ذهب الزهري (^١)، وبعض الحنفية (^٢)، ومنهم الطحاوي (^٣) إلى أن القنوت (^٤) في الفجر وغيرها من المكتوبات منسوخ؛ لذلك لا يسن القنوت في شيء منها، سواء الفجر وغيرها.
وذهب ابن شاهين إلى أن النهي عن القنوت منسوخ بالقنوت في الفجر، وأن القنوت في الفجر هو الناسخ لغيره (^٥).
ويتبين مما سبق ومما يأتي من أدلة الأقوال: أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة، كما أن اختلاف الأحاديث الواردة فيها سبب آخر للاختلاف فيها (^٦).
_________________
(١) انظر: المحلى ٣/ ٥٧.
(٢) وممن قال به كذلك: الكاساني، والمرغناني، والزيلعي، وابن الهمام، والعيني، ونسبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الإمام أبي حنيفة وإلى طائفة من أهل العراق وغيرهم، ويشهد له قول المرغناني في الهداية. انظر: بدائع الصنائع ١/ ٦١٢؛ الهداية مع شرحه فتح القدير ١/ ٤٣٥؛ نصب الراية ٢/ ١٢٧؛ فتح القدير ١/ ٤٣١؛ البناية ٢/ ٥٩٠، ٥٩٥، ٥٩٧؛ مجموع الفتاوي ٢٣/ ١٠٥.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٩.
(٤) القنوت له عدة معان منها: الطاعة، والخشوع، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام. والمراد به هنا: الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٩٢؛ المجموع ٣/ ٣٣٤؛ المصباح المنير ص ٥١٧؛ فتح الباري ٢/ ٦٠٤؛ مجمع بحار الأنوار ٤/ ٣٢٩.
(٥) انظر قوله في: ناسخ الحديث ومنسوخه ص ٣٠٣.
(٦) انظر: بداية المجتهد ١/ ٢٥٤؛ فتح القدير ١/ ٤٣٢؛ مجموع الفتاوى ٢٣/ ١٠٥.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
دليل القول بنسخ القنوت في الفجر وغيرها من المكتوبات
أولًا: عن ابن عمر -﵁- أنه سمع رسول الله -ﷺ- إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر يقول: «اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا» بعد ما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) (^١).
ثانيًا: عن أبي هريرة -﵁- يقول: كان رسول الله -ﷺ- يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، ثم يقول وهو قائم: «اللهم انج الوليد بن الوليد (^٢)، وسلمة بن هشام (^٣)، وعياش بن أبي ربيعة (^٤)، والمستضعفين من المؤمنين،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٨٣٧، كتاب المغازي، باب (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون)، ح (٤٠٦٩).
(٢) هو: الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله، القرشي المخزومي، أخو خالد بن الوليد، أُسر مع المشركين في معركة بدر، فلما افتدي أسلم، فاحتبسه أخواله، فكان النبي -ﷺ- يدعو له في القنوت، ثم افلت من أسرهم ولحق بالنبي -ﷺ-. انظر: تجريد أسماء الصحابة ٢/ ١٣٠؛ الإصابة ٣/ ٢٠٨٩.
(٣) هو: سلمة بن هشام بن المغيرة بن عبد الله، القرشي المخزومي، أخو أبي جهل، يكنى أبا هاشم، كان من السابقين، وقد حبسه الكفار من الهجرة وآذوه، فدعا له النبي -ﷺ- بأن ينجيه الله من الكفار، فهرب منهم، ولما مات النبي -ﷺ- خرج إلى الشام فاستشهد بمرج الصفر سنة أربع عشرة، وقيل استشهد بأجنادين. انظر: الإصابة ١/ ٧٥٥.
(٤) هو: عياش بن أبي ربيعة-عمرو-بن المغيرة بن عبد الله، القرشي المخزومي، كان من السابقين الأولين وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل فرجع من المدينة إلى مكة فحبسوه، فكان النبي -ﷺ- يدعو له في القنوت، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابنه عبد الله، وأنس بن مالك، وغيرهما، وتوفي سنة خمس عشرة بالشام، وقيل: استشهد باليمامة، وقيل: باليرموك. انظر: الإصابة ٢/ ١٣٩٥؛ تقريب التهذيب ١/ ٧٦٦.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
اللهم اشدد وطأتك (^١) على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيانَ ورعلًا وذكوانَ وعُصَيَّةَ عصت الله ورسوله». ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) (^٢).
ثالثًا: عن عبد الرحمن بن أبي بكر (^٣) -﵁- قال: كان النبي -ﷺ- إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة قال: «اللهم انج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، و
المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد
_________________
(١) الوطأة الأخذة والبأس، أي خذهم أخذًا شديدًا. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٦٨٠؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٣٠٤؛ المصباح المنير ص ٦٦٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٩٨، كتاب الاستسقاء، باب دعاء النبي -ﷺ-: اجعلها سنين كسني يوسف، ح (١٠٠٦)، ومسلم في صحيحه-واللفظ له- ٢/ ٣٠٥، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات، ح (٦٧٥) (٢٩٤).
(٣) هو: عبد الرحمن بن أبي بكر-عبد الله- بن عثمان، القرشي التيمي، تأخر إسلامه إلى قبيل الفتح، وشهد اليمامة والفتوح، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه عبد الله، وحفصة، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث وخمسين، وقيل بعدها. انظر: الإصابة ٢/ ١١٧١؛ التقريب ١/ ٥٦٢.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لَحْيانَ ورَعْلًا وذَكْوان وعُصيَّة عصت الله ورسوله» فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ قال: (فما دعا رسول الله -ﷺ- بدعاء على أحد) (^١).
فهذه الأحاديث تدل على أن النبي -ﷺ- قنت ثم ترك ذلك بعد ما نزلت هذه الآية فدل ذلك على نسخ القنوت؛ ولذلك لم يكن ابن عمر -﵁- يقنت بعد رسول الله -ﷺ-، بل كان ينكر على من كان يقنت (^٢).
رابعًا: عن أنس بن مالك -﵁- قال: «قنت النبي -ﷺ- شهرًا يدعو على رَعْلٍ وذَكْوان» (^٣).
وفي رواية عنه -﵁- قال: «أن رسول الله -ﷺ- قنت شهرًا يدعو على
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٤٢، والحازمي في الاعتبار ص ٢٤٢، من طريق أبي يعلى الموصلي عن ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن الحارث عن عبد الله بن كعب عن عبد الرحمن بن أبي بكر، بلفظ: (كان رسول الله -ﷺ- إذا رفع رأسه من الركعة الآخيرة من صلاة الصبح بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، يدعو للمؤمنين ويلعن الكفار من قريش، فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ (فما عاد رسول الله -ﷺ- يدعو على أحد بعد)، ثم قال: (هذا حديث غريب من هذا الوجه)، وانظر: نصب الراية ٢/ ١٣٥.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٤٦؛ المحلى ٣/ ٥٨؛ مجموع الفتاوى ٢٣/ ١٠٥؛ نصب الراية ٢/ ١٣٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٩٨، كتاب الوتر، باب القنوت قبل الركوع وبعده، ح (١٠٠٣).
[ ٢ / ٨٥٠ ]
أحياء من أحياء العرب ثم تركه» (^١).
خامسًا: عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «قنت رسول الله -ﷺ- شهرًا يدعو على عُصيَّة وذكوان، فلما ظهر عليهم ترك القنوت» (^٢).
وفي رواية عنه -﵁- قال: «لم يقنت النبي -ﷺ- إلا شهرًا، لم يقنت قبله ولا بعده» (^٣).
فهذه الأدلة تدل كذلك على أن النبي -ﷺ- قنت مدة ثم تركه، فدل ذلك على نسخ القنوت؛ لأن الترك نسخ للفعل (^٤).
واعترض على الاستدلال من هذه الأدلة: بأن المراد بهذا القنوت المذكور في هذه الأدلة، هو القنوت عند النوازل، وهو من السنن العوارض لا الرواتب، والنبي -ﷺ- قنته لسبب ثم تركه لزوال السبب، فقد
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٣٠٧، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات، ح (٦٧٧) (٣٠٤).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٤٥. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١٤٠: (رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير، وفيه أبو حمزة الأعور القصاب، وهو ضعيف).
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٤٥؛ والحازمي في الاعتبار ص ٢٤٧. ثم قال في ص ٢٥٠: (أما حديث ابن مسعود فلا يجوز الاحتجاج به لوجوه شتى: منها: أن أبا حمزة ميمون القصاب كان يحيى بن سعيد القطان وابن مهدي لا يحدثان عنه. وقال أحمد بن حنبل: هو ضعيف متروك الحديث. وقال يحيى بن معين: كوفي ليس بشيء).
(٤) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٤٥؛ مجموع الفتاوى ٢٢/ ٣٧٢، ٢٣/ ١٠٥.
[ ٢ / ٨٥١ ]
ثبت عنه أنه تركه لما زال العارض، ثم عاد إليه مرة أخرى، ثم تركه لما زال العارض. فهو لم ينسخ بل مشروع عند النوازل، وليس من السنن الراتبة (^١).
دليل من قال بأن القنوت في الفجر هو الناسخ للنهي عنه
أولًا: عن أنس بن مالك -﵁- قال: «ما زال رسول الله -ﷺ- يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا» (^٢).
وفي رواية عنه -﵁-: «أن النبي -ﷺ- قنت شهرًا يدعو عليهم ثم تركه،
_________________
(١) ستأتي الأدلة على أن المراد بهذا القنوت قنوت النوازل، وهو لم ينسخ. وانظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٣٧٣؛ التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٦٥٥.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٢٠/ ٩٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٤٤، والدارقطني في سننه ٢/ ٣٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٨٧، ٣٨، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ٦/ ١٢٩. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١٤٢: (رواه أحمد والبزار بنحوه، ورجاله موثقون). وقال البيهقي بعد ذكر الحديث: (هذا إسناد صحيح سنده، ثقة رواته). وتعقبه ابن التركماني فقال: (كيف يكون سنده صحيحًا وراويه عن الربيع أبو جعفر عيسى بن ماهان الرازي متكلم فيه، قال ابن حنبل والنسائي: ليس بالقوي. وقال أبو زرعة: يهم كثيرًا. وقال الفلاس: سيء الحفظ. وقال ابن حبان: يحدث بالمناكير عن المشاهير). وقال ابن القيم في زاد المعاد ١/ ٢٧٥: (فأبو جعفر قد ضعفه أحمد وغيره. وقال ابن المديني: كان يخلط. وقال أبو زرعة: كان يهم كثيرًا. وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير- إلى أن قال-: والمقصود أن أبا جعفر الرازي صاحب مناكير، لا يحتج بما تفرد به أحد من أهل الحديث البتة).
[ ٢ / ٨٥٢ ]
وأما في الصبح فلم
يزل يقنت حتى فارق الدنيا» (^١).
ثانيًا: عن أنس -﵁- «أن رسول الله -ﷺ- قنت حتى مات، وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات» (^٢).
ثالثًا: عن أنس -﵁-: «أن رسول الله -ﷺ- قنت في صلاة الفجر بعد الركوع، وأبو بكر، وعمر، وعثمان صدرًا من خلافته، ثم طلب إليه المهاجرون والأنصار فقدم القنوت قبل الركوع» (^٣).
رابعًا: عن أم سلمة -﵂- قالت: (نهي رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ٢/ ٣٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٨٧، والحازمي في الاعتبار ص ٢٣٨، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ٦/ ١٣٠. قال النووي في المجموع ٣/ ٣٣٥: (حديث صحيح رواه جماعة من الحفاظ وصححوه، وممن نص على صحته: الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي البلخي، والحاكم أبو عبد الله في مواضع من كتبه، والبيهقي. ورواه الدارقطني من طرق بأسانيد صحيحة). وفي سنده أبو جعفر الرازي عيسى بن ماهان، وقد سبق الكلام عليه في الرواية السابقة، وقد ضعف الحديث ابن الجوزي في التحقيق ١/ ٥٢٦ بسببه، وقال: (قال علي بن المديني: كان يخلط. وقال يحيى: كان يخطئ) ثم ذكر نحو كلام ابن التركماني وابن القيم.
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١٤٢: (رواه البزار ورجاله موثقون)،
(٣) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٣٠١، ونحوه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٩٦. وفي سنده خليد بن دعلج، وهو ضعيف قاله أحمد، ويحيى بن معين، وقال النسائي: ليس بشيء. وقال البيهقي: لا يحتج به. انظر: السنن الكبرى ٢/ ٢٩٦؛ ميزان الاعتدال ١/ ٦٦٣.
[ ٢ / ٨٥٣ ]
عن القنوت في الفجر) (^١).
فهذه الأحاديث تدل على أن القنوت سنة في الفجر، وأن النبي -ﷺ- داوم عليه (^٢)، ويكون ذلك ناسخًا لحديث النهي عن القنوت في الفجر المذكور في حديث أم سلمة -﵂- (^٣).
واعترض عليه بأنه لا يصح الاستدلال من هذه الأحاديث، أما عن الأول فلما يلي:
أ-لأنه ضعيف فلا يقوى على معارضة الحديث الصحيح المروي عن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- قنت شهرًا بعد الركوع ثم تركه (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٢٢١، كتاب الصلاة، باب ما جاء في القنوت في الفجر، ح (١٢٢٤)، والدارقطني في سننه ٢/ ٣٨، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٣٠٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٣٠٣، والحازمي في الاعتبار ص ٢٤٩. قال الدارقطني بعده: (محمد بن يعلى وعنبسة وعبد الله بن نافع كلهم ضعفاء، ولا يصح لنافع سماع من أم سلمة). وقال الحازمي في الاعتبار ص ٢٥٤: (وأما حديث أم سلمة فقالوا: لا يحل الاحتجاج به لما في إسناده من الخلل، قال ابن أبي حاتم: قال أبي: قال يحيى: عنبسة بن عبد الرحمن كان يضع الحديث. وفيه أيضًا عبد الله بن نافع، وهو ضعيف الحديث جدًا، ضعفه ابن المديني، ويحيى، وأبو حاتم، والساجي، وغيرهم). وقال الشيخ الألباني في ضعيف سنن ابن ماجة ص ٢٢١: (موضوع).
(٢) انظر: ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٣٠٣؛ الحاوي ٢/ ١٥٢؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٢٧٨؛ المجموع ٣/ ٣٣٥.
(٣) انظر: ناسخ الحديث ص ٣٠٣.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى ٢٣/ ١٠٨؛ التنقيح ١/ ٥٢٨؛ زاد المعاد ١/ ٢٧٦؛ التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٦٥٧.
[ ٢ / ٨٥٤ ]
ب- إنه على تقدير صحته فالمراد بهذا القنوت قد يكون طول القيام قبل الركوع، فإنه يطلق عليه القنوت، فلا يكون اللفظ دالًا على قنوت الدعاء (^١).
ج- إنه محمول على أنه -ﷺ- مازال يقنت في النوازل، وليس المراد به أنه -ﷺ- كان يقنت راتبًا في الفجر؛ فإنه -ﷺ- لو كان يقنت دائمًا، ويدعو بدعاء راتب لنقلته الصحابة -﵃- ولما أهملوا قنوته المشروع لنا، مع أنهم إنما نقلوا قنوته الذي لا يشرع بعينه وإنما يشرع نظيره (^٢).
وأما الحديث الثاني فيتطرق إليه نفس الاحتمالات السابقة.
وأما الحديث الثالث فهو ضعيف لا يصح الاحتجاج به.
وأما الحديث المروي عن أم سلمة -﵂- في النهي عن القنوت في الفجر فأقل أحواله أنه ضعيف، لذلك لا يصح الاحتجاج به، فكيف يقال بنسخه؟.
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في القنوت في المكتوبات على قولين:
القول الأول: أن القنوت ليس بسنة راتبة في المكتوبات سواء الفجر وغيرها، لكن إن نزل بالمسلمين نازلة فيشرع القنوت في المكتوبات-
_________________
(١) راجع المصادر في الحاشية السابقة.
(٢) انظر: التحقيق ١/ ٥٢٨؛ مجموع الفتاوى ٢٣/ ١٠٩؛ التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٦٥٨؛ نصب الراية ٢/ ١٣٢.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
فقيل: في الصلوات كلها. وقيل في الجهرية فقط. وقيل في الفجر خاصة-؛ وذلك اقتداء بالنبي -ﷺ- وخلفائه الراشدين، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين.
وهو قول الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢)، وأكثر أهل العلم (^٣).
القول الثاني: أن القنوت في الصبح من السنن الرواتب، أما إن نزل بالمسلمين نازلة فيستحب القنوت كذلك، فقيل: في الفجر خاصة، وقيل: فيها وفي غيرها.
وهو قول المالكية (^٤)، والشافعية (^٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن القنوت في المكتوبات ليس من السنن الرواتب إلا أنه يستحب عند النوازل- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأدلة التي سبقت في دليل القول بنسخ القنوت في المكتوبات؛
_________________
(١) انظر: الأصل ١/ ١٦٤؛ مختصر القدوري ص ٢٩؛ التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٦٥٤، ٦٥٥؛ فتح القدير ١/ ٤٣٤؛ الدر المختار ٢/ ٣٩٠؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٩٠.
(٢) انظر: المغني ٢/ ٥٨٥، ٥٨٦؛ المحرر ١/ ٩٠؛ الشرح الكبير ٤/ ١٣٥؛ الإنصاف ٤/ ١٣٥.
(٣) انظر: سنن الترمذي ص ١٠٩؛ مجموع الفتاوى ٢٢/ ٣٧٢، ٢٣/ ١٠٨؛ التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٦٥٥.
(٤) انظر: المدونة ١/ ٤٤٨؛ الإشراف ١/ ٢٥٦؛ الاستذكار ٢/ ٧٥؛ شرح التلقين ٢/ ٥٥٨؛ بداية المجتهد ١/ ٢٥٤؛ مواهب الجليل ٢/ ٢٤٤.
(٥) انظر: مختصر المزني ص ٢٧؛ الحاوي ٢/ ١٥٢؛ المهذب ١/ ٢٧٤؛ حلية العلماء ١/ ١٣٥؛ العزيز ١/ ٥١٧؛ المجموع ٣/ ٣٣٥، ٣٣٦.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
حيث إنها تدل على أن النبي -ﷺ- كان يقنت عند النوازل (^١).
ثانيًا: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال-إذ قال: "سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد"-: اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف» يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: «اللهم العن فلانا وفلانًا» لأحياء من العرب حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨]) (^٢).
وفي رواية عنه -﵁- أن النبي -ﷺ- قنت بعد الركعة في صلاة شهرا إذا قال: (سمع الله لمن حمده) يقول في قنوته: «اللهم انج الوليد بن الوليد، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» قال أبو هريرة -﵁-: ثم رأيت رسول الله -ﷺ- ترك الدعاء بعد، قلت: أرى رسول الله -ﷺ- قد ترك الدعاء لهم، قال: فقيل: (وما تراهم قد قدموا) (^٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٢٣/ ١٠٩؛ التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٦٥٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٩٤٢، كتاب التفسير، باب ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾، ح (٤٥٦٠).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٣٠٥، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة، ح (٦٧٦) (٢٩٦).
[ ٢ / ٨٥٧ ]
وفي رواية ثالثة عنه -﵁-: «أن النبي -ﷺ- كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد» (^١).
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: لأقربن صلاة النبي -ﷺ-، فكان أبو هريرة -﵁- يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح بعد ما يقول: (سمع الله لمن حمده) فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار (^٢).
رابعًا: عن البراء بن عازب -﵁- «أن رسول الله -ﷺ- كان يقنت في الصبح والمغرب» (^٣).
خامسًا: عن ابن عباس -﵁- قال: «قنت رسول الله -ﷺ- شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والغرب والعشاء وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة، إذا قال: "سمع الله لمن حمده" من الركعة الأخيرة، يدعو على أحياء من بني
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣١٤. وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ٥٢١: (وروى أبو حاتم بن حبان من حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة … -فذكره- ثم قال: رواته ثقات). وصححه ابن حجر في الدراية ١/ ١٩٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٥٨، كتاب الأذان، باب، ح (٧٩٧)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٣٠٥، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة، ح (٦٧٦) (٢٩٦).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٣٠٧، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة، ح (٦٧٨) (٣٠٥).
[ ٢ / ٨٥٨ ]
سليم، على رعل وذكوان وعصية، ويؤمن من خلفه» (^١).
سادسًا: عن طارق بن الأشيم (^٢) -﵁- قال: (صليت خلف رسول الله -ﷺ- فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال: يا بُنَيَّ إنها لبدعة (^٣) (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٢٢٤، كتاب الصلاة، باب القنوت في الصلوات، ح (١٤٤٣)، وأحمد في المسند ٤/ ٤٧٥ - وزاد: (أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام فقتلوهم) -، وابن الجارود في المنتقى ص ٨٧، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٤٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٨٥، والحازمي في الاعتبار ص ٢٣٧. قال الحاكم: (صحيح على شرط البخاري) ووافقه الذهبي. وقال الحازمي: (حديث حسن على شرط أبي داود) وحسنه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٢٢٤.
(٢) هو: طارق بن أشيم بن مسعود الأشجعي، والد أبي مالك، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابنه أبو مالك. وسكن الكوفة. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ٢٧٤؛ الإصابة ٢/ ٩٣٨؛ التقريب ١/ ٤٤٧.
(٣) البدعة اسم من الابتداع، وإبداع الشيء إحداثه واختراعه لا على مثال. وهو في الاصطلاح: الأمر المحدث الذي لم يكن عليه الصحابة والتابعون، ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعي. انظر: مختار الصحاح ص ٣٨؛ المصباح المنير ص ٣٨؛ التعريفات للجرجاني ص ٤٣.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه ص ١٠٩، كتاب الصلاة، باب ما جاء في ترك القنوت، ح (٤٠٢)، والنسائي في سننه-واللفظ له- ص ١٧٦، كتاب التطبيق، باب ترك القنوت، ح (١٠٨٠)، وابن ماجة في سننه ص ٢٢١، كتاب الصلاة، باب ما جاء في القنوت في صلاة الفجر، ح (١٢٤١)، وأحمد في المسند ٢٥/ ٢١٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٤٩، وابن حبان في صحيحه ص ٦١١، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٣٠٢. قال الترمذي في سننه ص ١٠٩: (حديث حسن صحيح)، وكذلك صححه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٢/ ١٨٢، وصحيح سنن النسائي ص ١٧٦. وقال ابن الجوزي في التحقيق ١/ ٥٢٠: (قال البخاري: طارق بن الأشيم له صحبة. وهذا الإسناد صحيح، وقد تعصب أبو بكر الخطيب فقال: في صحبة طارق نظر. قال وإن صح الحديث حملناه على دعاء أحدثه أهل ذلك العصر. وهذا منه تعصب بارد إذ لا وجه للنظر بعد ثبوت صحبته عند البخاري ومحمد بن سعد وغيرهما ممن ذكر الصحابة، وأما حمله فحمل من لا يفهم؛ لإن الإنكار كان للدعاء في ذلك الوقت لا لنفس الدعاء).
[ ٢ / ٨٥٩ ]
سابعًا: عن أنس -﵁- «أن النبي -ﷺ- كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم» (^١).
فهذه الأدلة تدل على أن النبي -ﷺ- كان يقنت عند النوازل، عندما كان يدعو لأحد أو على أحد، ولم يكن ذلك مقتصرًا على صلاة الفجر، بل قنت فيها وفي غيرها، فكان يقنت لسبب نزل به ثم يتركه عند عدم ذلك السبب النازل به، وحديث طارق بن أشيم -﵁- يدل على أن النبي -ﷺ- وأصحابه ما كانوا يحافظون على قنوت راتب. أما حديث أنس -﵁- الأخير، وحديث أبي هريرة -﵁- في رواية، فهما تنصان على أن القنوت في
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣١٤. وقال ابن الجوزي في التحقيق ١/ ٥٢١: (الحديث الثاني: قال الخطيب في كتاب القنوت له: أخبرني … _فذكره-). وقال ابن عد الهادي في التنقيح ١/ ٥٢١: (هذا إسناد صحيح، والحديث نص في أن القنوت مختص بالنوازل). وكذلك صحح سنده ابن حجر في فتح الباري ٨/ ٨٥، والدراية ١/ ١١٧.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
المكتوبات مختص بالنازلة (^١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن القنوت في الفجر من السنن الراتبة- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأحاديث التي سبقت في دليل من قال بنسخ النهي عن القنوت في الفجر.
ثانيًا: عن أنس -﵁- أنه سئل: (هل قنت رسول الله -ﷺ- في صلاة الصبح؟ قال: نعم. فقيل له: قبل الركوع أو بعده؟ قال: بعد الركوع) (^٢).
فهذه الأدلة تدل على أن القنوت سنة في الفجر، وأن النبي -ﷺ- داوم عليه (^٣).
واعترض عليه بأنه لا يصح الاستدلال من هذه الأحاديث، أما عن
_________________
(١) انظر: التنقيح لابن عبد الهادي ١/ ٥٢١؛ مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٦٩، ٢٣/ ١٠٨؛ نصب الراية ٢/ التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٦٥٥.
(٢) أخرج نحوه البخاري في صحيحه-وزاد: (يسيرًا) - ص ١٩٧، كتاب الوتر، باب القنوت قبل الركوع وبعده، ح (١٠٠١)، وأخرجه باللفظ المذكور أبو داود في سننه ص ٢٢٤، كتاب الصلاة، باب القنوت في الصلوات، ح (١٤٤٤)، والنسائي في سننه ص ١٧٥، كتاب التطبيق، باب القنوت في صلاة الصبح، ح (١٠٧١)، والحازمي في الاعتبار ص ٢٤٥، وقال: (هذا حديث صحيح مخرج في كتاب مسلم من حديث أيوب نحوًا من معناه). وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٢٢٤.
(٣) انظر: الحاوي ٢/ ١٥٢؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٢٧٨؛ المجموع ٣/ ٣٣٥.
[ ٢ / ٨٦١ ]
الأول: فلأن المراد به
هو القنوت عند النازلة، ولذلك جاء تقييده في أكثر الروايات بقوله: (يسيرًا)، وبقوله: (قنت شهرًا) (^١).
وأما بقية الأحاديث فقد سبق ما اعترض على الاستدلال منها في قول من قال بأن القنوت في الفجر هو الناسخ لغيره.
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وهو أن القنوت مشروع في المكتوبات عند النوازل، وليس من السنن الراتبة في الفجر- وذلك لما يلي:
أولًا: لأنه يمكن أن يجمع به بين تلك الأحاديث المختلفة، وذلك لأن الأحاديث الواردة في القنوت في المكتوبات ثلاثة أقسام:
أ- قسم يدل بمجموعه على أن النبي -ﷺ- قنت في المكتوبات لنازلة فدعا على أناس، أو دعا لأناس، ثم إنه -ﷺ- ترك ذلك بعد مدة، ثم قنت لنازلة أخرى ثم تركه بعد مدة.
والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة وصحيحة وصريحة.
ب- قسم يدل بمجموعه على أن النبي -ﷺ- لم يقنت، وكذلك خلفاؤه من بعده.
والأحاديث الدالة على هذا المعنى لا بأس بها، وهي صحيحة في الجملة وصالحة للاحتجاج بها.
_________________
(١) راجع تخريج الحديث، وانظر: التحقيق لابن الجوزي ١/ ٥٢٤.
[ ٢ / ٨٦٢ ]
ج- قسم يدل بمجموعه على أن النبي -ﷺ- كان يقنت، أو لم يزل يقنت في الفجر حتى الموت، وكذلك خلفاؤه.
والأحاديث الدالة على هذا المعنى أقل رتبة من الأحاديث الدالة على النوعين السابقين، ثم هي لا تخلو من تطرق الاحتمالات إليها.
لكن يمكن الجمع بين هذه الأنواع الثلاثة، وذلك بحمل النوع الأول والثالث على القنوت لنازلة، وحمل النوع الثاني على القنوت الراتبة.
ويدل على هذا الجمع حديث أنس -﵁- «أن النبي -ﷺ- كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم» (^١).
ونحوه حديث أبي هريرة -﵁- (^٢).
ثانيًا: ولأن القول بنسخ القنوت في المكتوبات ضعيف، ويكفي لرده قنوت الصحابة -﵃- بعد النبي -ﷺ-، وقد كان أبو هريرة -﵁- يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح بعد ما يقول: (سمع الله لمن حمده) فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار (^٣).
وترك النبي -ﷺ- القنوت بعد مدة لم يكن لعدم بقاء مشروعيته، بل لزوال سببه؛ لأنه -ﷺ- إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم، وتخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا
_________________
(١) سبق تخريجه في دليل القول الأول. وانظر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر ١/ ١٩٥.
(٢) سبق تخريجه في دليل القول الأول.
(٣) سبق تخريجه في دليل القول الأول.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
عليهم وجاؤوا تائبين، فكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت؛ ولذلك لا يصح الاستدلال منه على النسخ (^١).
ثالثًا: ولأن القول بأن القنوت في الفجر من السنن الراتبة وأنه الناسخ لغيره فضعيف، وذلك:
أ-لأن الأحاديث المستدل منها على ذلك إما غير صريحة في ذلك، أو لا تخلو من كلام فيها.
ب- ولأن القنوت في الفجر لو داوم عليه النبي -ﷺ- ودعا فيه بدعاء لنقله الصحابة والتابعون، ولما أهملوا قنوته الراتب المشروع لنا، وإذا انعدم ذلك، دل على عدم ذلك، ومن تأمل الأحاديث الصحيحة علم هذا بالضرورة (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ٣١٤؛ مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٦٩؛ زاد المعاد ١/ ٢٧٢؛ التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٦٥٥.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٧٠؛ التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٦٥٨.
[ ٢ / ٨٦٤ ]