ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم إلى أن ترك الغسل (^١) من الجماع إذا لم ينزل منسوخ بالأحاديث الدالة على وجوب الغسل من ذلك (^٢).
وممن صرح بالنسخ: الإمام الشافعي (^٣)، وأبو عيسى الترمذي (^٤)، والطحاوي (^٥)، وابن حبان (^٦)، والدارقطني (^٧)، وابن
_________________
(١) الغسل بالضم، اسم من الإغتسال، وهو تمام غسل الجسد. حاشية ابن عابدين ١/ ٢٥٤. أو هو: سيلان الماء على جميع البدن مع النية. مغني المحتاج ١/ ٦٨.
(٢) انظر: الأوسط ٢/ ٧٩؛ الاستذكار ١/ ٣١٤؛ بداية المجتهد ١/ ٩٨؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٣٠؛ فتح الباري ١/ ٤٩٧.
(٣) انظر: الاعتبار للحازمي ص ١٢٦.
(٤) هو: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى، أبو عيسى الترمذي، ثقة حافظ، روى عن: قتيبة بن سعيد، وابن بشار، وغيرهما، وروى عنه: البخاري، والهيثم بن كليب، وغيرهما، ومن مؤلفاته: (الجامع الصحيح)، وتوفي سنة تسع وسبعين ومائتين. انظر: البداية والنهاية ١١/ ٧١؛ التهذيب ٩/ ٣٣٥؛ شذرات الذهب ٢/ ١٧٤. وانظر قوله في: سنن الترمذي ص ٣٧.
(٥) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٥٧.
(٦) انظر: صحيح ابن حبان ص ٤١٥، ٤١٦.
(٧) هو: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، أبو الحسن الدارقطني، الإمام الحافظ، روى عن البغوي وطبقته، وجمع وألف، وقد اجتمع له مع معرفة الحديث العلم بالقراءات والنحو، والفقه، مع الإمامة والعدالة. ومن مؤلفاته (السنن) وتوفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. انظر: البداية والنهاية ١١/ ٢٩٦؛ شذرات الذهب ٣/ ١١٦. وانظر قوله في: سنن الدارقطني ١/ ١٢٦.
[ ١ / ٥٧٧ ]
شاهين (^١)، والبيهقي (^٢)، وابن عبد البر (^٣)، والحازمي (^٤)، وابن الجوزي (^٥)، وابن قدامة (^٦)، والنووي (^٧)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٨)، والزيلعي (^٩).
ويظهر مما سبق ذكره، ومما يأتي من الأدلة: أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة شيئان: القول بالنسخ، وتعارض الآثار الواردة فيها (^١٠).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل» (^١١). زاد في رواية: «وإن لم ينزل» (^١٢).
_________________
(١) انظر: ناسخ الحديث لابن شاهين ص ١٢٠.
(٢) انظر: السنن الكبرى ١/ ٢٥٦.
(٣) انظر: التمهيد ٢/ ٢٩٦؛ الاستذكار ١/ ٣٢٠.
(٤) انظر: الاعتبار ص ١٢٦.
(٥) انظر: إعلام العالم بعد رسوخه ص ١٣٢.
(٦) انظر: المغني ١/ ٢٧٣.
(٧) انظر: المجموع ٢/ ١٠٩.
(٨) انظر: شرح العمدة ١/ ٣٥٨.
(٩) هو: عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي، جمال الدين، أبو محمد، أخذ عن: الفخر الزيلعي، وابن التركماني، وغيرهما، ومن مؤلفاته (نصب الراية) وتوفي سنة اثنين وستين وسبعمائة. انظر: الدرر الكامنة ٢/ ٣١٠؛ حسن المحاضرة ١/ ٢٠٣ .. وانظر قوله في: نصب الراية ١/ ٨١.
(١٠) انظر: التمهيد ٢/ ٢٩٧ - ٣٠١؛ بداية المجتهد ١/ ٩٧.
(١١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٦٣، كتاب الغسل، باب إذا التقى الختانان، ح (٢٩١)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٣٢، كتاب الحيض، باب أن الجماع كان في أول الإسلام لا يوجب الغسل إلا أن ينزل، وبيان نسخه، ح (٣٤٨) (٨٧).
(١٢) رواه مسلم في صحيحه. انظر الموضع السابق من صحيح مسلم.
[ ١ / ٥٧٨ ]
ثانيًا: عن عائشة زوج النبي -ﷺ- قالت: إن رجلًا سأل رسول الله -ﷺ- عن الرجل يجامع أهله ثم يُكسِلُ (^١) هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله -ﷺ-: «إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل» (^٢).
ثالثًا: عن أبي بن كعب -﵁-: «أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة
رخصها رسول الله -ﷺ- في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد» (^٣).
_________________
(١) يكسل، يقال: أكسل الرجل إذا جامع ثم أدركه فتور فلم ينزل، ومعناه: صار ذا كسل. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٥٤١؛ مجمع بحار الأنوار ٤/ ٤١١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٣٤، كتاب الحيض، باب أن الجماع كان في أول الإسلام لا يوجب الغسل إلا أن ينزل، وبيان نسخه، ح (٣٥٠) (٨٩).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ٣٧، كتاب الطهارة، باب في الإكسال، ح (٢١٥)، وابن ماجة في سننه ص ١١٨، كتاب الطهارة، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان، ح (٦٠٩)، وابن حبان في صحيحه ص ٤١٦، والدارقطني في سننه ١/ ١٢٦، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٥٧. وهذا الحديث رواه أبو داود وابن حبان والدارقطني والبيهقي من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد عن أبي بن كعب. وأخرجه ابن ماجة وغيره من طريق الزهري عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب، وفي بعض طرقه أن الزهري قال: حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد. قال ابن حبان في صحيحه ص ٤١٥: (روى هذا الخبر معمر عن الزهري من حديث غندر، فقال: أخبرني سهل بن سعد، ورواه عمرو بن الحارث عن الزهري قال: حدثني من أرضى عن سهل بن سعد، ويشبه أن يكون الزهري سمع الخبر من سهل بن سعد كما قاله غندر، وسمعه عن بعض من يرضاه عنه فرواه مرة عن سهل بن سعد وأخرى عن الذي رضيه عنه. وقد تتبعت طرق هذا الخبر على أن أجد أحدًا رواه عن سهل بن سعد فلم أجد في الدنيا أحدًا إلا أبا حازم، ويشبه أن يكون الرجل الذي قال الزهري: حدثني من أرضى عن سهل بن سعد هو أبو حازم رواه عنه). وقال ابن ححجر في التلخيص ١/ ١٣٥: (وجزم موسى بن هارون والدارقطني بأن الزهري لم يسمعه من سهل، وقال ابن خزيمة: هذا الرجل الذي لم يسمه الزهري هو أبو حازم، -إلى أن قال: -وقد وقع في رواية لابن خزيمة من طريق معمر عن الزهري أخبرني سهل، فهذا يدفع قول ابن حزم بأنه لم يسمعه منه، لكن قال ابن خزيمة: أهاب أن تكون هذه اللفظة غلطًا من محمد بن جعفر الراوي له عن معمر. قلت: أحاديث أهل البصرة عن معمر يقع فيها الوهم، لكن في كتاب ابن شاهين من طريق معلى بن منصور عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري حدثني سهل، وكذا أخرجه بقي بن مخلد في مسنده عن أبي كريب عن ابن المبارك). والحديث قال عنه الدارقطني في سننه ١/ ١٢٦: (صحيح) وقال البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٥٦: (وقد رويناه بإسناد آخر موصولًا صحيحًا عن سهل بن سعد) ثم ذكره من طريق أبي حازم. وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٣٥: (وفي السنن بسند رجاله ثقات عن أبي بن كعب) ثم ذكر الكلام السابق ذكره. وصححه الشخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٣٧، وصحيح سنن ابن ماجة ص ١١٨.
[ ١ / ٥٧٩ ]
وفي رواية عنه -﵁- قال: «إنما جُعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام لقلة الثياب، ثم أُمر بالغسل، ونهي عن ذلك» (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٣٧، كتاب الطهارة، باب في الإكسال، ح (٢١٤)، والترمذي في سننه-ولفظه: (كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم نهي عنها) ص ٣٧، أبواب الطهارة، باب ما جاء أن الماء من الماء، ح (١١٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٥٧ - ولفظه: (ثم نهى عن ذلك وأمر بالغسل) - وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١١٨، والحازمي في الاعتبار ص ١٢٥. وقال: (ويشبه أن يكون الزهري أخذه عن أبي حازم عن سهل، وعلى الجملة الحديث محفوظ عن سهل عن أبي أخرجه أبو داود في كتابه) وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٣٧، وصحيح سنن الترمذي ص ٣٧.
[ ١ / ٥٨٠ ]
رابعًا: عن الزهري قال: سألت عروة عن الذي يجامع ولا ينزل؟ قال: على الناس أن يأخذوا بالآخر، والآخر من أمر رسول الله -ﷺ- حدثتني عائشة: «أن رسول الله -ﷺ- كان يفعل ذلك ولا يغتسل، وذلك قبل فتح مكة، ثم اغتسل بعد ذلك وأمر الناس بالغسل» (^١).
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه ص ٤١٦، والدارقطني في سننه ١/ ١٢٧، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٢٤، والحازمي في الاعتبار ص ١٢٩. وفي سنده الحسين بن عمران، قال ابن حبان: (الحسين هذا هو الحسين بن عثمان بن بشير بن المحتفز، من أهل البصرة، سكن مرو، ثقة من الثقات). وقال الحازمي بعد ذكر الحديث: (هذا حديث قد حكم أبو حاتم ابن حبان بصحته، وأخرجه في صحيحه، غير أن الحسين بن عمران قد يأتي عن الزهري بالمناكير، وقد ضعفه غير واحد من أصحاب الحديث. وعلى الجملة الحديث بهذا السياق فيه ما فيه، ولكنه حسن جيد في الاستشهاد). وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٨٣، بعد ذكر قول الحازمي: (الذي وجدته في كتاب الضعفاء للعقيلي أنه روى هذا الحديث ثم أعله بالحسين بن عمران، وقال: لا يتابع على حديثه، ولا يعلم هذا اللفظ عن عائشة إلا في هذا الحديث، انتهى. وذكر العقيلي عن آدم بن موسى، قال: سمعت البخاري يقول: حسين بن عمران الجهني لا يتابع على حديثه، وكذلك ذكر أبو العرب القروي عن أبي بشير، ولم أقف على أكثر من هذا في حسين بن عمران، وهو أخف من قول الحازمي: وقد ضعفه غير واحد. بل لو قيل: ليس فيه جزم بالتضعيف لم يبعد ذلك). والحسين بن عمران هذا قال عنه الذهبي في الميزان ١/ ٥٤٤: (ذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه. وقال الدارقطني لا بأس به). وقال ابن حجر في التقريب ١/ ٢١٧: (صدوق يهم).
[ ١ / ٥٨١ ]
خامسًا: عن رافع بن خديج -﵁- قال: ناداني رسول الله -ﷺ- وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أُنزل، فاغتسلت، وخرجت إلى رسول الله -ﷺ-، فأخبرته أنك دعوتني وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أنزل، فاغتسلت، فقال رسول الله -ﷺ-: «لا عليك، الماء من الماء» قال رافع: «ثم أمرنا رسول الله -ﷺ- بعد ذلك بالغسل» (^١).
وفي رواية عنه -﵁- قال: فقال النبي -ﷺ- بعد ما انصرف: «إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل» (^٢).
ويستدل منها على النسخ بالوجهين التاليين:
الأول: أن هذه الأحاديث بعضها يدل على وجوب الغسل من الجماع وإن لم ينزل، وبعضها يدل على أن ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل كان رخصة في أول الإسلام، ثم نهي عنه، وأمر بالغسل، فهذا يدل على أن
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٢٨/ ٥٢٠. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٧١: (رواه أحمد والطبراني في الأوسط وقال عن سهل بن رافع عن أبيه، وفيه رشدين بن سعد وهو سيء الحفظ). وقال الحازمي في الاعتبار ص ١٢٦ - بعد ذكر هذا الحديث: (هذا حديث حسن). وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٨٤: بعد ذكر كلام الحازمي: (وهذا فيه نظر، فإن فيه رشدين بن سعد أكثر الناس على تضعيفه).
(٢) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٢٤، عن سهل بن رافع بن خديج عن أبيه. وفي سنده عبد الله بن لهيعة، وفيه كلام.
[ ١ / ٥٨٢ ]
الأحاديث الدالة على وجوب الغسل من الجماع وإن لم ينزل متأخرة عن الأحاديث الدالة على جواز ترك الغسل إذا لم ينزل، فتكون المتأخرة ناسخة للمتقدمة (^١).
الثاني: إن بعض من روى عن النبي -ﷺ- ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل، أفتى بوجوب الغسل، ورجع عن قوله الأول، ومنهم أبي بن كعب، حيث نزع عن قوله الأول قبل أن يموت، فدل ذلك على أنه ثبت له نسخ الأول، ولذلك رجع عنه، ولو كان عنده غير منسوخ لما رجع عنه (^٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الغسل إذا جامع ولم ينزل على قولين:
القول الأول: أنه يجب الغسل بالتقاء الختانين، أنزل أم لا.
وهو قول أهل المذاهب الأربعة (^٣)، وجمهور أهل العلم من
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٥٧؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ١٢٠؛ السنن الكبرى ١/ ٢٥٦؛ التمهيد ٢/ ٢٩٦؛ الاعتبار ص ١٢٤ - ١٢٨؛ نصب الراية ١/ ٨١ - ٨٤.
(٢) روى مالك في الموطأ ١/ ٦٧، عن زيد بن ثابت أنه قال: (إن أبي بن كعب نزع عن ذلك قبل أن يموت). وانظر: السنن الكبرى ١/ ٢٥٧؛ التمهيد ٢/ ٢٩٥، ٢٩٦؛ الاعتبار ص ١٢٥؛ نصب الراية ١/ ٨٤.
(٣) انظر: (الأصل ١/ ٤٨؛ شرح معاني الآثار ١/ ٦١؛ الهداية مع شرحه فتح القدير ١/ ٦٣؛ العناية ١/ ٦٣) (الأوسط ٢/ ٨١؛ التمهيد ٢/ ٢٩٥؛ بداية المجتهد ١/ ٩٧؛ مختصر خليل مع مواهب الجليل ١/ ٤٤٨) (الأم ١/ ٩٦؛ مختصر المزني ص ١٢؛ الأوسط ٢/ ٨١؛ المجموع ٢/ ١٠٨؛ المنهاج وشرحه مغني المحتاج ١/ ٦٩) (المغني ١/ ٢٧١؛ الشرح الكبير ٢/ ٩١؛ شرح العمدة لابن تيمية ١/ ٣٥٨؛ شرح الزركشي ١/ ١٣٥).
[ ١ / ٥٨٣ ]
الصحابة والتابعين ومن
بعدهم (^١)، وممن روي عنه ذلك وقال به: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عمر، وأبو هريرة، وعائشة﵃-، وشريح القاضي (^٢)، وعبيدة السلماني، والشعبي، والليث، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وإسحاق، وأبو ثور، والحسن بن حي، وابن جرير، وابن المنذر (^٣).
وإليه رجع أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، والنعمان بن بشير (^٤)، وسهل
_________________
(١) انظر: التمهيد ٢/ ٢٩٥؛ الاستذكار ١/ ٣١٨؛ المجموع ٢/ ١٠٨؛ نيل الأوطار ١/ ٢٢٠.
(٢) هو: شريح بن الحارث بن القيس، الكوفي النخعي، القاضي، أبو أمية، ثقة فقيه، وروى عن عمر، وعلي وغيرهما، وروى عنه الشعبي، ومجاهد، وغيرهما، واستقضاه عمر على الكوفة، وبقي عليها قاضيا حتى استعفى الحجاج فأعفاه، وتوفي سنة ثمان وسبعين، وقيل غير ذلك. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ١٠٠؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٥٩؛ تهذيب التهذيب ٤/ ٢٩٧.
(٣) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ٢٤٥ - ٢٤٩؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٨٤ - ٨٦؛ سنن الترمذي ص ٣٧؛ الأوسط ٢/ ٧٩ - ٨١؛ شرح معاني الآثار ١/ ٥٩؛ التمهيد ٢/ ٢٩٥؛ الاستذكار ١/ ٣٢٠؛ المحلى ١/ ٢٤٩.
(٤) هو: النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة، الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الله، أول مولود في الإسلام من الأنصار بعد الهجرة، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: عروة، والشعبي، وغيرهما، وقتل سنة خمس وستين. انظر: الإصابة ٣/ ٢٠٠٠؛ التقريب ٢/ ٢٤٨.
[ ١ / ٥٨٤ ]
بن سعد، وابن عباس -﵃- (^١).
القول الثاني: أنه لا يجب الغسل بالجماع إذا لم ينزل.
وهو قول داود الظاهري (^٢)، وروي ذلك عن: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام (^٣)، وطلحة بن عبيد الله (^٤)، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ورافع بن خديج، وأبي سعيد الخدري، وأبي بن كعب، وأبي أيوب الأنصاري، وابن عباس، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، وعطاء بن أبي رباح، وعروة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن (^٥)،
_________________
(١) انظر: الاستذكار ١/ ٣١٨.
(٢) انظر: التمهيد ٢/ ٣٠٢؛ إعلام العالم لابن الجوزي ص ١٣٢؛ المجموع ٢/ ١٠٨؛ المغني ١/ ٢٧١.
(٣) هو: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، القرشي الأسدي، أبو عبد الله، حواري رسول الله -ﷺ- وابن عمته، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابناه: عبد الله، وعروة، وغيرهما، وقتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين. انظر: الإصابة ١/ ٦٢٢؛ التهذيب ٣/ ٢٨٣؛ شذرات الذهب ١/ ٤٣.
(٤) هو: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو، القرشي، أبو محمد، أحد العشرة المبشرون بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، شهد أحدًا وأبلى فيها بلاء حسنًا، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابنه يحيى، وقيس بن أبي حازم، وغيرهما، وقتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين. انظر: الاستيعاب ٢/ ٢١٩؛ الإصابة ٢/ ٩٥١؛ شذرات الذهب ١/ ٤٣.
(٥) هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته، ثقة، روى عن أبيه، وعن عائشة، وغيرهما، وروى عنه: عروة، والزهري، وغيرهما، وتوفي سنة أربع وتسعين، وقيل بعدها. انظر: تهذيب التهذيب ١٢/ ١٠٣؛ التقريب ٢/ ٤٠٩.
[ ١ / ٥٨٥ ]
والأعمش (^١)، وهشام بن عروة (^٢).
الأدلة
ويستدل للقول-وهو وجوب الغسل بالتقاء الختانين أنزل أم لا-بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ.
ثانيًا: عن أبي موسى -﵁- قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، قال: قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة، فأُذن لي، فقلت لها: يا أماه أو يا أم المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أستحييك، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله -ﷺ-:
_________________
(١) هو: سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، الأعمش، ثقة حافظ، لكنه يدلس، وروى عن: الشعبي، والنخعي، وغيرهما، وروى عنه: الثوري، وشعبة، وغيرهما، وتوفي سنة سبع وأربعين ومائة، وقيل غير ذلك. انظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٢٠١؛ التقريب ١/ ٣٩٢.
(٢) انظر: الأوسط ٢/ ٧٧؛ المحلى ١/ ٢٤٩؛ التمهيد ٢/ ٣٠٢؛ المجموع ٢/ ١٠٨.
[ ١ / ٥٨٦ ]
«إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل» (^١).
فهذه الأحاديث صريحة في وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل (^٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو عدم وجوب الغسل من الجماع إذا لم ينزل- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: عن خالد بن زيد الجهني -﵁- أنه سأل عثمان بن عفان -﵁- فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ قال عثمان: «يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره» قال عثمان: سمعته من رسول الله -ﷺ-، فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب، فأمروه بذلك (^٣).
ثانيًا: عن أبي بن كعب -﵁- أنه قال: يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٣٤، كتاب الحيض، باب أن الجماع كان في أول الإسلام لا يوجب الغسل إلا أن ينزل، وبيان نسخه، ح (٣٤٩) (٨٨).
(٢) انظر: التمهيد ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٤؛ المجموع ٢/ ١٠٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٦٣، كتاب الغسل، باب غسل ما يصيب من رطوبة فرج المرأة، ح (٢٩٢)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٣٢، كتاب الحيض، باب بيان أن الجماع في أول الإسلام لا يوجب الغسل إلا أن ينزل المني، وبيان نسخه، ح (٣٤٧) (٨٦).
[ ١ / ٥٨٧ ]
فلم ينزل؟ قال: «يغسل ما مس المرأة منه، ثم يتوضأ ويصلى» (^١).
ثالثًا: عن أبي سعيد الخدري -﵁- أن رسول الله -ﷺ- مر على رجل من الأنصار، فأرسل إليه فخرج ورأسه يقطر، فقال: «لعلنا أعجلناك؟» قال: نعم يا رسول الله، قال: «إذا أُعجلت أو أقحطت (^٢) فلا غسل عليك، وعليك الوضوء» (^٣).
رابعًا: عن أبي سعيد الخدري -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «إنما الماء من الماء» (^٤).
خامسًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا أتى أحدكم
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٦٣، كتاب الغسل، باب غسل ما يصيب من رطوبة فرج المرأة، ح (٢٩٣)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٣١، كتاب الحيض، باب بيان أن الجماع في أول الإسلام لا يوجب الغسل إلا أن ينزل المني، وبيان نسخه، ح (٣٤٦) (٨٤).
(٢) أقحطت: مأخوذ من أقحط، وهو انقطاع المطر، والمراد به هنا أي فتر ولم ينزل، فشبه احتباس المني باحتباس المطر. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤١٨؛ المصباح المنير ص ٤٩١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٤٣، كتاب الوضوء، باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر، ح (١٨٠)، ومسلم في صحيحه-واللفظ له- ٢/ ٣١، كتاب الحيض، باب بيان أن الجماع في أول الإسلام لا يوجب الغسل إلا أن ينزل المني، وبيان نسخه، ح (٣٤٥) (٨٣).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٣٠، كتاب الحيض، باب بيان أن الجماع في أول الإسلام لا يوجب الغسل إلا أن ينزل المني، وبيان نسخه، ح (٣٤٣) (٨١).
[ ١ / ٥٨٨ ]
أهله، فعجل ولم ينزل، فأقحط فلا يغتسل» (^١).
سادسًا: عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: «مرّ النبي -ﷺ- برجل من الأنصار، فدعاه، فخرج ورأسه يقطر، فقال: لعلنا أعجلناك؟ قال: أجل يا نبي الله، قال: إذا عجل أحدكم أو أقحط فلا يغتسل» (^٢).
سابعًا: عن ابن عباس -﵁- قال: أرسل رسول الله -ﷺ- إلى رجل من الأنصار فأبطأ عليه، فقال: «ما حبسك؟» قال: كنت على المرأة فقمت فاغتسلت، قال: «وما عليك أن لا تغتسل ما لم تنزل» فكانت الأنصار تفعل ذلك (^٣).
وهذه الأحاديث ظاهرة في عدم وجوب الغسل إذا جامع ولم ينزل (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١١٣. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٧٠: (وفي البزار عنه: إذا أتى أحدكم أهله فأقحط فلا غسل. ورجال البزار رجال الصحيح).
(٢) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١١٤. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٧٠: (رواه البزار ورجاله ثقات إلا أبا إسرائيل الملائي، فإنه ضعيف؛ لسوء حفظه، وقد وثقه بعضهم).
(٣) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١١٩. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٧٠: (رواه أبو يعلى والبزار، وفيه أبو سعد البقال وهو ضبعيف).
(٤) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٥٥؛ التمهيد ٢/ ٢٩٨ - ٣٠١؛ الاعتبار ص ١١٧ - ١٢٠؛ المجموع ٢/ ١٠٨.
[ ١ / ٥٨٩ ]
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وأن ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل منسوخ، وذلك لما يلي:
أولًا: إنه قد ورد أحاديث صحيحة في ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل، وورد كذلك أحاديث صحيحة في وجوب الغسل منه وإن لم ينزل، إلا أنه جاء أحاديث أخر تدل على أن ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل كان في أول الإسلام، وأن وجوب الغسل منه متأخر، فدل ذلك على نسخ الأمر الأول، كما سبق ذكره.
ثانيًا: إن الصحابة -﵃- والأئمة بعدهم اختلفوا في المسألة، ولم يقل أحد منهم أن الأحاديث الدالة على وجوب الغسل من الجماع إذا لم ينزل منسوخة، أما الأحاديث الدالة على ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل فقد قال بنسخها جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فدل ذلك على صحة القول الأول، وعلى نسخ الأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الثاني (^١).
ثالثًا: إن بعض الصحابة رووا أحاديث عن النبي -ﷺ- تدل على جواز ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل، وقال بها، ثم قد رجع عن قوله ذلك، وقال بقول أصحاب القول الأول، فدل ذلك على صحة القول الأول، وعلى نسخ
_________________
(١) انظر من قال بالنسخ في بداية المسألة.
[ ١ / ٥٩٠ ]
الأحاديث الدالة على ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل؛ إذ لو لم تكن منسوخة عنده لما رجع عنه؛ لأن ما لم ينسخ من الكتاب والسنة لا يجوز تركه ولا العمل بخلافه (^١).
والله أعلم.
_________________
(١) راجع الوجه الثاني للاستدلال على النسخ، وانظر: التمهيد ٢/ ٢٩٥.
[ ١ / ٥٩١ ]