ذهب بعض الحنفية إلى أن قراءة الفاتحة خلف الإمام قد نسخ (^١).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه بالقراءة قد نسخ، لذلك إذا كان الإمام يجهر بالقراءة فلا يقرأ من خلفه بل ينصت ويستمع (^٢).
وذهب الحميدي إلى أنه لو ثبت الحديث الذي يدل على النهي عن قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام، فإنه هو المنسوخ (^٣).
وظهر منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الأحاديث الواردة في المسألة سبب آخر
_________________
(١) انظر: المرقاة شرح المشكاة لملا علي القاري ١/ ٥٣٣، ٥٣٤؛ إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام لعبد الحيّ اللكنوي ص ٢٩١.
(٢) ذكر الحازمي الحديث الذي فيه انتهاء الصحابة عن القراءة خلف النبي -ﷺ- فيما يُجهر فيه، ثم ذكر أقوال أهل العلم في المسالة فقال: (وذهب بعضهم إلى أن المأموم يقرأ في صلاة السِّرِّ، ويسكت في صلاة الجهر، وإليه ذهب الزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل وإسحاق. وزعم بعض من ذهب إلى هذا القول أن هذا الحديث ناسخ للحديث الآخر وهو قوله ﵇: (لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب). انظر: الاعتبار ص ٢٥٩ - ٢٦١. وممن قال بنسخ القراءة خلف الإمام في الجهْريَّة الشيخ الألباني؛ حيث قال في كتابه صفة صلاة النبي -ﷺ- ص ٩٨: (نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية).
(٣) انظر: الاعتبار ص ٢٦٢، ٢٦٧.
[ ٢ / ١٠٥٢ ]
لاختلافهم فيها (^١).
دليل من قال بنسخ القراءة خلف الإمام
أولًا: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟» فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: «إني أقول مالي أُنازعُ (^٢) القرآن؟» قال: فانتهى الناسُ عن القراءة مع رسول الله -ﷺ- فيما جهر فيه النبي -ﷺ-
بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله -ﷺ- (^٣).
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ٢٦٠؛ بداية المجتهد ١/ ٢٩٨.
(٢) أنازع القرآن أي أجاذب في قراءته، كأنهم جهروا بالقراءة خلفه فشغلوه. والمنازعة المجاذبة في المعاني والأعيان. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٧٣٠.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٣٢، كتاب الصلاة، باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام، ح (٨٢٦)، والترمذي في سننه ص ٨٧، أبواب الصلاة، باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة، ح (٣١٢)، والنسائي في سننه ص ١٥٢، كتاب الافتتاح، باب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به، ح (٩١٩)، وابن ماجة في سننه ص ١٥٨، كتاب إقامة الصلوات، باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا، ح (٨٤٨)، ومالك في الموطأ ١/ ٩٤، وأحمد في المسند ١٢/ ٢١٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢١٧، وابن حبان في صحيحه ص ٥٧٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٢٥. وحسنه الترمذي، وصححه أبو حاتم الرازي، وابن حبان، وابن القيم، والشيخ الألباني. انظر: سنن الترمذي ص ٨٧؛ تهذيب السنن لابن القيم ١/ ٣٩٢، الجوهر النقي ٢/ ٢٢٧؛ تفسير ابن كثير ٢/ ٢٦٩؛ صحيح سنن الترمذي ٨٧؛ حاشية صفة صلاة النبي -ﷺ- للألباني ص ٩٩. وفي سنده ابن أكيمة الليثي، قال الحميدي: هذا حديث رواه رجل مجهول، لم يرو عنه غيره قط. وقال البيهقي: في صحة هذا الحديث عن النبي -ﷺ- نظر؛ وذلك لأن رواية ابن أكيمة الليثي وهو رجل مجهول لم يحدث إلا بهذا الحديث وحده، ولم يحدث عنه غير الزهري. انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٢٢٦. ونقل ابن القيم في تهذيب السنن ١/ ٣٩٢، كلام البيهقي ثم رد عليه فقال: (وقال غيره: هذا التعليل ضعيف، فإن ابن أكيمة من التابعين، وقد حدث بهذا الحديث ولم ينكره عليه أعلم الناس بأبي هريرة وهو سعيد بن المسيب، ولا يعلم أحد قدح فيه، ولا جرحه بما يوجب ترك حديثه). كما رد عليه ابن التركماني في الجوهر النقي ٢/ ٢٢٧، وذكر ابن عبد البر في التمهيد ٣/ ١٧٣، عن ابن معين أنه قال: حسبك برواية ابن شهاب عنه، وقال: وقد روى عنه محمد بن عمرو وغيره. ثم قال ابن عبد البر: (والدليل على جلالته أن كان يحدث في مجلس سعيد بن المسيب، وسعيد يصغي إلى حديثه عن أبي هريرة).
[ ٢ / ١٠٥٣ ]
ثانيًا: عن أبي العالية قال: «كان نبي الله -ﷺ- إذا صلى قرأ أصحابه أجمعون خلفه حتى نزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فسكت القوم، وقرأ رسول الله -ﷺ-) (^١).
ثالثًا: حديث أبي موسى الأشعري -﵁- عن النبي -ﷺ- وفيه: «إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا-إلى قوله- وإذا قرأ فأنصتوا» (^٢).
_________________
(١) أخرجه الحازمي في الاعتبار ص ٢٦١، وقال: (حديث منقطع) وذكره الجصاص في أحكام القرآن ٣/ ٥٢، بدون إسناد، وهو منقطع كما قال الحازمي.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٢٢٤، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، ح (٤٠٤) (٦٣).
[ ٢ / ١٠٥٤ ]
رابعًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» (^١).
خامسًا: عن جابر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من كان له إمام فإن قراءة الإمام له قراءة» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٠٠، كتاب الصلاة، باب الإمام يصلي من قعود، ح (٦٠٤)، والنسائي في سننه-واللفظ له- ص ١٥٢، كتاب الإمامة، باب تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ ح (٩٢٢)، وابن ماجة في سننه ص ١٥٨، كتاب إقامة الصلوات، باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا، ح (٨٤٦)، وأحمد في المسند ١٥/ ٢٥٨، والداقطني في سننه ١/ ٣٢٧. قال أبو داود في سننه ص ١٠٠: (وهذه الزيادة: (وإذا قرأ فأنصتوا) ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبي خالد)، والحديث صححه مسلم في صحيحه ٣/ ٢٢٤، والإمام أحمد في كما في التمهيد لابن عبد البر ٣/ ١٨١، ١٨٢. وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ص ١٥٢: (حسن صحيح)، وقال في الإرواء ٢/ ٣٨: إن إسناده حسن.
(٢) روي هذا الحديث بطرق مختلفة مرفوعًا ومرسلًا. وقد أخرجه ابن ماجة في سننه ١٥٨، كتاب إقامة الصلوات، باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا، ح (٨٥٠)، ومحمد بن الحسن في الموطأ ص ٦١، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٣١، والإمام أحمد في المسند ٢٣/ ١٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢١٧، والدارقطني في سننه ١/ ٣٢٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٢٧. قال البخاري في كتابه خير الكلام ص ٤٥: (هذا خبر لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز وأهل العراق، وغيرهم؛ لإرساله وانقطاعه، رواه ابن شداد عن النبي -ﷺ- مرسلًا). وكذلك صوب الدارقطني كونه مرسلًا في سننه ١/ ٣٢٥. وقال البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٢٧: (هكذا رواه جماعة عن أبي حنيفة موصولًا، ورواه عبد الله بن المبارك عنه مرسلًا دون ذكر جابر، وهو المحفوظ). وقال ابن عبد البر في التمهيد ٣/ ١٩٢: (ولم يسنده غير أبي حنيفة وهو سيئ الحفظ عند أهل الحديث، قد خالفه الحفاظ فيه: سفيان الثوري، وشعبة، وابن عيينه، وجرير، فرووه عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلًا، وهو الصحيح فيه الإرسال، وليس مما يحتج به). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٢٣/ ٢٧١: (هذا الحديث روي مرسلًا، ومسندًا، لكن أكثر الأئمة الثقاة رووه مرسلًا عن عبد الله بن شداد عن النبي -ﷺ-، وأسنده بعضهم، ورواه ابن ماجة مسندًا، وهذا المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة، وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومرسله من أكابر التابعين، ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة، وغيرهم). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٢٣٢: (مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة، وكلها معلولة). وقال في الفتح ٢/ ٣٠١: (حديث ضعيف عند الحفاظ). وقد صحح بعض طرقه بعض أهل العلم، فقال ابن التركماني في الجوهر النقي ٢/ ٢٢٨، عن سنده من طريق ابن أبي شيبة: (وهذا سند صحيح، وكذا رواه أبو نعيم عن الحسن بن صالح، عن أبي الزبير، ولم يذكر الجعفي، كذا في أطراف المزي، وتوفي أبو الزبير سنة ثمان وعشرين ومائة، ذكره الترمذي، وعمرو بن علي. والحسن بن صالح ولد سنة مائة، وتوفي سنة سبع وستين ومائة، وسماعه من أبي الزبير ممكن ..) وقال ابن الهمام في فتح القدير ١/ ٣٣٨: (واعترض المضعفون لرفعه مثل الدارقطني، والبيهقي وابن عدي بأن الصحيح أنه مرسل؛ لأن الحفاظ كالسفيانين وأبي الأحوص وشعبة وإسرائيل وشريك وأبي خالد الدالاني وجرير وعبد الحميد وزائدة وزهير رووه عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبي -ﷺ- فأرسلوه، وقد أرسله مرة أبو حنيفة كذلك، فنقول: المرسل حجة عند أكثر أهل العلم- إلى أن قال: -وعلى تقدير التنزل عن حجيته فقد رفعه أبو حنيفة بسند صحيح-فذكره عن طريق محمد بن الحسن الذي رواه في الموطأ ثم قال: -وقولهم إن الحفاظ الذين عدوهم لم يرفعوه غير صحيح، قال أحمد بن منيع في مسنده: أخبرنا إسحاق الأزرق، حدثنا سفيان وشريك عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر -﵁- قال-فذكره، ثم قال: -قال: وحدثنا جرير عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبي -ﷺ- فذكره، ولم يذكر عن جابر، ورواه عبد بن حميد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا الحسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي -ﷺ-، فذكره، وإسناد حديث جابر الأول صحيح على شرط مسلم، فهؤلاء سفيان وشريك وجرير وأبو الزبير رفعوه بالطرق الصحيحة فبطل عدهم فيمن لم يرفعه). وقال عبد الحيّ في إمام الكلام ص ٢١٧: (والحاصل أن طرق الحديث الذي نحن فيه، بعضها صحيح أو حسن، وبعضها ضعيف ينجبر ضعفه بغيرها من الطرق الكثيرة، فالقول بأنه حديث غير ثابت أو غير محتج به ونحو ذلك: غير معتد به). وقال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٢/ ٢٧٢: (أن الصواب فيه مرسل، ولكنه مرسل صحيح الإسناد). وقال في صحيح سنن ابن ماجة ص ١٥٨: (حسن).
[ ٢ / ١٠٥٥ ]
ويستدل منها على النسخ: بأن مجموع هذه الأدلة يثبت منها أن بعض الصحابة -﵃- كانوا يقرؤون خلف النبي -ﷺ-، ثم جاء الأمر بالاستماع والإنصات لقراءة الإمام، وجُعل قراءة الإمام قراءة للمأموم، وهو يشمل السر والجهر، فدل ذلك على نسخ القراءة خلف الإمام، ويؤكد ذلك أن في حديث أبي هريرة -﵁- (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله -ﷺ- وأبو
[ ٢ / ١٠٥٧ ]
هريرة -﵁- متأخر الإسلام، فتكون هذه الأدلة بعد القراءة خلف الإمام وناسخة له (^١).
واعترض عليه: بأنه إن أريد أن القراءة خلف الإمام غير الفاتحة كان يعمل به بعض
الصحابة﵃- فنُهي عنه وأُمر بالاستماع إلى قراءة الإمام، فهذا ما يدل عليه بعض ما سبق من الأدلة، أما إن أريد به أن قراءة الفاتحة وراء الإمام نسخ فهذا غير مسلم؛ لما يلي:
أ- إنه ثبت في أحاديث كثيرة النهي عن القراءة خلف الإمام، واستثني منه قراءة الفاتحة، كما جاء أحاديث تصرح بأن إنكار النبي -ﷺ- ونهيه عن القراءة خلف الإمام جاء بعد قراءة بعض الصحابة﵃خلفه غير الفاتحة (^٢).
ب-إن القول بأن هذه الأدلة متأخرة عن الأدلة الدالة على قراءة الفاتحة خلف الإمام فتكون ناسخة لها مجرد احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وتأخر إسلام الراوي لا يدل على تأخر ما رواه؛ لاحتمال أن يكون سمعه من صحابي متقدم الإسلام (^٣)،
ج-إن الاستدلال بتأخر إسلام أبي هريرة -﵁-، وبحديثه الذي فيه: (فانتهى الناس عن القراءة ..) على النسخ غير صحيح؛ لأن ما رواه لو كان
_________________
(١) انظر: المرقاة شرح المشكاة ٢/ ٣٠١؛ إمام الكلام لعبد الحيّ ص ٢٩١.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٢٦٧، وسيأتي بعض هذه الأحاديث في دليل القول الثالث.
(٣) انظر: إمام الكلام لعبد الحيّ ص ٢٩١ - ٢٩٢،
[ ٢ / ١٠٥٨ ]
ناسخًا للقراءة خلف الإمام لما أفتى بخلافه، مع أنه أفتى بقوله: (اقرأ بها في نفسك). فدل ذلك على عدم النسخ (^١).
د-إنه لا يصار إلى النسخ إذا أمكن الجمع بين الأحاديث، وهنا أمكن الجمع بينها؛ لأن الأحاديث الدالة على النهي عن القراءة خلف الإمام عامة، والأحاديث الدالة على قراءة الفاتحة خلف الإمام خاصة، وبناء العام على الخاص واجب، فتكون هذه الأحاديث مخصصة لعمومها (^٢).
دليل من قال بنسخ القراءة خلف الإمام في الجهْريَّة
أولًا: عن عبادة بن الصامت -﵁- قال: كنا خلف رسول الله -ﷺ- في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله -ﷺ- فثقُلت عليه القراءةُ، فلما فرغ قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم» قلنا: نعم، هَذًّا (^٣) يا رسول الله. قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» (^٤).
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ٢٦٤؛ إمام الكلام لعبد الحيّ ص ٢٩٥.
(٢) انظر: فتح الباري ٢/ ٣٠٠؛ نيل الأوطار ٣/ ٢١٦؛ إمام الكلام لعبد الحيّ ص ٢٩٥.
(٣) الهذّ: سرعة القطع. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٩٠٠.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٣١، كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، ح (٨٢٣)، والترمذي في سننه ص ٨٧، أبواب الصلاة، باب ما جاء في القراءة خلف الإمام، ح (٣١١)، والنسائي في سننه ص ١٥٢، كتاب الافتتاح، باب قراءة أم القرآن خلف الإمام فيما جهر فيه الإمام، ح (٩٢٠)، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٧٦٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢١٥، والدارقطني في سننه ١/ ٣١٨. وحسنه الترمذي، والدارقطني. انظر: سنن الترمذي ص ٨٧؛ سنن الدارقطني ١/ ٣١٨. وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٢٣١: (وصححه أبو داود والترمذي والدارقطني، وابن حبان والحاكم والبيهقي). وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص ١٣١، وضعيف سنن الترمذي ص ٨٧.
[ ٢ / ١٠٥٩ ]
ثانيًا: ما سبق من الأدلة في دليل القول السابق.
ويستدل منها على النسخ: بأن الحديث الأول ورواية أبي العالية يدلان على أنه كان يجوز للمؤتَمِّين أن يقرؤوا الفاتحة خلف الإمام في الجهريّة، ثم جاء الأمر بعد ذلك بالاستماع والإنصات لقراءة الإمام، فنهاهم عن القراءة كلها خلف الإمام في الجهريّة، وقال: «مالي أنازع القرآن) فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله فيما جهر فيه رسول الله -ﷺ- بالقراءة. فثبت من ذلك نسخ القراءة وراء الإمام في الجهريّة (^١).
ويعترض على هذا ما اعترض به وجه استدلال القول السابق.
دليل القول بأن المنسوخ هو ما يدل على النهي عن قراءة فاتحة الكتاب
أولًا: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟» فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: «إني أقول مالي أُنازعُ القرآن؟» قال: فانتهى الناسُ عن القراءة مع رسول الله -ﷺ- فيما جهر فيه النبي -ﷺ- بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ٢٦٠، ٢٦١؛ صفة صلاة النبي -ﷺ- ص ٩٨، ٩٩.
[ ٢ / ١٠٦٠ ]
رسول الله -ﷺ- (^١).
ثانيًا: عن عبادة بن الصامت -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
الكتاب» (^٢).
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي
خِداجٌ (^٣) ثلاثًا، غير تمام. فقيل لأبي هريرة -﵁-: إنّا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك، فإن سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل …» (^٤).
ويستدل منها على النسخ: بأن الحديثين الأخيرين فيهما دلالة على لزوم قراءة فاتحة الكتاب لكل مصلٍ سواء كان إمامًا أو مأمومًا، وحديث أبي هريرة -﵁- الأول يدل على النهي عن القراءة خلف الإمام، لكن الأحاديث الدالة على لزوم قراءة الفاتحة خلف الإمام متأخرة، يدل على ذلك قول أبي هريرة
_________________
(١) سبق تخريجه في دليل القول الأول.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٥١، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، ح (٧٥٦)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٢٠٦، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، ح (٣٩٤) (٣٤).
(٣) الخداج النقصان، يقال: خدجت الناقة إذا ألقت ولده قبل أوانه، وإن كان تام الخلق، وأخدجته إذا ولدته ناقص الخلق وإن كان لتمام الحمل. النهاية في غريب الحديث ١/ ٤٧٣.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٢٠٧، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، ح (٣٩٥) (٣٨).
[ ٢ / ١٠٦١ ]
-﵁- للسائل: (اقرأ بها في نفسك) فإن هذا كان بعد موت رسول الله -ﷺ-، فلو كان النهي عن القراءة خلف الإمام متأخرًا وناسخًا لما أمره أبو هريرة -﵁- بالقراءة خلف الإمام، فثبت من ذلك أن الأمر بالقراءة بعد النهي عنه فيكون ناسخًا له (^١).
واعترض عليه: بأن أمر أبي هريرة -﵁- بالقراءة خلف الإمام ليس لأنه هو المتأخر، وأنه الناسخ للنهي عن القراءة خلف الإمام، بل لأن الفاتحة مستثناة من عموم النهي عن القراءة خلف الإمام، فلو كان عنده تعارض بين الحديثين أو أن أحدهما ناسخ للآخر، لبينه، ولقال بالمتأخر منهما (^٢).
هذه كانت أقوال القائلين بالنسخ، وأدلتهم.
وقد اختلف أهل العلم في القراءة خلف الإمام على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يقرأ المؤتم خلف الإمام، لا فيما أسرّ، ولا فيما جهر.
وهو مذهب الحنفية (^٣)، وروي ذلك عن: علي، وسعد، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعقبة بن عامر، وحذيفة بن يمان، وأبو سعيد، وابن عباس، وزيد بن ثابت﵃- (^٤).
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ٢٦٤؛ تحفة الأحوذي ٢/ ٢٤٦. ٠
(٢) انظر: سنن الترمذي ص ٨٧؛ الاعتبار ص ٢٦٧؛ إمام الكلام لعبد الحي ص ١٨٦؛ تحفة الأحوذي ٢/ ٢٤٦.
(٣) انظر: شرح معاني الأثار ١/ ٢١٨؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ٢٠٤؛ مختصر القدوري ص ٢٩؛ بدائع الصنائع ١/ ٢٩٤؛ الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ٣٣٨.
(٤) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٣٠ - ٣٣١؛ التمهيد ٣/ ١٩١؛ المغني ٢/ ٢٦٦.
[ ٢ / ١٠٦٢ ]
وبه قال الثوري، وابن أبي ليلى، والحسن بن حيّ (^١).
القول الثاني: يقرأ المؤتم مع الإمام فاتحة الكتاب فيما أسرّ فيه، ولا يقرأ فيما جهر فيه.
وهو مذهب المالكية (^٢)، والحنابلة (^٣)، والقول القديم للإمام الشافعي (^٤).
وروي نحو ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمر﵃- (^٥).
وبه قال سعيد بن المسيب، وسالم، وقتادة، والزهري، وابن المبارك، وإسحاق، وداود، وابن جرير (^٦).
القول الثالث: يقرأ المؤتم خلف الإمام الفاتحة، سواء كان الصلاة سرية أم جهريّة.
وهو القول الجديد للإمام الشافعي، ومذهب الشافعية (^٧)، وروي ذلك
_________________
(١) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ٢٠٤؛ التمهيد ٣/ ١٩١؛ المغني ٢/ ٢٦٦.
(٢) انظر: الموطأ ١/ ٩٤؛ التمهيد ٣/ ١٧٧؛ بداية المجتهد ١/ ٢٩٨؛ جامع الأمهات ص ٩٤؛ التاج والإكليل ٢/ ٢١٢.
(٣) انظر: المغني ٢/ ٢٥٩؛ الشرح الكبير ٤/ ٣٠٧؛ الممتع ١/ ٥٤٩؛ شرح الزركشي ١/ ٣٢٨؛ زاد المستقنع ص ١٦.
(٤) انظر: مختصر المزني ص ٢٦؛ الحاوي ٢/ ١٤١؛ المجموع ٣/ ٢٢٣.
(٥) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٧ - ٣٢٩؛ التمهيد ٣/ ١٧٧.
(٦) انظر: تفسير الطبري ٦/ ١٩٩؛ التمهيد ٣/ ١٧٧؛ المغني ٢/ ٢٥٩؛
(٧) انظر: مختصر المزني ص ٢٦؛ الحاوي ٢/ ١٤١؛ العزيز ١/ ٤٩٢؛ المجموع ٣/ ١٩٨، ٢٢٣.
[ ٢ / ١٠٦٣ ]
عن عبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس﵃-. وبه قال عروة، وسعيد بن جبير
ومكحول، والحسن البصري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو ثور، وابن حزم (^١).
الأدلة
يستدل للقول الأول- وهو أن المؤتم لا يقرأ خلف الإمام مطلقًا- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (^٢).
فهذه الآية في الصلاة، كما قاله غير واحد من أهل العلم (^٣)، وفيها الأمر بالاستماع والإنصات، والاستماع وإن لم يكن ممكنًا عند المخافتة بالقراءة فالإنصات ممكن، لذلك لا يقرأ المؤتم خلف الإمام لا في الجهرية ولا في السرية (^٤).
واعترض عليه: بأن المراد بالآية غير فاتحة الكتاب، فهي مستثناة من
_________________
(١) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ٢٠٥؛ التمهيد ٣/ ١٨٥؛ المحلى ٢/ ٢٦٦؛ المجموع ٣/ ٢٢٥.
(٢) سورة الأعراف، الآية (٢٠٤).
(٣) انظر: تفسير ابن جرير ٦/ ١٩٦؛ التمهيد ٣/ ١٧٨؛ المغني ٢/ ٢٦١.
(٤) انظر: بدائع الصنائع ١/ ٢٩٤؛ إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام لعبد الحي ص ١٢٢.
[ ٢ / ١٠٦٤ ]
عمومها بدليل الأحاديث التي فيها الأمر بقراءتها خلف الإمام (^١).
ثانيًا: حديث أبي موسى وأبي هريرة﵄- مرفوعًا: «وإذا قرأ فأنصتوا» (^٢).
ففيه الأمر بالسكوت عند قراءة الإمام (^٣).
ويعترض عليه ما اعتراض به على الاستدلال من الآية الكريمة (^٤).
ثالثًا: عن عبد الله -﵁- قال: كانوا يقرؤون خلف النبي -ﷺ- فقال: «خَلَطْتُمْ عليّ القرآن» (^٥).
فهذا يدل على أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام لأنه يخلط عليه (^٦).
واعترض عليه بما يلي:
_________________
(١) انظر: المحلى ٢/ ٢٧٠؛ التمهيد ٣/ ١٨٥؛ المجموع ٣/ ٢٢٦؛ إمام الكلام لعبد الحي اللكنوي ص ١٦٣.
(٢) سبق تخريجهما في دليل القول بنسخ القراءة خلف الإمام.
(٣) انظر: بدائع الصنائع ١/ ٢٩٤.
(٤) انظر: المحلى ٢/ ٢٧٠؛ التمهيد ٣/ ١٨٥؛ المجموع ٣/ ٢٢٦؛ إمام الكلام لعبد الحي ص ١٧٤.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٣٠، والإمام أحمد في المسند-واللفظ له- ٧/ ٣٣٤، والإمام البخاري في جزء القراءة خلف الإمام المسمى ب (خير الكلام في القراءة خلف الإمام) ص ١٢٦، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢١٧، والدارقطني في سننه ١/ ٣٤١. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١١٣: (رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح). وقال أبو الطيب محمد أبادي في التعليق المغني ١/ ٣٤١: (إسناده حسن).
(٦) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢١٦، ٢١٧؛ تحفة الأحوذي ٢/ ٢٤٦.
[ ٢ / ١٠٦٥ ]
أ- إنه يدل على منع التخليط على الإمام، ولكن التخليط لا يكون إلا إذا قرأ مَن خلف الإمام بالجهر، أما إذا قرأ سرًا وفي النفس فلا يكون التخليط، وقد ورد الحديث المذكور بلفظ: قال النبي -ﷺ- لقوم يقرؤون القرآن فيجهرون: «خلطتم علىّ القرآن» (^١)، فدل ذلك على النهي عن القراءة خلف الإمام جهرًا، لا على نفس القراءة (^٢).
ب- إنه إن أريد به المنع من القراءة خلف الإمام فتكون فاتحة الكتاب، مستثناة من عمومه بدليل الأحاديث التي فيها الأمر بقراءتها خلف الإمام (^٣).
رابعًا: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أبي هريرة -﵁- والذي فيه: أن رسول الله -ﷺ- انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟» فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: «إني أقول مالي أُنازعُ القرآن؟» قال: فانتهى الناسُ عن القراءة مع رسول الله -ﷺ- فيما جهر فيه النبي -ﷺ- بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله -ﷺ-.
فهذا يدل على أن النبي -ﷺ- زجر المؤتمّيْن عن القراءة، وكره ذلك، وأن الناس تركوا القراءة خلفه عند ذلك، فثبت منه ترك القراءة خلف الإمام (^٤).
_________________
(١) أخرجه بهذا السياق البخاري في خير الكلام في القراءة خلف الإمام ص ١٢٦.
(٢) انظر: تحفة الأحوذي ٢/ ٢٤٧.
(٣) انظر: المحلى ٢/ ٢٧٠؛ التمهيد ٣/ ١٨٥؛ المجموع ٣/ ٢٢٦؛ إمام الكلام لعبد الحي اللكنوي ص ١٦٣.
(٤) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢١٦، ٢١٧؛ إمام الكلام لعبد الحي اللكنوي ص ١٧٤.
[ ٢ / ١٠٦٦ ]
واعترض عليه بما يلي:
أ-إنه لا يصح الاستدلال منه لأنه لا يدل على منع القراءة خلف الإمام، وإنما يدل على منع الجهر بالقراءة؛ لأنه يفضي إلى المنازعة «مالي أنازع القرآن»، أما القراءة سرًا فلا يؤدي
إلى المنازعة فلا يكون ممنوعًا (^١).
ب-إنه محمول على ترك قراءة ما عدا الفاتحة، أو أن الفاتحة مستثناة من عمومه للأحاديث الدالة على الأمر بقراءتها خلف الإمام (^٢).
خامسًا: عن عمران بن حصين -﵁- أن رسول الله -ﷺ- صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ خلفه بسَبّح اسم ربك الأعلى، فلما انصرف قال: «أيُّكم قرأ» أو «أيُّكم القارئ؟» فقال رجل: أنا. فقال: «قد ظننت أن بعضكم خالجنيها (^٣) (^٤).
_________________
(١) انظر: نيل الأوطار ٢/ ٢١٧؛ إمام الكلام لعبد الحيّ ص ١٨١؛ تحفة الأحوذي ٢/ ٢٤٦.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٢٦٧؛ نيل الأوطار ٢/ ٢١٧؛ إمام الكلام لعبد الحيّ ص ١٢٨.
(٣) خالجنيها أي: نازعنيها. وأصل الخلج الجذب والنزع. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٥١٦؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٣/ ٢١٣.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٢١٤، كتاب الصلاة، باب نهي المأموم عن جهره بالقراءة خلف إمامه، ح (٣٩٨) (٤٨). وأخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٣٢٧، بلفظ: (قال: كان النبي -ﷺ- يصلي بالناس ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ قال: «من ذا الذي يخالجني سورتهم» فنهاهم عن القراءة خلف الإمام). ثم قال الدارقطني: (لم يقل هكذا غير حجاج، خالفه أصحاب قتادة، منهم شعبة وسعيد وغيرهما، فلم يذكروا أنه نهاهم عن القراءة، وحجاج لا يحتج به). وانظر كتاب إمام الكلام لعبد الحيّ ص ١٩٣، في الكلام عليه وضعفه.
[ ٢ / ١٠٦٧ ]
ووجه الاستدلال منه كالاستدلال من الحديث السابق.
واعترض عليه: بأن الإنكار فيه على الجهر ورفع الصوت، لا على أصل القراءة؛ لأن المنازعة لا تقع في السر (^١).
سادسًا: عن أنس -﵁- قال: صلى النبي -ﷺ- ثم أقبل بوجهه فقال: «أتقرؤون والإمام يقرأ؟» فسكتوا، فسألهم ثلاثًا، فقالوا: إنا لنفعل. قال: «فلا تفعلوا» (^٢).
فهذا كذلك يدل على النهي عن القراءة خلف الإمام (^٣).
واعترض عليه: بأنه لا يصح الاستدلال منه على ترك القراءة؛ لأن هذه الرواية فيه اختصارًا، ففي رواية أخرى عن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه فقال: «أتقرؤون في صلاتكم والإمام يقرأ؟» فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل. قال: «فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه» (^٤).
والروايات يفسر بعضها البعض، فدل أن النهي هو عن قراءة غير
_________________
(١) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ٣/ ٢١٣؛ إمام الكلام لعبد الحيّ ص ١٩١؛ تحفة الأحوذي ٢/ ٢٤٧.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢١٨.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢١٦، ٢١٨؛ إمام الكلام لعبد الحي ص ١٩٤.
(٤) أخرجه البخاري في كتابه خير الكلام ص ١٢٧، وابن حبان في صحيحه ص ٥٧٣، والبيهقي في كتاب القراءة خلف الإمام ص ٧٢. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١١٣: (رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات).
[ ٢ / ١٠٦٨ ]
الفاتحة (^١).
سابعًا: عن جابر بن عبد لله -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «من صلى ركعة فلم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يصل إلا وراء الإمام» (^٢).
وفي رواية عنه -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من كان له إمام فإن قراءة الإمام له قراءة» (^٣).
فهذا الحديث يدل أن قراءة الإمام قراءة للمقتدي فلا حاجة لقراءته، فلا يقرأ خلف الإمام (^٤).
_________________
(١) انظر: نصب الراية ٢/ ١٨؛ إمام الكلام لعبد الحيّ ص ١٩٥.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢١٨، مرفوعًا، وكذلك الدارقطني-نحوه- في سننه ١/ ٣٢٧، ثم قال الدارقطني: (يحيى بن سلام ضعيف، والصواب موقوف). وأخرجه موقوفًا على جابر -﵁-: الترمذي في سننه ص ٨٨، أبواب الصلاة، باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة، ح (٣١٣) -وقال: (حديث حسن صحيح) -، ومحمد بن الحسن في الموطأ ص ٦٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢١٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٢٨، وقال: (هذا هو الصحيح عن جابر من قوله غير مرفوع، وقد رفعه يحيى بن سلام وغيره من الضعفاء عن مالك، وذلك مما لا يحل روايته على طريق الاحتجاج). وقال ابن عبد البر في الاستذكار ١/ ٥١٣: (وهو حديث لا يصح إلا موقوفًا على جابر). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ص ٨٨: (صحيح موقوف).
(٣) سبق تخريجه في دليل القول بنسخ القراءة خلف االإمام.
(٤) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢١٦، ٢١٧؛ بدائع الصنائع ١/ ٢٩٤؛ الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ٣٣٨.
[ ٢ / ١٠٦٩ ]
واعترض عليه بما يلي:
أ-إن الحديث الأول اختلف في رفعه ووقفه، والصحيح وقفه على جابر -﵁-، والحديث الثاني اختلف في إرساله، وإسناده وإيصاله، والأكثرون على إرساله، فهذا مما يضعف
الاستدلال به في نفسه، فكيف في مقابلة الأحاديث المعارضة له (^١).
ب-إن المراد بالقراءة في هذا الحديث ما عدا الفاتحة، بقرينة الأحاديث التي فيها الأمر بقراءة الفاتحة، فعمومه مخصوص بتلك الأحاديث (^٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن المأموم يقرأ خلف الإمام فاتحة الكتاب فيما أسرّ فيه، لا فيما جهر فيه- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (^٣).
ثانياَ: حديث أبي هريرة وأبي موسى الأشعري الذين فيهما: (وإذا قرأ فأنصتوا) (^٤).
ووجه الاستدلال منها: أن فيها الأمر بالإنصات عند قراءة القرآن
_________________
(١) راجع تخريج الحديث، وانظر: إمام الكلام لعبد الحيّ ص ٢٠٤، ٢١٩.
(٢) انظر: المحلى ٢/ ٢٧٠؛ التمهيد ٣/ ١٨٥؛ إمام الكلام لعبد الحي اللكنوي ص ٢٢٠.
(٣) سورة الأعراف، الآية (٢٠٤).
(٤) سبق تخريجهما في دليل القول بنسخ القراءة خلف الإمام.
[ ٢ / ١٠٧٠ ]
ليسمع القراءة، وذلك إنما يكون فيما يجهر فيه، دون صلاة السر، لذلك لا يقرأ خلف الإمام في الجهر بل يستمع للقراءة، أما في السر فيقرأ؛ لأنه لا يسمع القراء (^١).
واعترض عليه: بأن المراد بها غير فاتحة الكتاب، فهي مستثناة من عمومها بدليل الأحاديث التي فيها الأمر بقراءتها خلف الإمام (^٢).
ثالثًا: ما سبق من حديث أبي هريرة -﵁- والذي فيه: أن رسول الله -ﷺ- انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟» فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: «إني أقول مالي أُنازعُ القرآن؟» قال: فانتهى الناسُ عن القراءة مع رسول الله -ﷺ- فيما جهر فيه النبي -ﷺ- بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله -ﷺ- (^٣).
فهذا يدل على المنع والزجر عن القراءة مع الإمام، والمنازعة إنما تكون في صلاة الجهر، لذلك لا يقرأ في الجهرية خلف الإمام، أما في الصلاة السرية فإنما يسمع نفسه دون غيره فلا تكون هناك منازعة، فلذلك يقرأ في السرية خلفه (^٤).
_________________
(١) انظر: التمهيد ٣/ ١٧٧؛ المغني ٢/ ٢٦١؛ شرح الزركشي ١/ ٣٢٨.
(٢) انظر: المحلى ٢/ ٢٧٠؛ التمهيد ٣/ ١٨٥؛ المجموع ٣/ ٢٢٦؛ إمام الكلام لعبد الحي اللكنوي ص ١٦٣.
(٣) سبق تخريجه في دليل القول بنسخ القراءة خلف الإمام.
(٤) انظر: التمهيد ٣/ ١٧٧؛ المغني ٢/ ٢٦٢.
[ ٢ / ١٠٧١ ]
واعترض عليه: بما يلي:
أ-إنه لا يصح الاستدلال منه لأنه لا يدل على منع القراءة خلف الإمام، وإنما يدل على منع الجهر بالقراءة؛ لأنه يفضي إلى المنازعة «مالي أنازع القرآن»، أما القراءة سرًا فلا يؤدي إلى المنازعة فلا يكون ممنوعًا (^١).
ب-إنه محمول على ترك قراءة ما عدا الفاتحة، أو أن الفاتحة مستثناة من عمومه للأحاديث الدالة على الأمر بقراءتها خلف الإمام (^٢).
ثالثًا: حديث عمران بن حصين -﵁- الذي سبق ذكره، والذي فيه: «قد ظننت أن بعضكم خالجنيها» (^٣).
ووجه الاستدلال منه كالاستدلال من الحديث السابق.
ويعترض عليه: بأن الإنكار فيه على الجهر ورفع الصوت، لا على أصل القراءة؛ لأن المنازعة لا تقع إذا قرأ سرًا وفي نفسه (^٤).
رابعًا: ما سبق ذكره من حديث ابن مسعود -﵁- والذي فيه: كانوا يقرؤون خلف النبي -ﷺ- فقال: «خَلَطْتُمْ عليّ القرآن» (^٥).
فهذا يدل على أن المأموم إذا قرأ خلف الإمام فإنه يخلط عليه، وذلك لا
_________________
(١) انظر: نيل الأوطار ٢/ ٢١٧؛ إمام الكلام لعبد الحيّ ص ١٨١؛ تحفة الأحوذي ٢/ ٢٤٦.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٢٦٧؛ نيل الأوطار ٢/ ٢١٧؛ إمام الكلام لعبد الحيّ ص ١٢٨.
(٣) سبق تخريجه في دليل القول الأول.
(٤) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ٣/ ٢١٣؛ إمام الكلام لعبد الحيّ ص ١٩١؛ تحفة الأحوذي ٢/ ٢٤٧.
(٥) سبق تخريجه في دليل القول الأول.
[ ٢ / ١٠٧٢ ]
يكون إلا في الجهريّة، لذلك لا يقرأ في الجهرية، أما في السريّة فلا يكون تخليط، فيقرأ فيها خلفه (^١).
واعترض عليه بما يلي:
أ- إنه يدل على منع التخليط على الإمام، ولكن التخليط لا يكون إلا إذا قرأ مَن خلف الإمام بالجهر، أما إذا قرأ سرًا وفي النفس فلا يكون التخليط، وقد ورد الحديث المذكور بلفظ: قال النبي -ﷺ- لقوم يقرؤون القرآن فيجهرون: «خلطتم علىّ القرآن» (^٢)، فدل ذلك على النهي عن القراءة خلف الإمام جهرًا، لا على نفس القراءة (^٣).
ب- إنه إن أريد به المنع من القراءة خلف الإمام فتكون فاتحة الكتاب، مستثناة من عمومه بدليل الأحاديث التي فيها الأمر بقراءتها خلف الإمام (^٤).
خامسًا: حديث جابر -﵁- عن رسول الله -ﷺ-: «من كان له إمام فإن قراءة الإمام له قراءة» (^٥).
فهذا يدل على أن الإمام يتحمل عن المأموم القراءة، وأن قراءته قراءة
_________________
(١) انظر: التمهيد ٣/ ١٩٤.
(٢) أخرجه بهذا السياق البخاري في خير الكلام في القراءة خلف الإمام ص ١٢٦.
(٣) انظر: تحفة الأحوذي ٢/ ٢٤٧.
(٤) انظر: المحلى ٢/ ٢٧٠؛ التمهيد ٣/ ١٨٥؛ المجموع ٣/ ٢٢٦؛ إمام الكلام لعبد الحي اللكنوي ص ١٦٣.
(٥) سبق تخريجه في دليل القول بنسخ القراءة خلف الإمام.
[ ٢ / ١٠٧٣ ]
له، وذلك في الجهريّة، لذلك يستمع لقراءته، أما في السرية فيقرأ خلفه؛ للأحاديث التي فيها الأمر بقراءة الفاتحة في الصلاة (^١).
واعترض عليه: بأن المراد بالقراءة في هذا الحديث ما عدا الفاتحة، بقرينة الأحاديث التي فيها الأمر بقراءة الفاتحة، فعمومه مخصوص بتلك الأحاديث (^٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن المأموم يقرأ الفاتحة، على كل حال- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: عن عبادة بن الصامت -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (^٣).
ثانيًا: عن عبادة بن الصامت -﵁- قال: كنا خلف رسول الله -ﷺ- في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله -ﷺ- فثقُلت عليه القراءةُ، فلما فرغ قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم» قلنا: نعم، هَذًّا يا رسول الله، قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» (^٤).
وفي رواية عنه -﵁- قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- بعض الصلوات التي
_________________
(١) انظر: شرح الزركشي ١/ ٣٣٠.
(٢) انظر: المحلى ٢/ ٢٧٠؛ التمهيد ٣/ ١٨٥؛ إمام الكلام لعبد الحي اللكنوي ص ٢٢٠.
(٣) سبق تخريجه في ص ٧٠٦.
(٤) سبق تخريجه في ص ٧٠٥.
[ ٢ / ١٠٧٤ ]
يجهر فيها بالقراءة، قال: فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه، وقال: «هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟» فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: «فلا، وأنا أقول: ماينازعني القرآنُ، فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت، إلا بأم القرآن» (^١).
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج» ثلاثًا، غير تمام. فقيل لأبي هريرة -﵁-: إنّا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك، فإن سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل …» (^٢).
رابعًا: عن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه فقال: «أتقرؤون في صلاتكم والإمام يقرأ؟» فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل. قال: «فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه» (^٣).
خامسًا: عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- قال: قال النبي -ﷺ-: «لعلكم
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٣١، كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، ح (٨٢٤) والدارقطني في سننه ١/ ٣١٩، -وقال عن رجاله: (كلهم ثقات) -. والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٣٥. وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص ١٣١، وضعيف الجامع الصغير ص ٦٧٥ (٤٦٨١)، وصححه في حاشية الجامع الصغير بلفظ: (إلا أن يقرأ أحدكم ..) وفي صفة صلاة النبي -ﷺ- ص ٩٩.
(٢) سبق تخريجه في ص ٧٠٦.
(٣) سبق تخريجه في ص ٧١١.
[ ٢ / ١٠٧٥ ]
تقرؤون والإمام يقرأ؟» مرتين أو ثلاثًا. قالوا: نعم يا رسول الله إنّا لنفعل. قال: «فلا تفعلوا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب» (^١).
سادسًا: عن عبد الله بن عمرو﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أتقرؤون خلفي؟»، قالوا: نعم، إنا لنهُذُّه هَذًّا. قال: «فلا تفعلوا إلا بأم القرآن» (^٢).
ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث: أن حديث عبادة بن الصامت -﵁- الأول عام في كل مصل، ولم يثبت تخصيصه بغير المأموم بمخصص صريح، فبقي على عمومه، ويؤكد ذلك حديثه الثاني، فهو صريح في قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام، وقد كان ذلك في صلاة جهريّة، فيثبت من ذلك قراءة الفاتحة في جميع الصلوات سواء كانت جهريّة أم سرّية. كما أن الأحاديث الباقية كلها تنص على أن المأموم يقرأ الفاتحة خلف الإمام، وما عارض به المخالفون لهذه الأحاديث فليس فيها ما يدل على عدم قراءة الفاتحة إلا عن طريق العموم، والنص مقدم على ذلك (^٣).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٢/ ١٢٨، وأحمد في المسند ٢٩/ ٦١١، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٣٦. وقال: (إسناد جيد). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١١٤: (رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٢٣١: (إسناده حسن).
(٢) أخرجه البخاري في كتابه خير الكلام في القراءة خلف الإمام ص ٥٩، والبيهقي في كتاب القراءة خلف الإمام ص ٧٩.
(٣) انظر: المحلى ٢/ ٢٦٦؛ الحاوي ٢/ ١٤٢؛ المجموع ٣/ ٢٢٥؛ نيل الأوطار ٢/ ٢١٨؛ إمام الكلام لعبد الحي ص ٣٠١؛ الشرح الممتع ١/ ٧٤٤.
[ ٢ / ١٠٧٦ ]
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولًا: إن أقوال النسخ الثلاثة كلها ضعيفة، إذ ليس على أي واحد منها دليل يثبت به ذلك، وقد سبق وجوه الرد عليه. كما أن القول به خلاف الأولى؛ لأن الجمع بين الأحاديث الواردة في المسألة ممكن، وهو كذلك مما يضعف القول بالنسخ.
ثانيًا: إن سُلّم أن الأحاديث التي فيها النهي والزجر عن القراءة مع الإمام يدل على نسخ القراءة، فلا يُسلّم شمول ذلك للفاتحة؛ لأن في بعض تلك الأحاديث جاء استثناء الفاتحة من ذلك الحكم، ففي حديث عبادة -﵁-: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» كما جاء استثناء ذلك في حديث أنس، ورجل من أصحاب النبي -ﷺ-، وعبد الله بن عمرو﵃-. فثبت من ذلك أن النسخ إن قيل به ففي القراءة غير الفاتحة، أما الفاتحة فقد جاء الأمر بقراءتها عمومًا، وفي بعض تلك الأحاديث الدالة على النهي عن القراءة مع الإمام جاء الأمر بقراءتها خلف الإمام خصوصًا، وليس هناك حديث ينص على النهي عن قراءة الفاتحة خصوصًا حتى يعارض به حديث قراءتها خصوصًا، فضلًا عن أن يكون ناسخًا له (^١).
ثالثًا: إن الراجح هو القول الثالث، وهو أن المأموم يقرأ الفاتحة خلف
_________________
(١) انظر: إمام الكلام لعبد الحيّ ص ٣٠١.
[ ٢ / ١٠٧٧ ]
الإمام، سواء كانت الصلاة سريّة أم جهريّة (^١)، وذلك لما يلي:
أ-لأن الأحاديث التي استُدل بها لهذا القول أكثرها نصوص صريحة في أن المأموم عليه أن يقرأ الفاتحة خلف الإمام، وهي لا تحتمل غير ذلك، لذلك يكون القول بمقتضاها متعينًا (^٢).
ب-ولأنه ليس هناك حديث صحيح ينص على النهي عن قراءة الفاتحة خصوصًا، والأحاديث التي فيها الزجر عن القراءة مع الإمام، أو التي فيها الأمر بالإنصات للقراءة عمومات، ثم قد وجد ما يخص الفاتحة من ذلك العموم، وهو الأحاديث التي فيها الأمر بقراءة الفاتحة خلف الإمام، فتكون هذه الأحاديث مخصصة لعموم تلك الأحاديث، ومستثناة من عمومها (^٣).
ج-ولأن هذا القول يمكن أن يُجمع به بين الأحاديث الواردة في المسألة كلها، وذلك بحمل الأحاديث التي فيها النهي أو الزجر عن القراءة مع الإمام، أو التي فيها الأمر بالإنصات للقراءة، أو ما يدل على أن قراءة الإمام قراءة للمأموم، على قراءة غير الفاتحة، وحمل الأحاديث التي فيها الأمر بقراءة الفاتحة أو عدم صحة الصلاة بدونها على خصوص الفاتحة، فيقرأ المأموم الفاتحة خلف الإمام، ولا يقرأ معه غير الفاتحة بل يستمع وينصت لقراءته، ويكون قراءته لغير
_________________
(١) وهذا ما اختاره الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله تعالى. انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ١١/ ٢٢٣؛ الشرح الممتع ١/ ٧٤٤.
(٢) انظر: إمام الكلام لعبد الحيّ ص ٣٠١؛ الشرح الممتع ١/ ٧٤٤.
(٣) انظر: التمهيد ٣/ ١٨٥؛ نيل الأوطار ٢/ ٢١٦؛ إمام الكلام لعبد الحي ص ٣٠١.
[ ٢ / ١٠٧٨ ]
الفاتحة قراءة له، وبهذه الطريقة يمكن أن يُجمع بين هذه الأحاديث كلها، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى النسخ ولا إلى ترك بعضها (^١).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: المحلى ٢/ ٢٦٩؛ الاعتبار ص ٢٦٧؛ تحفة الأحوذي ٢/ ٢٥١.
[ ٢ / ١٠٧٩ ]