم جميعها بشريعة الإسلام:
إن نسخ الشريعة السابقة باللاحقة، ثم جميعها بشريعة الإسلام مبني على حكم ومصالح عديدة، منها ما يلي:
أ- أن هذا الخلق طبع على الملالة من الشيء، فشرع في كل عصر شريعة جديدة لينشطوا في أدائها (^٢).
ب-الحفاظ على مصالح العباد؛ وذلك أنه إذا كانت المصلحة لهم في تبديل حكم بحكم، وشريعة بشريعة، كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة (^٣).
ج-بيان شرف نبينا -ﷺ-، فإنه نُسخ بشريعته الشرائع السابقة، وشريعته لا
_________________
(١) إعلام الموقعين لابن القيم ٣/ ١١.
(٢) انظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٢١٤؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٤.
(٣) انظر: البحر المحيط ٥/ ٢١٤؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٤.
[ ١ / ٨٦ ]
ناسخ لها (^١).
د-بيان أن الشريعة الإسلامية أكمل تشريع يفي بحاجات الإنسانية في مرحلتها التي انتهت إليها، وأنها تصلح للأفراد والمجتمعات بجميع أشكالها وألوانها، وتصلح لكل زمان ومكان، فكان بذلك دينًا عامًا خالدًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (^٢).
ثانيًا: الحكمة من وجود النسخ في الشريعة الإسلامية
إن وجود النسخ في الشريعة الإسلامية، ونسخ بعض أحكامها ببعض، بُني على حكم، ومراعاة مصالح للمكلفين في كل وقت وحين، ومن تدبر في الناسخ والمنسوخ من الآيات والآثار ظهر له الشيء الكثير من حكم النسخ، ومنها ما يلي:
أ-حفظ مصالح العباد؛ وذلك أنه إذا كانت المصلحة لهم في تبديل حكم بحكم، كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة (^٣).
ب-التدرج في تشريع الأحكام حتى يكون ذلك موافقًا وملائمًا لقدرات المكلفين، ومعينًا لهم على حسن الامتثال؛ وذلك أن الأمة في بدايتها كانت تعاني فترة انتقال شاق في ترك موروثاتها وعاداتها، فلو أخذوا بهذا الدين مرة واحدة لأدى ذلك إلى نقيض المقصود، ولم يدخل فيه إلا النزر اليسير،
_________________
(١) انظر: البحر المحيط ٥/ ٢١٤؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٤.
(٢) انظر: مناهل العرفان للزرقاني ٢/ ٢١٠.
(٣) انظر: البحر المحيط ٥/ ٢١٤؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٤.
[ ١ / ٨٧ ]
فمن هنا جاءت الشريعة تمشي على مهل، متألّفة لهم، متلطِّفة في دعوتهم، متدرجة بهم إلى الكمال رويدًا رويدًا، فشرع لهم فيما بعد متدرجة بعض ما يخالف الأمور السابقة؛ وذلك لما استقر الإسلام في نفوسهم، وسهل عليهم الامتثال لأوامره والانزجار عن نواهيه (^١).
ج-رحمة الله تعالى بعباده والتخفيف عنهم، وذلك أن النسخ إما أن يكون إلى ما هو أشق، أو إلى ما هو أيسر، فإن كان إلى ما هو أشق فهو لزيادة المثوبة والأجر، وإن كان إلى ما هو أيسر، فهو للتخفيف ورفع الحرج، وفي كل ذلك رحمة من الله بعباده، وإسعادهم في الدنيا والآخرة (^٢).
د-ابتلاء العباد واختبارهم ليميز الله المنافق من المؤمن، والخبيث من الطيب (^٣).
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (^٤).
وقال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا
_________________
(١) انظر: مناهل العرفان ٢/ ٢١١؛ المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي، لمحمد مصطفى شلبي ص ٧٥ - ٨١؛ تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد علي السايس ص ٣٢ - ٣٤.
(٢) انظر: الرسالة للإمام الشافعي ص ١٠٦؛ البحر المحيط ٥/ ٢١٥؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٤.
(٣) انظر: مناهل العرفان ٢/ ٢١٢.
(٤) سورة البقرة، الآية (١٤٣).
[ ١ / ٨٨ ]
إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (^١).
والله أعلم.
_________________
(١) سورة النحل، الآيتان (١٠١، ١٠٢).
[ ١ / ٨٩ ]