ذهب بعض أهل العلم إلى أن الالتفات في الصلاة كان جائزًا، ثم نُسخ فصار مكروهًا، وممن صرح بالنسخ الحازمي (^١)، وأبو إسحاق الجعبري (^٢).
والقول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلاف الآثار الواردة فيها (^٣).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن ابن عباس -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يلتفت في صلاته يمينًا وشمالًا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره» (^٤).
_________________
(١) انظر قوله في: الاعتبار ص ٢٠٢، ٢٠٤، وقد نسبه إلى أكثر أهل العلم.
(٢) انظر قوله في: رسوخ الأحبار ص ٢٨٠، وقال: (وعليه أكثر أهل العلم)، وانظر كذلك: نيل الأوطار ٢/ ٣٣٤، تحفة الأحوذي ٣/ ٢٣٥.
(٣) انظر: الاعتبار ص ٢٠٢ - ٢٠٤.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه ص ١٥٠، كتاب الصلاة، باب ما ذكر في الالتفات في الصلاة، ح (٥٨٧)، والنسائي في سننه-واللفظ له- ص ١٩٦، كتاب السهو، باب الرخصة في الالتفات في الصلاة يمينًا وشمالًا، ح (١٢٠١)، وأحمد في المسند ٤/ ٢٨٨، وابن حبان في صحيحه ص ٦٨٦، والدارقطني في سننه ٢/ ٨٣، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٦٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢١، والحازمي في الاعتبار ص ٢٠٣. قال الترمذي: (هذا حديث غريب، وقد خالف وكيع الفضل بن موسى في روايته). وقال الحاكم: (صحيح على شرط البخاري). ووافقه الذهبي. وفال النووي في المجموع ٤/ ٢٣: (رواه الترمذي بإسناد صحيح). وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ص ١٥٠، وصحيح سنن النسائي ص ١٩٦.
[ ٢ / ٩٧٤ ]
ثانيًا: عن أبي هريرة -﵁-: «أن رسول الله -ﷺ- كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] فطأطأ رأسه» (^١).
وفي رواية عنه -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يلتفت في الصلاة عن يمينه وعن شماله، ثم أنزل الله ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢] فخشع رسول الله -ﷺ- فلم يكن يلتفت يمينًا ولا شمالًا» (^٢).
ثالثًا: عن ابن سيرين قال: (كان رسول الله -ﷺ- إذا قام في الصلاة نظر هكذا وهكذا، فلما نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ نظر هكذا) -قال ابن شهاب ببصره
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٢٦، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٠٢، والواحدي في أسباب النزول-دون ذكر: (فطأطأ رأسه) ص ٢١٠، والحازمي في الاعتبار ص ٢٠٤. قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين لولا خلاف فيه على محمد فقد قيل عنه مرسلًا). وقال الذهبي في التلخيص (الصحيح مرسل). وقال البيهقي: (ورواه حماد بن زيد عن أيوب مرسلًا، وهذا هو المحفوظ).
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٨٣: (رواه الطبراني في الأوسط، وقال: تفرد به حبرة بن نحم الإسكندراني، قلت: ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات).
[ ٢ / ٩٧٥ ]
نحو الأرض- (^١).
وفي رواية عنه قال: (كان رسول الله -ﷺ- إذا صلى رفع رأسه إلى السماء تدور عيناه ينظر هاهنا وهاهنا، فأنزل الله ﷿ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢]) (^٢).
ربعًا: حديث أبي هريرة -﵁- وفيه: (ونهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب) (^٣).
خامسًا: عن عائشة﵂- قالت: سألت رسول الله -ﷺ- عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هو اختلاس (^٤) يختلس الشيطان من صلاة العبد» (^٥).
_________________
(١) أخرجه الحازمي في الاعتبار ص ٢٠٢، وقال: (هذا وإن كان مرسلًا غير أن له شواهد في الأحاديث الثابتة تشيده)، وانظر تفسير ابن كثير ٣/ ٢٣١.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٠٢، وزاد بعده: (فطأطأ ابن عون رأسه ونكس في الأرض) ثم قال: وروي ذلك عن أبي زيد سعيد بن أوس، عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة موصولًا، والصحيح هو المرسل). وتعقبه ابن التركماني فقال: (ابن أوس ثقة، وقد زاد الرفع كيف وقد شهد له رواية ابن علية لهذا الحديث موصولًا عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة كما ذكره البيهقي في هذا الباب).
(٣) سبق تخريجه في ص ٦٤٧.
(٤) الاختلاس من الخلس وهو السلب واختطاف الشيء بسرعة على غفلة. انظر: مختار الصحاح ص ١٦١، المصباح المنير ص ١٧٧؛ القاموس المحيط ص ٤٨٧.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٥٠، كتاب الأذان، باب الالتفات في الصلاة، ح (٧٥١).
[ ٢ / ٩٧٦ ]
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث بمجموعها تدل على النهي عن الالتفات في الصلاة، وأن النبي -ﷺ- كان يلتفت في الصلاة قبل نزول الآية التي فيها ذكر الخشوع في الصلاة، وأنه -ﷺ- بعد نزولها لم يكن يلتفت في الصلاة لا يمنًا ولا شمالًا، فدل ذلك على كراهة الالتفات في الصلاة، ونسخه (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى كراهة الالتفات في الصلاة لغير حاجة (^٢)، ثم ذهب أكثرهم إلى أنه لا يفسد الصلاة ما لم يبلغ إلى حد استدبار القبلة.
وممن قال بهذا: الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦)،
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ٢٠٣، ٢٠٤، رسوخ الأحبار للجعبري ص ٢٨٠؛ نيل الأوطار ٢/ ٣٣٤.
(٢) انظر: التمهيد ٥/ ٩٨؛ المجموع ٤/ ٢٢؛ فتح الباري ٢/ ٢٩٠؛ البناية ٢/ ٥٢٤؛ الشرح الكبير ٣/ ٥٨٨.
(٣) انظر: الأصل ١/ ٨؛ بدائع الصنائع ١/ ٥٠٥؛ الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ٤١٠؛ البناية ٢/ ٥٢٤؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٥٣.
(٤) انظر: التمهيد ٥/ ٩٧، ٩٨؛ الاستذكار ٢/ ٣٠٣؛ مختصر خليل ٢/ ٢٦١؛ مواهب الجليل ٢/ ٢٥٨ - ٢٦٠؛ التاج والإكليل ٢/ ٢٦١.
(٥) انظر: السنن الكبرى ٢/ ٣٩٩؛ الحاوي ٢/ ١٨٧؛ المجموع ٤/ ٢٢؛ المنهاج وشرحه مغني المحتاج ١/ ٢٠١.
(٦) انظر: الكافي ١/ ٣٨٧؛ المحرر ١/ ٧٧؛ الشرح الكبير ٣/ ٥٨٨؛ الفروع ٢/ ٢٧٤؛ الإنصاف ٣/ ٥٨٨؛ زاد المستقنع ص ١٣.
[ ٢ / ٩٧٧ ]
وأكثر أهل العلم (^١).
ويستدل لهذا القول بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأحاديث السابقة في دليل القول بالنسخ.
ثانيًا: حديث سهل بن سعد الساعدي -﵁- في صلاة أبي بكر -﵁- بالناس، وفيه: «فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله -ﷺ- والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله -ﷺ- فأشار إليه رسول الله -ﷺ- أن امكث مكانك …» (^٢).
ثالثًا: عن جابر -﵁- قال: (اشتكى رسول الله -ﷺ- فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يُسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودًا ..) (^٣).
رابعًا: حديث سهل ابن الحنظلية -﵁- أنهم ساروا مع رسول الله -ﷺ- يوم حنين، وفيه: فلما أصبحنا خرج رسول الله -ﷺ- إلى مصلاه، فركع ركعتين ثم
_________________
(١) انظر: نيل الأوطار ٢/ ٣٣٣؛ تحفة الأحوذي ٣/ ٢٣٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٣٧، كتاب الأذان، باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول فتأخر الأول أولم يتأخر جازت صلاته، ح (٦٨٤)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٠٩، كتاب الصلاة، باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام، ح (٤٢١) (١٠٢).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١٠١، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، ح (٤١٣) (٨٤).
[ ٢ / ٩٧٨ ]
قال: «هل أحسستم فارسكم؟» قالوا: يا رسول الله ما أحسسناه، فثُوِّب بالصلاة، فجعل رسول الله -ﷺ- يصلي وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته وسلم قال: «أبشروا فقد جاءكم فارسكم» (^١).
ووجه الاستدلال منها: أن حديث عائشة وأبي هريرة -﵄- يدلان على كراهة الالتفات في الصلاة، والأحاديث التي جاء فيها التفات النبي -ﷺ- أو أصحابه فهي تدل على عدم الكراهة للحاجة، ولا يفسد الصلاة به لحديث ابن عباس -﵁- (^٢).
الراجح
الذي يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو قول جمهور أهل العلم، وذلك:
أ-لأن هذا القول يمكن به الجمع بين هذه الأحاديث، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكنًا لا يصار إلى ترك بعضها ولا إلى النسخ.
ب- ولأن القول بالنسخ له وجه؛ لأن الأدلة التي استُدل بها على النسخ تحتمل ذلك، إلا أنه ليس مخالفًا لقول الجمهور؛ حيث اتفق الجميع على كراهة الالتفات لغير حاجة (^٣).
والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٣٨٠، كتاب الجهاد، باب في فضل الحرس في سبيل الله تعالى، ح (٢٥٠١)، والحازمي في الاعتبار ص ٢٠٤، وقال: (هذا حديث حسن). وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٣٧٩.
(٢) انظر: الاستذكار ٢/ ٣٠٠؛ الكافي لابن قدامة ١/ ٣٨٧؛ المجموع ٤/ ٢٢؛ البناية ٢/ ٥٢٤.
(٣) انظر: التمهيد ٥/ ٩٨؛ البناية ٢/ ٥٢٤.
[ ٢ / ٩٧٩ ]