روي عن الإمام مالك﵀- أن الحديث الدال على جواز حمل الصبي في الصلاة منسوخ (^١). ونحوه قول بعض المالكية (^٢)، وبعض المتأخرين من الحنفية (^٣).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة، كما أن اختلافهم في تأويل الحديث الوارد في ذلك سبب آخر
_________________
(١) قال القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم ٢/ ٤٧٤، وأحمد بن عمر القرطبي في المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٢/ ١٥٣: (وروى عنه التنيسي أن الحديث منسوخ). وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٧٤٥: (قال القرطبي: وروى عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك أن الحديث منسوخ. قلت: روى ذلك الإسماعيلي عقب روايته للحديث من طريقه، لكنه غير صريح، ولفظه: قال التنيسي: قال مالك: من حديث النبي -ﷺ- ناسخ ومنسوخ، وليس العمل على هذا). وانظر كذلك شرح الزرقاني على الموطأ ١/ ٣٤٥.
(٢) قال ابن عبد البر في التمهيد ٥/ ١٤٣: (… وفي هذا ما يوضح أن الحديث إما أن يكون كان في النافلة كما روي عن مالك وإما أن يكون منسوخًا) وقال في الاستذكار ٢/ ٣٣٦: (… وفي هذا ما يوضح لك أن هذا الحديث إما أن يكون في النافلة، أو على ضرورة كما قال مالك، وإما أن يكون منسوخًا بتحريم العمل والاشتغال في الصلاة بغيرها). وقال النووي في المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٩٩: (وادعى بعض المالكية أنه منسوخ).
(٣) قال به الحصكفي الحنفي في كتابه: الدر المختار ٢/ ٣٦٧، ورد عليه ابن عابدين في كتابه: رد المحتار ٢/ ٣٦٧.
[ ٢ / ٩٨٠ ]
لاختلافهم فيها (^١).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن أبي قتادة -﵁- قال: (خرج علينا النبي -ﷺ- وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه فصلى، فإذا ركع وضع، وإذا رفع رفعها) (^٢).
ثانيًا: حديث عبد الله -﵁- أنه قال: كنا نسلم على النبي -ﷺ- وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، وقال: «إن في الصلاة شغلًا» (^٣).
ويستدل منهما على النسخ: بأن حمل الصبي في الصلاة، ووضعه إذا ركع، ورفعه عند
الرفع من السجود يُعد من العمل الكثير، وهو قد حرم بحديث (إن في الصلاة شغلًا) فيكون حمل الصبي في الصلاة المذكور في حديث أبي قتادة -﵁- منسوخًا بذلك (^٤).
واعترض عليه: بأنه لا يصح الاستدلال من حديث (إن في الصلاة شغلًا) على نسخ حديث حمل الصبي في الصلاة؛ لعدم ما يدل على أن حديث (إن في الصلاة شغلًا) قاله -ﷺ- بعد حديث حمل الصبي، على أنه
_________________
(١) انظر: التمهيد ٥/ ١٤٤؛ المفهم للقرطبي ٢/ ١٥٢.
(٢) سبق تخريجه في ص ٣٢٣.
(٣) سبق تخريجه في ص ٦٠٠.
(٤) انظر: الاستذكار ٢/ ٣٣٦؛ إكمال المعلم لقاضي عياض ٢/ ٤٧٥؛ المفهم للقرطبي ٢/ ١٥٣.
[ ٢ / ٩٨١ ]
قد قيل: إن حديث: (إن في الصلاة شغلًا) قاله -ﷺ- في مكة قبل الهجرة، أما حديث حمل الصبي في الصلاة فهو كان في المدينة، فهو متأخر، ولا يصح نسخ المتأخر بالمتقدم (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في حمل الصبي في الصلاة على قولين:
القول الأول: أنه يجوز ذلك، وليس من العمل الكثير، ولا يبطل به الصلاة.
وهو قول الحنفية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).
القول الثاني: أنه يجوز ذلك للضرورة، وقيل يجوز في النافلة دون الفريضة.
وهما روايتان عن الإمام مالك (^٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أبي قتادة -﵁-.
وقد جاء في رواية عنه -﵁- يقول: (رأيت رسول الله -ﷺ- يصلي للناس وأمامة بنت أبي العاص على عنقه، فإذا سجد وضعها) (^٦).
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١/ ٧٤٥؛ شرح الزرقاني ١/ ٣٤٥؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٦٧.
(٢) انظر: بدائع الصنائع ١/ ٥٥٣؛ عمدة القاري ٤/ ٣٠٣؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٦٧.
(٣) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٩٩؛ فتح الباري ١/ ٧٤٥.
(٤) انظر: المغني ٢/ ٤٦٧، ٣/ ٩٤؛ الشرح الكبير ٢/ ٢٨٢؛ الاستذكار ٢/ ٣٣٧.
(٥) انظر: التمهيد ٥/ ١٤٣، ١٤٤؛ الاستذكار ٢/ ٣٣٦؛ المفهم ٢/ ١٥٢.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٣٥٢، كتاب المساجد، باب جواز حمل الصبيان في الصلاة، ح (٥٤٣) (٤٣).
[ ٢ / ٩٨٢ ]
فهذا الحديث يدل على جواز حمل الصبيان في الصلاة (^١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو جواز حمل الصبي في صلاة النافلة أو في الفريضة للضرورة-بحديث أبي قتادة -﵁- السابق ذكره. قد حمله من قال بهذا القول مرة على النافلة، ومرة على الضرورة (^٢).
واعترض عليه: بأنه لا دليل على أن ذلك كان للضرورة، ويثبت من مجموع الروايات أنه -ﷺ- كان يؤمهم وهو حاملها، وأن ذلك كان في الفريضة (^٣).
الراجح
الذي يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو جواز حمل الصبي في الصلاة، كما هو القول الأول؛ وذلك لصحة الحديث فيه وثبوته من فعل النبي -ﷺ-، وليس فيه أن ذلك كان للضرورة (^٤).
أما القول بنسخه فهو غير صحيح؛ لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال. ثم إن الحديث الذي يُستدل منه على النسخ قد قيل: إنه كان قبل هذا الحديث،
_________________
(١) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٩٩؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٦٧.
(٢) انظر: التمهيد ٥/ ١٤٣؛ الاستذكار ٢/ ٣٣٦؛ المفهم ٢/ ١٥٢.
(٣) انظر: صحيح مسلم ٢/ ١٩٩؛ الاستذكار ٢/ ٣٣٧؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٩٩.
(٤) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٩٩.
[ ٢ / ٩٨٣ ]
لذلك لا يصح الاستدلال منه على النسخ؛ حيث لا يصح نسخ المتأخر بالمتقدم (^١).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١/ ٧٤٥.
[ ٢ / ٩٨٤ ]