وغير ذلك مما ورد النهي عن الصلاة فيها
ذهب ابن عبد البر إلى أنه يجوز الصلاة في كل مكان إذا كان طاهرًا من الأنجاس، وأن النهي عن الصلاة في المقبرة، والمزبلة، والحمام، وأعطان (^١) الإبل، وغير ذلك مما ورد النهي عن الصلاة فيه، فإنه قد نسخ (^٢).
وظهر منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، ولكن السبب الأصلي له هو تعارض ظواهر الآثار الواردة فيها (^٣).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن جابر بن عبد الله -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهن أحدٌ قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت
_________________
(١) الاعطان جمع عطن، وهو: مبرك ومناخ الإبل عند الماء. انظر: مختار الصحاح ص ٣٨٧؛ المصباح المنير ص ٤١٦.
(٢) قال ابن عبد البر في التمهيد ١/ ٢٣٤: (كل ذلك عندنا منسوخ)، وانظر: الاستذكار ١/ ١٣٣؛ وبداية المجتهد ١/ ٢٣٠.
(٣) انظر: التمهيد ١/ ٢٣٤؛ بداية المجتهد ١/ ٢٢٩.
[ ٢ / ٧٨١ ]
إلى الناس عامة» (^١).
ثانيًا: عن حذيفة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء» (^٢).
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «فُضلتُ على الأنبياء بست: أُعطيتُ جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأُحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا،
وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيُّون» (^٣).
رابعًا: عن عبد الله بن عمرو -﵁- أن رسول الله -ﷺ- عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه، حتى إذا صلى وانصرف إليهم، فقال لهم: «لقد أُعطيتُ الليلة خمسًا ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة، وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونُصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لمُلئ منه رعبًا، وأُحلت لي الغنائم آكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها، كانوا يحرقونها،
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٥٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١٧٩، كتاب المساجد، باب مواضع الصلاة، ح (٥٢٢) (٤).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١٧٩، كتاب المساجد، باب مواضع الصلاة، ح (٥٢٣) (٥).
[ ٢ / ٧٨٢ ]
وجُعلت لي الأرضُ مساجد وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم (^١) وبيعهم (^٢)، والخامسة هي ما هي، قيل لي: سل، فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله» (^٣).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على جواز الصلاة في أي مكان من الأرض إذا كان طاهرًا، وقد أخبر -ﷺ- أن ذلك من فضائله فتكون ناسخة للأحاديث التي جاء فيها النهي عن الصلاة في المقبرة، والحمام، وأرض بابل، وأعطان الإبل وغير ذلك؛ لأن الفضائل جائز فيها الزيادة، ولا يجوز عليها النسخ ولا التبديل ولا النقص، فثبت بذلك أن قوله -ﷺ-: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» متأخر عن تلك الأحاديث الدالة على النهي، وحديث عبد الله بن عمرو -﵁- يدل على ذلك؛ حيث ذكر فيه أن ذلك كان في غزوة تبوك، وهي من آخر غزوات الرسول -ﷺ- (^٤).
_________________
(١) الكنيسة: متعبد اليهود، وتطلق أيضًا على متعبد النصارى. انظر: المصباح المنير ص ٥٤٢؛ القاموس المحيط ص ٥١٤.
(٢) البيع جمع البيعة بالكسر، متعبد النصارى. انظر: مختار الصحاح ص ٦٢؛ المصباح المنير ص ٦٩.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند ١١/ ٦٣٩. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٣٧٠: (رواه أحمد ورجاله ثقات) وحسن سنده ابن حجر، والشيخ الألباني. انظر: فتح الباري ١/ ٥٤٧؛ إرواء الغليل ١/ ٣١٧.
(٤) انظر: التمهيد ١/ ٢٣٤ - ٢٣٧؛ الاستذكار ١/ ١٣٣، ١٣٤؛ بداية المجتهد ١/ ٢٣٠؛ فتح الباري ١/ ٥٤٧.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
واعترض عليه: بأنه لا يصار إلى النسخ ما دام الجمع بين الأحاديث ممكنًا، والجمع هنا ممكن، وذلك باستثناء الأماكن التي جاء النهي عن الصلاة فيها من عموم حديث: «وجعلت
لي الأرض مسجدًا وطهورًا» فالفضيلة باقية، والأرض كلها مسجد إلا مكانًا جاء النهي عن الصلاة فيه.
كما أنه لا يصح دعوى تأخر حديث: «وجلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» على جميع الأحاديث التي جاء فيها النهي عن الصلاة في بعض الأماكن، وخاصة أحاديث النهي عن الصلاة في المقابر وبناء المساجد عليها، فإنها متأخرة جدًا، فإن لم تكن هي ناسخة لغيرها فليست هي منسوخة بغيرها (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الصلاة في الأماكن التي جاء النهي عن الصلاة فيها على ثلاثة أقوال مشهورة:
القول الأول: أنه يكره الصلاة فيما جاء النهي عن الصلاة فيه، كالمزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، ونحوها، لكنها تصح إن لم تكن فيها نجاسة.
_________________
(١) انظر: المحلى ٢/ ٣٤٣، ٣٤٧؛ بداية المجتهد ١/ ٢٣٠.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، ورواية عن الإمام مالك (^٣)، وعن الإمام أحمد (^٤).
القول الثاني: يجوز الصلاة في كل مكان لا يكون فيه نجاسة.
وهو مذهب المالكية (^٥).
القول الثالث: أنه لا تصح الصلاة في الأماكن التي جاء النهي عن الصلاة فيها.
وهو مذهب الحنابلة (^٦).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو كراهة الصلاة فيما جاء النهي عن الصلاة فيه، لكنها تصح إن لم يكن نجسًا - بما يلي:
_________________
(١) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٠٢؛ بدائع الصنائع ١/ ٣٠٣؛ الفتاوى التتارخانية ١/ ٥٧٠؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٩.
(٢) انظر: التنبيه ص ٣٦؛ الوجيز وشرحه العزيز ٢/ ١٧ - ١٩؛ روضة الطالبين ص ١٢٥؛ المجموع ٣/ ١١٤ - ١١٨.
(٣) انظر: بداية المجتهد ١/ ٢٢٩.
(٤) انظر: المغني ٢/ ٤٦٨؛ الشرح الكبير ٣/ ٢٩٧؛ شرح الزركشي ١/ ٣٧١؛ الإنصاف ٣/ ٢٩٦.
(٥) انظر: المدونة ١/ ٩٠؛ الإشراف ١/ ٢٨٥؛ التمهيد ١/ ٢٣٤؛ الاستذكار ١/ ١٣٣؛ بداية المجتهد ١/ ٢٢٩.
(٦) انظر: المغني ٢/ ٢٦٨، ٤٧٠؛ المحرر ١/ ٤٩؛ الشرح الكبير ٣/ ٢٩٦، ٣٠٥؛ الممتع ١/ ٣٨٣؛ الإنصاف ٣/ ٢٩٦، ٣٠٥.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
أولًا: أما أنها تصح إذا لم يكن المكان نجسًا فللأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ؛ حيث إنها تدل على جواز الصلاة على الأرض كلها (^١).
ثانيًا: وأما أنها تكره فيما جاء النهي عن الصلاة فيه فلما يلي:
أ- حديث عائشة وابن عباس -﵄عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» -يحذر ما صنعوا-) (^٢).
ب-حديث جابر بن سمرة -﵁- وفيه: (قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم» قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا» (^٣).
ج- عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة» (^٤).
_________________
(١) انظر: بداية المجتهد ١/ ٢٣٠؛ المغني ٢/ ٤٦٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٩٣، كتاب الصلاة، باب، ح (٤٣٥)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٨٥، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، ح (٥٣١) (٢٢).
(٣) سبق تخريجه في ص ٢٨٧.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ص ٨١، كتاب الصلاة، باب المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة، ح (٤٩٢)، والترمذي في سننه ص ٨٩، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، ح (٣١٧)، وابن ماجة في سننه ص ١٤٢، كتاب المساجد، باب المواضع التي تكره فيها الصلاة، ح (٧٤٥)، والإمام الشافعي في الأم ١/ ١٨٧، وقال: (وجد ت هذا الحديث في كتابي في موضعين أحدهما منقطع والآخر عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ-. وأخرجه الإمام أحمد في المسند ١٨/ ٣١٢، والدارمي في سننه ١/ ٣٧٥، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٨١، وقال: (هذه الأسانيد كلها صحيحة على شرط البخاري ومسلم). ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٦٠٩، والبغوي في شرح السنة ٢/ ١٤٥. وهذا الحديث روي بطريقين: متصل ومرسل. واختلف أقوال أهل العلم في الكلام عليه: قال الترمذي في سننه بعد ذكره: (حديث أبي سعيد قد روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين منهم من ذكر عن أبي سعيد ومنهم من لم يذكره، وهذا حديث فيه اضطراب، روى سفيان الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي -ﷺ- مرسلًا، ورواه حماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن النبي -ﷺ-، ورواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن يحيى عن أبيه، وكان عامة روايته عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ- ولم يذكر فيه عن أبي سعيد، وكان رواية الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي -ﷺ- أثبت وأصح). وقال ابن المنذر في الأوسط ٢/ ١٨٢: (روى هذا الحديث حماد بن سلمة والدراوردي وعباد بن كثير كرواية عبد الواحد متصل عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ- إذا روى الحديث ثقة أو ثقات مرفوعًا متصلًا وأرسله بعضهم يثبت الحديث برواية من روى موصولًا عن النبي -ﷺ- ولم يوهن الحديث تخلف من تخلف عن إيصاله، وهذا السبيل في الزيادات في الأسانيد والزيادات في الأخبار وكثير من الشهادات). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم ص ٣٣٢: (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والبزار وغيرهم بأسانيد جيدة، ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٢٧٧: (وقال النووي في الخلاصة: هو ضعيف. وقال صاحب الإمام: حاصل ما علل به الإرسال وإذا كان الواصل له ثقة فهو مقبول). وقال الشيخ الألباني في الإرواء ١/ ٣٢٠: (وهذا إسناد على شرط الشيخين وقد صححه كذلك الحاكم والذهبي، وأعله بعضهم بما لا يقدح).
[ ٢ / ٧٨٦ ]
د- عن عبد الله بن عمر -﵁- قال: «نهى رسول الله -ﷺ- أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة (^١) الطريق، وفي الحمام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله» (^٢).
وحُمل هذه الأحاديث على الكراهة دون عدم الجواز؛ جمعًا بين هذه الأحاديث وبين الأحاديث الدالة على أن الأرض كلها مسجد وطهور (^٣).
_________________
(١) قارعة الطريق أعلاه. انظر: المصباح المنير ص ٤٩٩؛ القاموس المحيط ص ٦٧٥.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه ص ٩٥، أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية ما يصلى إليه وفيه، ح (٣٤٦)، وقال: (حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي وقد تُكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه). وأخرجه ابن ماجة في سننه ص ١٤٢، كتاب المساجد، باب المواضع التي تكره فيها الصلاة، ح (٧٤٦). قال ابن حجر في التلخيص ١/ ٢١٥: (وفي سند الترمذي زيد بن جبيرة وهو ضعيف جدًا وفي سند ابن ماجة عبد الله بن صالح وعبد الله بن عمر العمري المذكور في سنده ضعيف أيضًا، ووقع في بعض النسخ بسقوط عبد الله بن عمر بين الليث ونافع فصار ظاهره الصحة. وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه: هما جميعًا واهيان. وصححه ابن السكن وإمام الحرمين). وضعفه الشيخ الألباني في الإرواء ١/ ٣١٨.
(٣) انظر: بداية المجتهد ١/ ٢٣٠.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني بالأدلة السابقة في دليل القول بالنسخ
ووجه الاستدلال منها: هو أن تلك الأحاديث عامة تدل على جواز الصلاة في جميع الأماكن ما دامت طاهرة، والأخذ بها أولى؛ لأنها تدل على أن ذلك من فضائله ﵊، وذلك مما لا يجوز نسخه (^١).
واعترض عليه: بأن النهي عن الصلاة في بعض الأماكن فيه أحاديث صحيحة، وبعضها متأخرة عن تلك الأحاديث العامة، ثم هي خاصة، لذلك يكون الأخذ بها أولى بل متعينًا؛ عملًا بالأحاديث كلها (^٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-وهو عدم صحة الصلاة في الأماكن التي جاء النهي عن الصلاة فيها- بالأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ، وفي دليل القول الأول.
ووجه الاستدلال منها: هو أن الأحاديث الدالة على النهي مخصصة لعموم الأحاديث الدالة على العموم، ولا تعارض بينهما (^٣).
_________________
(١) انظر: التمهيد ١/ ٢٣٤، ٢٣٥؛ بداية المجتهد ١/ ٢٣٠.
(٢) انظر: انظر: بداية المجتهد ١/ ٢٣٠؛ المغني ٢/ ٤٦٩؛ الشرح الكبير ٣/ ٢٩٧.
(٣) انظر: بداية المجتهد ١/ ٢٣٠؛ المغني ٢/ ٤٦٩؛ الشرح الكبير ٣/ ٢٩٧.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أنه لا يجوز الصلاة في الأماكن التي ثبت وصح النهي عن الصلاة فيها، وأن الأحاديث الدالة على ذلك محكمة غير منسوخة، وذلك لما يلي:
أولًا: لأن الأحاديث التي تدل على المنع من الصلاة في تلك الأماكن صريحة في النهي، وهي تدل على التحريم وعدم الجواز، وحملها على الكراهة غير صحيح لوجهين:
أ-لأن الأصل في النهي التحريم وعدم الجواز (^١).
ب-ولأن من تلك الأحاديث أحاديث النهي عن الصلاة في المقابر، واتخاذها مساجد، وحمل هذه الأحديث على الكراهة دون التحريم بعيد؛ لأنه جاء فيها الألفاظ التالية:
١ - أن من يتخذ القبور مساجد فهم شرار الخلق عند الله تعالى، فعن عن عائشة -﵂- أن أم سلمة -﵂- ذكرت لرسول الله -ﷺ- كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور فقال رسول الله -ﷺ-: «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح -أو الرجل الصالح- بنو على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك
_________________
(١) انظر: قواطع الأدلة ١/ ١٣٨؛ إرشاد الفحول ١/ ٢٧٩.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
الصور أولئك شرار الخلق عند الله» (^١).
٢ - أن النبي -ﷺ- لعن من يتخذ القبور مساجد، فعن عائشة وعبد الله بن عباس -﵄ - قالا: لما نزل برسول الله -ﷺ- طفق يطرح خميصة (^٢) له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» -يحذر ما صنعوا-) (^٣).
٣ - الجمع بين لفظ: (لا) الدال على النهي، ولفظ: (النهي) فعن جندب (^٤) -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٩٣، كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة، ح (٤٣٤).
(٢) الخميصة: كساء أسود له أعلام. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٥٣٤؛ المصباح المنير ص ١٨٢.
(٣) سبق تخريجه في ص ٥٢٠.
(٤) هو: جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، أبو عبد الله، له صحبة، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: الحسن البصري، وأبو مجلز، وغيرهما، وتوفي بعد الستين. انظر: الإصابة ١/ ٢٨٤؛ التهذيب ٢/ ١٠٧؛ التقريب ١/ ١٦٦.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١٨٥، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، ح (٥٣٢) (٢٣).
[ ٢ / ٧٩١ ]
فتبين من هذه الألفاظ المذكورة في هذه الأحاديث أن النهي عن الصلاة في المقابر واتخاذها مساجد للتحريم.
ثانيًا: ولأن الأحاديث الدالة على النهي عن الصلاة في بعض الأماكن لا تعارض بينها وبين حديث: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»؛ لأنها مخصصة من عمومه (^١)، على أن في بعض طرق حديث (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) ما يدل على أن هذا الحديث ليس المراد به أن جميع الأرض مكان للصلاة بحيث لا يستثنى منها أي مكان، بدليل ما يلي:
أ-عن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا». (^٢)
فهذا الحديث يدل على أن الأرض النجسة ليست مكانًا للصلاة؛ لأن الطيبة هي الطاهرة، وبهذا القيد خرج من عموم حديث (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) المزبلة، والمجزرة، وكل مكان نجس.
ب- جاء في رواية عبد الله بن عمرو -﵁- (وجُعلت لي الأرضُ مساجد وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون
_________________
(١) انظر: بداية المجتهد ١/ ٢٣٠؛ المغني ٢/ ٤٦٩.
(٢) أخرجه ابن الجارود في المنتقى ص ٥٨. وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٥٤٨: (وقد روى ابن المنذر وابن الجارود بإسناد صحيح عن أنس مرفوعًا).
[ ٢ / ٧٩٢ ]
ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم) (^١).
فهذا يدل على أن المراد بالحديث هو العموم بالنسبة للأمم السابقة؛ حيث كان الواجب عليهم الصلاة في أماكن عبادتهم دون خارجها، وأن هذه الأمة يجوز لها أن تصلي خارج مساجدهم، وليس المراد بهذا العموم العموم الكلي بحيث لا يستثنى منه أي مكان، فثبت بذلك أن عموم هذا الحديث لا يشمل الأماكن التي جاء النهي عن الصلاة فيها.
ثالثًا: ولأنه لا يصح القول بتأخر حديث: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) عن الأحاديث الدالة على النهي حتى يكون ناسخًا لها؛ لأن من تلك الأحاديث أحاديث النهي عن الصلاة في المقابر واتخاذها مساجد، وهي متأخرة جدًا؛ لأنه سبق في حديث عبد الله بن عباس وعائشة -﵄أن النبي -ﷺ- عند الموت لعن على من فعل ذلك، وفي حديث جندب -﵁- أنه سمع ذلك من النبي -ﷺ- قبل أن يموت بخمس، وعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٥١٨.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١٨٤، كتاب المساجد، باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد، ح (٥٢٩) (١٩).
[ ٢ / ٧٩٣ ]
فكيف يقال أن هذه الأحاديث منسوخة بحديث: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» وقد قال -ﷺ- ذلك في غزوة تبوك، كما ذكر ذلك في حديث عبد الله بن عمرو -﵄-.
فثبت مما تقدم ضعف قول من قال بالنسخ، كما تبين أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث كلها، وأن الأرض كلها مسجد إلا ما ثبت النهي عن الصلاة فيه.
والله أعلم.
[ ٢ / ٧٩٤ ]