ذهب ابن خزيمة (^١) إلى نسخ اللعن في القنوت.
وذهب بعض أهل العلم إلى نسخ الدعاء على آحاد الكفرة بذكر أسمائهم أو قبائلهم.
ويظهر هذا من كلام البيهقي (^٢)، ونسبه الحازمي إلى بعض أهل العلم، ونصره (^٣).
وليس للقول بالنسخ في هذه المسألة أثر بارز في اختلاف الفقهاء، إلا أنه أحد أسباب الاختلاف عند القائلين به.
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن ابن عمر -﵁- أنه سمع رسول الله -ﷺ- إذا رفع رأسه من
_________________
(١) انظر قوله في: صحيح ابن خزيمة ١/ ٣١٦.
(٢) قال البيهقي في سننه الكبرى ٢/ ٢٨٥: (باب ترك القنوت في سائر الصلوات غير الصبح عند ارتفاع النازلة، وفي صلاة الصبح لقوم أو على قوم بأسمائهم أو قبائلهم). وقال ٢/ ٢٨٧: (باب الدليل على أنه لم يترك أصل القنوت في صلاة الصبح، إنما ترك الدعاء لقوم أو على قوم آخرين بأسمائهم أو قبائلهم).
(٣) انظر: الاعتبار ص ٢٣٩، ٢٤٠، ٢٤٢، ٢٤٣. وقال الشوكاني في نيل الأوطار ٢/ ٣٤٨ - بعد ذكر حديث أبي هريرة -﵁-: (والحديث يدل على نسخ القنوت بلعن المستحقين، وأن الذي يشرع فعله عند نزول النوازل إنما هو الدعاء لجيش المحقين بالنصر، وعلى جيش المبطلين بالخذلان، والدعاء يرفع المصائب، ولكنه يشكل على ذلك ما سيأتي في حديث أبي هريرة من نزول الآية عقب دعائه للمستضعفين وعلى كفار مضر مع أن ذلك مما يجوز فعله في القنوت عند النوازل).
[ ٢ / ٨٦٥ ]
الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر يقول: «اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا» بعد ما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) (^١).
ثانيًا: عن أبي هريرة -﵁- يقول: كان رسول الله -ﷺ- يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، ثم يقول وهو قائم: «اللهم انج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيانَ ورعلًا وذكوانَ وعُصَيَّةَ عصت الله ورسوله». ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أُنزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) (^٢).
وفي رواية عنه -﵁- أن رسول الله -ﷺ- كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال-إذ قال: "سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد"-: اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٥٦٠.
(٢) سبق تخريجه في ص ٥٦١.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
سنين كسني يوسف» يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: «اللهم العن فلانًا وفلانًا» لأحياء من العرب حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨]) (^١).
ثالثًا: عن عبد الرحمن بن أبي بكر -﵁- قال: كان النبي -ﷺ- إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة قال: «اللهم انج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيانَ ورعلًا وذكوان وعُصيّة عصت الله ورسوله» فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ قال: (فما دعا رسول الله -ﷺ- بدعاء على أحد) (^٢).
رابعًا: عن أنس -﵁- قال: «أن رسول الله -ﷺ- قنت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه» (^٣).
خامسًا: عن خالد بن أبي عمران (^٤) قال: «بينا رسول الله -ﷺ- يدعو
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٥٦٧.
(٢) سبق تخريجه في ص ٥٦٢.
(٣) سبق تخريجه في ص ٥٦٢.
(٤) هو: خالد بن أبي عمران-زيد- التجيبي مولاهم، أبو عمرو التونسي، قاضي إفريقية، فقيه صدوق، روى عن سالم، ونافع، وغيرهما، وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، والليث، وغيرهما، وتوفي سنة خمس، وقيل: تسع وعشرين ومائة. انظر: تهذيب التهذيب ٣/ ١٠١؛ التقريب ١/ ٢٦١.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
على مضر إذ جاء جبريل فأوحى إليه أن اسكت، فسكت فقال: يا محمد إن الله ﷿ لم يبعثك سبَّابًا ولا لعَّانًا، وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابًا ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]» قال: ثم علمه «اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد (^١)، نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق» (^٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة فيها أن النبي -ﷺ- دعا في قنوته على أشخاص وقبائل، فانزل الله تعالى الآية وأمره بترك ذلك، فتركه كما في حديث أنس: (ثم تركه) وليس المراد ترك القنوت، بل اللعن والدعاء على من دعا عليهم من آحاد الكفرة بذكر أسمائهم أو قبائلهم، فدل ذلك على نسخ الدعاء على أحاد الكفرة في القنوت بذكر أسمائهم (^٣).
_________________
(١) نحفد أي: نسرع في العمل والطاعة والخدمة. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٩٧؛ المصباح المنير ص ١٤١.
(٢) أخرجه أبو داود في المراسيل ص ١٩٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٩٨، والحازمي في الاعتبار ص ٢٤٣، وقال: (هذا مرسل أخرجه أبو داود في المراسيل، وهو حسن في المتابعات).
(٣) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ٣١٦؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٢٨٧؛ الاعتبار ص ٢٤١ - ٢٤٤.
[ ٢ / ٨٦٨ ]
واعترض عليه: بأن المراد بالترك في هذه الأحاديث ليس ترك القنوت ولا ترك اللعن فيه على الكفار-ولو بأسمائهم وقبائلهم- تركًا كليًا بحيث لم يعد إليه مرة أخرى، بل المراد به ترك القنوت واللعن على من دعا عليهم لزوال السبب، ثم عاد إليه لوجود سبب آخر، فدعا على قوم ودعا لآخرين، فقد ثبت عنه -ﷺ- أنه تركه لما زال العارض، ثم عاد إليه مرة أخرى، ثم تركه لما زال العارض وهكذا. فهو لم ينسخ بل مشروع عند النوازل، ويؤكد ذلك ما روي عن أنس -﵁-: (أن رعلًا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله -ﷺ- على عدو، فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار، ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم. فبلغ النبي -ﷺ- ذلك فقنت شهرًا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب، على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان) (^١).
ثم ترك هذا الدعاء واللعن كما في رواية أخرى لأنس -﵁- قال: «أن رسول الله -ﷺ- قنت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه» (^٢).
ثم قد عاد النبي -ﷺ- ودعا بعد هذا الترك بمدة وبعد فتح خيبر وبعد إسلام أبي هريرة -﵁- دعا على أناس آخرين وقبائل-كما سبق ذكر ذلك في حديث
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٨٤٢، كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان، وبئر معونة، ح (٤٠٩٠).
(٢) سبق تخريجه في ص ٥٦٢.
[ ٢ / ٨٦٩ ]
أبي هريرة -﵁-.
وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر -﵁- الذي سبق ذكره أن النبي -ﷺ- دعا على رعل وذكوان وعصية، وأنه ترك ذلك بعد ما أُنزل الآية فلم يدع على أحد. مع أن في حديث أبي هريرة -﵁- الدعاء واللعن على مضر، وهو بعد نزول تلك الآية (^١) وبعد ترك اللعن على رعل وذكوان.
فثبت مما تقدم أن المراد بالترك هو الترك لزوال السبب والعارض، وليس المراد به الترك بحيث لم يعد إليه مرة أخرى حتى يكون هذا الترك ناسخًا (^٢).
كما أن الأحاديث التي استُدل منها على النسخ ليس فيها أن النبي -ﷺ- ترك اللعن والدعاء على أحاد الكفرة بذكر أسمائهم أو قبائلهم، بل هي أصرح من ذلك في ترك القنوت، فإما أن يقال بنسخ القنوت كما قال به من قال ممن سبق ذكره في المسألة السابقة، أو يقال بعدم نسخ شيء منه كما قال به أكثر أهل العلم، وأن المراد بالترك هو الترك لزوال السبب والعارض لا الترك الذي لا رجعة فيه ولا عودة، أما القول بنسخ اللعن والدعاء على آحاد الكفرة بذكر أسمائهم أو قبائلهم، فليس في هذه
_________________
(١) فإن هذه الآية نزلت بعد غزوة أحد. انظر: أسباب النزول للواحدي ص ٨٠؛ تفسير ابن كثير ١/ ٣٨٠؛ فتح الباري ٨/ ٨٦.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٣٧٣؛ زاد المعاد ١/ ٢٧٢؛ التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٦٥٥.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
الأحاديث ما يدل على ذلك، وفي إحدى روايات حديث عبد الرحمن بن أبي بكر -﵁-: «فما عاد رسول الله -ﷺ- يدعو على أحد بعد» وهو يدل على ترك الدعاء عليهم مطلقًا، وليس يدل على ترك اللعن على آحادهم، ويؤكده حديث أبي هريرة -﵁- «أن رسول الله -ﷺ- كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد» (^١).
أما حديث خالد بن أبي عمران فهو مرسل، وفي الاحتجاج به خلاف، ثم هو مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة أن النبي -ﷺ- دعا لقوم أو دعا على آخرين، وليس فيها ذكر مجيء جبريل ﵇ وأمره إياه بالسكوت في الصلاة.
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
أما جمهور أهل العلم فقد سبق في المسألة السابقة أنهم يقولون بمشروعية القنوت في النوازل، ولم يفرقوا بين الدعاء على آحاد الكفرة بذكر أسمائهم أو قبائلهم، وبين غير ذلك، وقد سبق أدلتهم في المسألة السابقة.
كما سبق بيان ترجيح قولهم، لذلك فلا داعي لإعادة ذكره.
والله أعلم.
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٥٦٧.
[ ٢ / ٨٧١ ]