ذهب الإمام أبو حنيفة وبعض الحنفية إلى أن خبر الوضوء بالنبيذ (^١) قد نُسخ بآية التيمم (^٢).
وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية على تقدير صحته (^٣)، ونحوه قول الحافظ ابن حجر العسقلاني (^٤).
_________________
(١) النبيذ: من نبذ، وهو لغة الإلقاء والطرح. والنبيذ ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير، يقال: نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذًا. انظر: لسان العرب ١٤/ ١٧؛ المصباح المنير ص ٥٩٠؛ القاموس المحيط ص ٣٠٦؛ مجمع بحار الأنوار ٤/ ٦٦٦.
(٢) ففي كتاب الأصل لحمد بن الحسن ١/ ٧٥ (وروى نوح الجامع عنه أنه رجع عن هذا وقال: يتيمم ولا يتوضأ به؛ لأن النبي -ﷺ- توضأ به بمكة، ونزلت آية التيمم بالمدينة) وفي المحيط البرهاني ١/ ١٥٤: (وروى نوح الجامع عن أبي حنيفة﵀- أن التوضؤ بنبيذ التمر منسوخ فيتيمم ولا يتوضأ). وفي الفتاوي التتارخانية ١/ ٢٢٤: (وفي الجامع الصغير للعتابي: روى نوح عن أبي حنيفة﵀- أن الوضوء بنبيذ التمر منسوخ). وقال ابن الهمام في فتح القدير ١/ ١١٩: (فوجب تصحيح الرواية الموافقة لقول أبي يوسف؛ لأن آية التيمم ناسخة له لتأخرها إذ هي مدنية، وعلى هذا مشى جماعة من المتاخرين). وقال ابن نجيم في البحر الرائق ١/ ١٤٥: (وعلى تقدير صحته فهو منسوخ بآية التيمم لتأخرها إذ هي مدنية، وعلى هذا مشى جماعة من المتأخرين).
(٣) قال شيخ الإسلام في شرح العمدة ١/ ٦١: (ثم هو منسوخ بآية المائدة التي فرض فيها التيمم عند عدم الماء، فإن قصة الجن كانت بمكة في أول الإسلام).
(٤) هو: أحمد بن علي بن محمد بن علي، الكناني العسقلاني المصري، إمام الحفاظ في زمانه، لازم شيخه أبا الفضل العراقي وسمع منه ومن السراج البلقيني، وغيرهما، وله مؤلفات مفيدة منها (فتح الباري) وتوفي سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة. انظر: ذيل طبقات الحفاظ ص ٣٨٠؛ شذرات الذهب ٧/ ٢٧٠. وانظر قوله في فتح الباري ١/ ٤٢٢.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وقد ظهر منه أن القول بالنسخ في المسألة أحد أسباب الاختلاف فيها؛ وذلك لأن الإمام أبا حنيفة﵀رجع عن القول بالوضوء بالنبيذ لما رأى أن خبر النبيذ نُسخ بآية التيمم؛ لتأخرها، ولكن السبب الأصلي للاختلاف في هذه المسألة هو خبر الوضوء بالنبيذ، ومدى ثبوته وعدمه (^١).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (^٢).
ثانيًا: عن عمران بن حصين الخزاعي -﵁- أن رسول الله -ﷺ- رأى رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم، فقال: «يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم؟» فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عليك بالصعيد (^٣) فإنه يكفيك» (^٤).
_________________
(١) انظر: الأصل ١/ ٧٥؛ المحيط البرهاني ١/ ١٥٤؛ الفتاوى التتارخانية ١/ ٢٢٤؛ البحر الرائق ١/ ١٤٥؛ شرح العمدة ١/ ٦١؛ فتح الباري ١/ ٤٢٢.
(٢) سورة المائدة، الآية (٦).
(٣) الصعيد: يطلق على التراب، وعلى وجه الأرض ترابًا كان أو غيره. انظر: مختار الصحاح ص ٣١٨؛ المصباح المنير ص ٣٣٩؛ القاموس المحيط ص ٢٦٦.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٧٦، كتاب التيمم، باب، ح (٣٤٨)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٤٩١، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة، ح (٦٨٢) (٣١٢).
[ ١ / ٣٥٩ ]
ثالثًا: عن أبي ذر (^١) -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير» (^٢).
رابعًا: حديث عبد الله بن مسعود -﵁-، وقد روي بطرق وألفاظ منها ما يلي:
_________________
(١) هو: جندب بن جنادة بن سكن، أبو ذر الغفاري، أحد السابقين الأولين، كان رأسًا في العلم والزهد والجهاد وصدق اللهجة، وروى عن النبي -ﷺ-، وروىعنه: أنس، وابن عباس، وغيرهما، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ١٧؛ الإصابة ٤/ ٦٢.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥٩، كتاب الطهارة، باب الجنب يتيمم، ح (٣٣٢)، والترمذي في سننه-واللفظ له- ص ٤٠، كتاب الطهارة، باب التيمم للجنب إذا لم يجد الماء، ح (١٢٤)، والنسائي في سننه ص ٥٨، كتاب الطهارة، باب الصلوات بتيمم واحد، ح (٣٢٢)، وعبد الرزاق في المصنف ١/ ٢٣٨، والإمام أحمد في المسند ٣٥/ ٢٩٨، وابن المنذر في الأوسط ١/ ٢٥٧، والدارقطني في سننه ١/ ١٨٦، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٨٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٢٧. قال الترمذي (حديث حسن صحيح). وقال الحاكم: (حديث صحيح)، ووافقه الذهبي. وقال النووي في المجموع ١/ ١٤٠: (حديث صحيح). وكذلك صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ص ٤٠.
[ ١ / ٣٦٠ ]
أ- عن عبد الله بن مسعود -﵁- أن النبي -ﷺ- قال له ليلة الجن: «ما في إداوتك (^١)؟» قال نبيذ، قال: «تمرة طيبة وماء طهور» (^٢).
_________________
(١) الإداوة بالكسر: المطهرة، وجمعها الأداوى. انظر: مختار الصحاح ص ٩؛ المصباح المنير ص ٩.
(٢) أخرجه من طريق شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود: أبو داود في سننه ص ١٨، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، ح (٨٤)، والترمذي في سننه ص ٣٢، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، ح (٨٨) -وزاد: (قال: فتوضأ منه) -، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٨٢. وأخرجه من طريق سفيان عن أبي فزارة به: ابن ماجة في سننه ص ٨٤، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، ح (٣٨٤)، والإمام أحمد في المسند ٧/ ٣٢٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٤. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ١٧٩، من طريق الثوري وإسرائيل عن أبي فزارة العبسي به، والإمام أحمد في المسند ٦/ ٣٦٠، من طريق إسرائيل عن أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن عبد الله بن مسعود به. ولفظه عند أحمد: (كنت مع النبي -ﷺ- ليلة لقي الجن فقال: «أمعك ماء؟» فقلت: لا، فقال: «ما هذا في الإداوة؟» قلت: نبيذ، قال: «أرنيها، تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ منها ثم صلى بنا». وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٢، من طريق وكيع بن الجراح عن أبيه عن أبي فزارة عن أبي يزيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود به. وأخرجه الإمام أحمد في المسند ٧/ ٣٩٠، من طريق أبي عميس عتبة بن عبد الله عن أبي فزارة به مطولًا. وقد أعل هذا الحديث بثلاث علل: أحدها: التردد في أبي فزارة هل هو راشد بن كيسان أو غيره، قال ابن الجوزي في التحقيق ١/ ٤١: (قال أحمد بن حنبل: (أبو فزارة في حديث ابن مسعود رجل مجهول) ثم قال: فإن قيل: أبو فزارة اسمه راشد بن كيسان، أخرج عنه مسلم، وكذا الدارقطني: أبو فزراة في حديث النبيذ اسمه راشد بن كيسان. فجوابه من وجهين: إحداهما: أنهما اثنان، فالمجهول هو الذي في هذا الحديث، ودليل هذا قول أحمد: أبو فزارة في حديث ابن مسعود مجهول، فاعلم أنه غير المعروف. والثاني: أن معرفة اسمه لا تخرجه عن الجهالة). وأجيب: بأنه راشد بن كيسان، وهو ثقة معروف، روى له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة. أما أبو فزارة المجهول فليس له رواية في أي من الكتب الستة. انظر: التنقيح ١/ ٤٢؛ التقريب ١/ ٢٨٩، ٢/ ٤٥٢. قال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ٤٢: (أبو فزارة في الحديث الأول هو راشد بن كيسان بلا خلاف، وقد احتج به مسلم في صحيحه، وروى له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود والترمذي وابن ماجة-إلى أن قال: -ووثقه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم: صالح. وقال الدارقطني: ثقة كيس، ولم أر له في كتب أهل النقل ذكرا بسوء في دين أو خرمة). وقال في ١/ ٤٣: (وقال ابن عدي: بعد أن روى هذا الحديث: أبو فزارة مشهور الحديث اسمه راشد بن كيسان. وما ذكره المؤلف من الإمام أحمد أن أبا فزارة مجهول ليس بثابت عنه، والظاهر أن الراوي غلط، وإن قول أحمد إنما هو في أبي زيد). وعلى تقدير أن أبا فزارة هذا ليس هو راشد بن كيسان، فيقال: قد روى عنه سفيان الثوري وإسرائيل، وشريك، وجراح -أبو وكيع بن الجراح- وغيرهم، كما سبق ذلك في تخريج الحديث، وعلى هذا فيرتفع عنه الجهالة؛ لأن الجهالة عند المحدثين تزول برواية اثنين فصاعدًا. انظر: نصب الراية ١/ ١٣٨. العلة الثانية: جهالة أبي زيد المخزومي مولى عمرو بن حريث الذي يروي عن ابن مسعود: قال الترمذي في سننه ص ٣٢: (وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث، لا تعرف له رواية غير هذا الحديث). وقال البخاري: (أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، ولا يصح هذا الحديث عن النبي -ﷺ- وهو خلاف القرآن). وقال أبو زرعة: (حديث أبي فزارة في الوضوء بالنبيذ ليس بصحيح وأبو زيد رجل مجهول). وقال أبو حاتم: (لم يلق أبو زيد عبد الله). وقال ابن حبان: (أبو زيد شيخ يروى عن ابن مسعود ليس يدرى من هو، ولا يعرف أبوه ولا بلده، ومن كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرًا واحدًا خالف فيه الكتاب والسنة والإحماع والقياس استحق مجانبة ما رواه). وقال غير واحد من أهل العلم: أن أبا زيد مجهول، حتى قال ابن عبد البر: اتفقوا على أن أبا زيد مجهول، وحديثه منكر. انظر: التنقيح ١/ ٤٣؛ نصب الراية ١/ ١٣٨؛ ميزان الاعتدال ٤/ ٥٢٦؛ التهذيب ١٢/ ٩١، ٩٢، التقريب ٢/ ٤٠٣. ومع هذا فقد ذكر ابن العربي في عارضة الأحوذي ١/ ١٢٨، أن أبا زيد هذا روى عنه راشد بن كيسان وأبو روق. وقد سبق أن الجهالة تزول برواية اثنين فصاعدًا. وانظر: اللباب للمنبجي ١/ ٥٣؛ البناية للعيني ١/ ٤٦٩. لكن الحديث هذا ضعفه غير واحد من أهل العلم: قال البخاري وأبو زرعة وابن عدي: لا يصح. وقال ابن المنذر: ليس بثابت. وقال ابن عبد البر: منكر. وقال ابن عبد الهادي: وحكى بعضهم الإجماع على ضعفه. انظر: التنقيح ١/ ٤٣؛ نصب الراية ١/ ١٣٨؛ التهذيب ١٢/ ٩١، ٩٢. وقال النووي في المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٢٧: (ضعيف باتفاق المحدثين) وقال في المجموع ١/ ١٤١: (ضعيف بإجماع المحدثين). وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٤٢٢: (وهذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه). العلة الثالثة: إنكار كون ابن مسعود شهد ليلة الجن: ففي صحيح مسلم ٢/ ١٢٧، من كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح، ح (٤٥٠) (١٥٠) عن علقمة قال: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله -ﷺ- ليلة الجن؟ قال: لا، …) ثم في الحديث الذي بعده: (عن علقمة عن عبد الله قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله -ﷺ- ووددت أني كنت معه). لكن جاءت روايات كثيرة ومن غير طريق واحد عن ابن مسعود تفيد شهوده مع النبي -ﷺ- ليلة الجن، ومن ذلك: ما رواه الإمام أحمد في المسند ٦/ ٣٣٢، من طريق عمرو البكالي عن عبد الله بن مسعود، قال عمرو: إن عبد الله قال: استتبعني رسول الله -ﷺ- قال: فانطلقنا حتى أتيت مكان كذا وكذا، فخط لي خِطَّة فقال: «كن بين ظهري هذه لا تخرج منها فإنك إن خرجت هلكت» الحديث. ورجاله ثقات، إلا أن عمروا البكالي لم يعرف بالسماع من ابن مسعود، وقد اختلف في صحبته، قال ابن حجر في تعجيل المنفعة ص ٣٤٧: (عمرو البكالي بكسر الموحدة وتخفيف الكاف يكنى أبا عثمان، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عن ابن مسعود أيضًا، روى عنه أبو عبد الله الهجيمي ومعدان بن أبي طلحة، قال البخاري: له صحبة، وذكره في الصحابة خليفة وابن البرقي وغيرهما- إلى أن قال: -وقد سمى ابن السكن أباه عبد الله-إلى أن قال: -قلت: وفي مسند البزار حديث صرح فيه بسماعه من النبي -ﷺ-. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٦٤ - بعد ذكر هذا الحديث-: (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، غير عمرو البكالي، وذكره العجلي في ثقات التابعين وابن حبان وغيره في الصحابة). ومنها: ما رواه الترمذي في سننه ص ٤٣٩، كتاب الأمثال، باب ما جاء في مثل الله لعباده، عن طريق جعفر بن ميمون التميمي، عن ابن مسعود قال: صلى رسول الله -ﷺ- العشاء ثم انصرف فأخذ بيد عبد الله بن مسعود حتى خرج به إلى بطحاء مكة فأجلسه ثم خط عليه خطًا ثم قال: «لا تبرحن خطك فإنه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم فإنهم لا يكلمونك» قال: ثم مضي رسول الله -ﷺ- حيث أراد، فبينا أنا جالس في خطي إذ أتاني رجال كأنهم الزط أشعارهم وأجسامهم، لا أرى عورة ولا قشرًا وينتهون إليّ ثم لا يجاوزون الخط، ثم يصدرون إلى رسول الله -ﷺ- …) الحديث. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح) وكذلك قال الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي (حسن صحيح). وفي سنده جعفر بن ميمون التميمي: قال أحمد: ليس بقوي في الحديث، وكذلك قال: أخشى أن يكون ضعيفًا، وقال ابن معين: ليس بذاك، وقال مرة: صالح الحديث. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: يعتبر به. وقال ابن عدي: أحاديثه منكرة، وأرجو أنه لا بأس به. وقال الحاكم: هو من ثقات البصريين. وذكره ابن حبان وابن شاهين في الثقات. وقال ابن حجر: صدوق يخطئ. انظر: ميزان الاعتدال ١/ ٤١٨؛ التهذيب ٢/ ٩٨؛ التقريب ١/ ١٦٤. ومنها: ما رواه الحاكم في المستدرك ٢/ ٥٤٧، من طريق أبي عثمان ابن سنة الخزاعي أنه سمع عبد الله بن مسعود -﵁- يقول: إن رسول الله -ﷺ- قال لأصحابه وهو بمكة: «من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فليفعل) فلم يحضر منهم أحد غيري، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطًا، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته …» الحديث. وكذلك أخرجه الطبري في تفسيره جامع البيان ١١/ ٢٩٩، وأبو نعيم الأصفهاني في دلائل النبوة ٢/ ٤٧٣، والبيهقي في دلائل النبوة ٢/ ٢٣٠، والمزي في تهذيب الكمال ٣٤/ ٦٧، كلهم عن طريق الزهري عن أبي عثمان بن سنة به. قال الحاكم: وقد روي حديث تداوله الأئمة الثقات عن رجل مجهول عن عبد ا لله بن مسعود أنه شهد مع رسول الله -ﷺ- ليلة الجن، فذكره. وقال الذهبي في التلخيص: (هو صحيح عند جماعة). وفي سنده أبو عثمان بن سنة، قال الذهبي في الميزان ٤/ ٥٤٩: (أبو عثمان بن سنة الخزاعي عن ابن مسعود في ليلة الجن ما أعرف روى عنه غير الزهري). وقال ابن حجر: مقبول ووهم من زعم أن له صحبة، وقال: روى عن ابن مسعود وعلي ابن أبي طالب، وروى عنه الزهري. انظر: تهذيب التهذيب ١٢/ ١٥٤؛ التقريب ٢/ ٤٣٤. ومنها: ما قال الزيلعي في نصب الراية ١/ ١٤٣: (طريق آخر رواه الطحاوي في كتابه: حدثنا يحيى بن عثمان ثنا أصبغ بن الفرج وموسى بن هارون البردي، قالا: ثنا جرير بن عبد الحميد عن قابوس عن أبيه عن ابن مسعود قال: انطلق رسول الله -ﷺ- إلى البراز فخط خطًا وأدخلني فيه، وقال لي: «لا تبرح حتى أرجع إليك» ثم أبطأ فما جاء حتى السحر، وجعلت أسمع الأصوات ثم جاء، فقلت: أين كنت يا رسول الله؟ فقال: «أرسلت إلى الجن» فقلت: ما هذه الأصوات التي سمعت؟ قال: «هو أصواتهم حين ودعوني وسلموا علي» قال الطحاوي: ما علمنا لأهل الكوفة حديثًا يثبت أن ابن مسعود كان مع النبي -ﷺ- ليلة الجن مما يقبل مثله إلا هذا). ويظهر من تتبع طرق حديث شهود ابن مسعود ليلة الجن أن الأحاديث في ذلك نوعان: نوع ليس فيه ذكر الوضوء بالنبيذ. ونوع فيه ذكر الوضوء بالنبيذ. والتي ليس فيها ذكر الوضوء بالنبيذ أقوى بالنسبة إلى التي فيها ذكر الوضوء بالنبيذ. كما أن النوعين بمجموعهما يعضد بعضها البعض، ويؤيد أن لها أصلًا؛ ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى الجمع بينها وبين ما روي عن ابن مسعود من طرق صحيحة أنه لم يكن مع رسول الله -ﷺ- ليلة الجن، وذهبوا إلى الجمع بينهما بما يلي:
(٣) أن ابن مسعود كان مع رسول الله -ﷺ- ليلة الجن إلا أنه لم يكن معه حال مخاطبته الجن، فيحمل ما روي أنه لم يكن معه ليلة الجن على حال المخاطبة.
(٤) أن معنى ما ورد عن ابن مسعود أنه لم يكن مع رسول الله -ﷺ- أحد منا، معناه: أنه لم يكن معه أحد منا غيري. وهذا مصرح به في رواية الحاكم.
(٥) أن ليلة الجن تكررت فلم يكن ابن مسعود مع رسول الله -ﷺ- في بعضها، وكان شهد في بعضها. لكن ذكر الوضوء بالنبيذ ورد في التي تدل على أنها كانت بمكة وقبل الهجرة، فيكون آية التيمم بعده. انظر: دلائل النبوة لأبي نعيم الأصفهاني ٢/ ٤٧١؛ دلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٢٣٠؛ نصب الراية ١/ ١٣٩؛ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/ ١٦٧ - ١٦٩؛ البناية شرح الهداية للعيني ١/ ٤٧١. والطريق الأولى لحديث ابن مسعود وما ذكر بعدها وكذلك الطرق التالية، كلها مما تفيد شهوده ليلة الجن.
[ ١ / ٣٦١ ]
ب- عن ابن مسعود (أن رسول الله -ﷺ- ليلة الجن خط حوله، فكان يجيء أحدهم مثل سواد النخل وقال لي: «لا تبرح مكانك» فأقرأهم كتاب الله ﷿. فلما رأى الزط، قال: كأنهم هؤلاء، وقال النبي -ﷺ-: «أمعك ماء؟»
[ ١ / ٣٦٧ ]
قلت: لا، قال: «أمعك نبيذ؟» قلت: نعم، فتوضأ به) (^١).
ج- عن عبد الله بن مسعود أنه كان مع رسول الله -ﷺ- ليلة الجن فقال له النبي -ﷺ-: «يا عبد الله أمعك ماء؟» قال: معي نبيذ في إداوة، فقال: «أصبب علي» فتوضأ. قال: فقال النبي -ﷺ-: «يا عبد الله بن مسعود، شراب وطهور» (^٢).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٧/ ٣٦٧، - من طريق علي بن زيد-، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٩٥، والدارقطني في سننه ١/ ٧٧، بالسند المذكور، ثم قال الدارقطني: (علي بن زيد ضعيف وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود، وليس هذا الحديث في مصنفات حماد بن سلمة). قال الزيلعي في نصب الراية ١/ ١٤١: (قال الشيخ تقي الدين في (الإمام): وهذا الطريق أقرب من طريق أبي فزارة، وإن كان طريق أبي فزارة أشهر، فإن علي بن زيد وإن ضعف فقد ذكر بالصدق، قال: وقول الدارقطني: وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود لا ينبغي أن يفهم منه أنه لا يمكن إدراكه وسماعه منه فإن أبا رافع الصائغ جاهلي إسلامي، قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب: (هو مشهور من علماء التابعين) وقال في الاستيعاب: (لم ير النبي -ﷺ- فهو من كبار التابعين اسمه نفيع كان أصله من المدينة ثم انتقل إلى البصرة، روى عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود -إلى أن قال: -عظم روايته عن عمر وأبي هريرة ومن كان بهذه المثابة فلا يمتنع سماعه من جميع الصحابة، اللهم إلا أن يكون الدارقطني يشترط في الاتصال ثبوت السماع ولو مرة، وقد أطنب مسلم في الكلام على هذا المذهب).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٦/ ٣٢٣، - من طريق ابن لهيعة-وكذلك الدارقطني في سننه ١/ ٧٦، ثم قال: (ابن لهيعة لا يحتج بحديثه)، ثم رواه كذلك من طريق ابن لهيعة نحو لفظ أحمد ثم قال: (تفرد به ابن لهيعة وهو ضعيف في الحديث). وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ٤٣: (وأما ابن لهيعة فقد قال أحمد: من مثله بمصر في كثرة حديثه وضبطه، وقال مسلم: تركه وكيع ويحيى القطان وابن مهدي. وقال أبو زرعة: كان لا يضبط وليس بحجة. وقال ابن معين: ليس بذلك القوي. وقال النسائي: ليس بثقة). وقال ابن حجر في التقريب ١/ ٥٢٦: (صدوق من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون). وقال أبو الطيب في التعليق المغني على الدارقطني ١/ ٧٦: (قوله عن ابن عباس عن ابن مسعود أخرجه ابن ماجة من هذه الطريقة مسندًا إلى ابن عباس ولفظه: عن عبد الله بن عباس أن رسول الله -ﷺ- قال لابن مسعود الحديث، لكن الطبراني في معجمه جعله من مسند ابن مسعود، وكذلك البزار في مسنده، ولفظهما بالإسناد المذكور: عن ابن عباس عن ابن مسعود أنه وضأ النبي -ﷺ- ليلة الجن بنبيذ فتوضأ وقال: (ماء طهور) قال البزار: هذا لا يثبت؛ لأن ابن لهيعة كانت كتبه قد احترقت، وبقي يقرأ من كتب غيره فصار في أحاديثه مناكير، وهذا منها، انتهى).
[ ١ / ٣٦٨ ]
د- عن ابن مسعود يقول: (كنت مع النبي -ﷺ- ليلة الجن فأتاهم فقرأ عليهم القرآن، فقال لي رسول الله -ﷺ- في بعض الليل: «أمعك ماء يا ابن مسعود؟» قلت: لا، والله يا رسول الله إلا إداوة فيها نبيذ فقال رسول الله: «تمرة طيبة وماء طهور» فتوضأ به رسول الله -ﷺ- (^١).
هـ- عن ابن مسعود قال: مرّ بي رسول الله -ﷺ- فقال: «خذ معك إداوة من ماء ثم انطلق وأنا معه»، فذكر حديثه ليلة الجن فلما أفرغت عليه من الإداوة فإذا هو نبيذ فقلت: يا رسول الله أخطأت بالنبيذ فقال: «تمرة حلوة
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٧٧، - من طريق الحسين بن عبيد الله- ثم قال: (الحسين بن عبيد الله هذا يضع الحديث على الثقات).
[ ١ / ٣٦٩ ]
وماء عذب» (^١).
و-عن عبد الله بن مسعود يقول: دعاني رسول الله -ﷺ- ليلة الجن بوضوء، فجئته بإداوة فإذا فيها نبيذ، فتوضأ رسول الله» (^٢).
ز- عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ-: (أمعك ماء؟) قلت: لا، إلا نبيذ في إداوة، قال: (تمرة طيبة وماء طهور) فتوضأ» (^٣).
ح- عن ابن مسعود أن النبي -ﷺ- قال له: «هل معك من وَضوء للصلاة؟»
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٧٨، - من طريق الحسن بن قتيبة- ثم قال: تفرد به الحسن بن قتيبة عن يونس عن أبي إسحاق. والحسن بن قتيبة ومحمد بن عيسى ضعيفان).
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٧٨، - من طريق فلان بن غيلان الثقفي- ثم قال: الرجل الثقفي الذي رواه عن ابن مسعود مجهول، قيل اسمه: عمرو، وقيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان). وأخرجه الطبري في جامع البيان ١١/ ٢٩٨، عن طريق يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي أنه قال لابن مسعود: حدثت أنك كنت مع رسول الله ليلة وفد الجن، قال: أجل …) وقال الزيلعي في نصب الرابة ١/ ١٤٢: (ورواه أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة من طريق الطبراني بسنده إلى معاوية عن عمرو بن غيلان).
(٣) قال الزيلعي في نصب الراية ١/ ١٤٣: (طريق آخر رواه ابن عدي في الكامل من حديث أبي عبد الله الشقري عن شريك القاضي، عن أبي زائدة عن ابن مسعود فذكره، ثم قال: وهذا الإسناد شوشه أبو عبد الله الشقري عن شريك، فلا أدري من قبله أم من قبل شريك، فإن جماعة كالثوري وإسرائيل وعمرو بن أبي قيس وغيرهم رووه عن أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود، وهذه الرواية الصحيحة، وأبو زيد رجل مجهول، والحديث ضعيف به انتهى كلامه).
[ ١ / ٣٧٠ ]
قلت: معي إداوة فيها نبيذ، قال: «تمرة طيبة وماء طهور» قال: (أصبب علي» (^١).
خامسًا: عن عبد الله بن عباس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال لابن مسعودليلة الجن: «معك ماء؟» قال: لا، إلا نبيذ في سطيحة (^٢) فقال رسول الله -ﷺ-: «تمرة طيبة وماء طهور، صب عليّ» قال: فصببت عليه فتوضأ به) (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم الأصفهاني في دلائل النبوة ٢/ ٤٧١، عن طريق الواقدي قال: حدثني عبد الحميد بن عمران بن أبي أنس عن أبيه قال: قدم نفر من الجن على النبي -ﷺ- بمكة، حتى نزلوا بأعلى مكة -إلى أن قال: -قال عمران بن أبي أنس: خرج حتى إذا كان بالحجون خط له رسول الله -ﷺ- خطًا، ثم قال: (قف هاهنا حتى أرجع- فذكره، وفيه الواقدي: محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي، قال: أحمد بن حنبل: هو كذاب. وقال البخاري وأبو حاتم: متروك، وقال أبو حاتم أيضًا والنسائي وإسحاق بن راهوية: يضع الحديث. وقال الدارقطني: فيه ضعف، وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة. وقال الذهبي: أحد أوعية العلم على ضعفه، وقال ابن حجر: متروك مع سعة علمه. ووثقه جماعة منهم: محمد بن إسحاق الصغاني، ويزيد بن هارون وأبو عبيد. انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٦٦٢ - ٦٦٥؛ التقريب ٢/ ١١٧.
(٢) السطيحة: بكسر الطاء، المزادة. انظر: مختار الصحاح ص ٢٦٢؛ المصباح المنير ص ٢٧٦.
(٣) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٨٥، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، ح (٣٨٥)، والدارقطني في سننه ١/ ٧٦. وفي سنده ابن لهيعة، وقد سبق الكلام عليه في الطريق الثالث لرواية ابن مسعود.
[ ١ / ٣٧١ ]
سادسًا: عن ابن عباس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء» (^١).
ويستدل منها على النسخ: بأن الخبر الذي ذُكر فيه الوضوء بالنبيذ متقدم؛ لأن قصة الجن كانت بمكة في أول الإسلام، فيكون منسوخًا بآية المائدة التي فُرض فيها التيمم؛ لتأخرها إذ هي مدنية بلا خلاف، كما أن
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٧٥، وقال: (ووهم فيه المسيب بن واضح في موضعين: في ذكر ابن عباس، وفي ذكر النبي -ﷺ-، وقد اختلف فيه على المسيب) ثم ذكره موقوفًا من طريق المسيب ثم قال: (والمحفوظ أنه من قول عكرمة غير مرفوع إلى النبي -ﷺ- ولا إلى ابن عباس والمسيب ضعيف). ثم ذكر في ١/ ٧٦، من طريق عبد الباقي بن قانع، نا السري بن سهل الجنديسابوري، نا عبد الله بن رشيد، نا أبو عبيدة مجاعة عن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا لم يجد أحدكم ماء ووجد النبيذ فليتوضأ به) ثم قال: أبان هو ابن أبي عياش متروك الحديث، مجاعة ضعيف، والمحفوظ أنه من رأي عكرمة غير مرفوع). وكذلك أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٩، حديث ابن عباس من طريق المسيب بن واضح ثم قال: (فهذا حديث مختلف فيه على المسيب بن واضح، وهو واهم فيه في موضعين: في ذكر ابن عباس وفي ذكر النبي -ﷺ-، والمحفوظ أنه قول عكرمة غيرمرفوع، هكذا رواه هقل بن الزياد والوليد بن مسلم عن الأوزاعي، -إلى أن قال: -ورواه عبد الله بن محرر عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس من قول ابن عباس، وعبد الله بن المحرر متروك. وروي بإسناد ضعيف عن أبان بن أبي عياش عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا، وأبان متروك). وقال النووي في المجموع ١/ ١٤٢: (وأما حديث ابن عباس والآثار عنه وعن علي وغيرهما فكلها ضعيفة واهية).
[ ١ / ٣٧٢ ]
الأحاديث التي فيها ذكر التيمم عند عدم الماء كانت بعد الهجرة (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الوضوء بنبيذ التمر- غير المسكر- على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر مسكرًا أو غير مسكر، وإذا لم يجد الشخص الماء المطلق يتيمم، ولا يجزيه غير ذلك.
وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة- قيل هي قوله الأخير الذي استقر عليه قوله، وأنه رجع عن غير ذلك (^٢).
وبه قال أبو يوسف وزفر (^٣) من أصحابه، واختاره الطحاوي، ورجحه المحققون من
علماء الأحناف (^٤).
_________________
(١) انظر: الأصل ١/ ٧٥؛ المبسوط ١/ ٨٨؛ شرح العمدة ١/ ٦١؛ فتح القدير ١/ ١١٩؛ البحر الرائق ١/ ١٤٥.
(٢) انظر: الأصل ١/ ٧٥؛ المبسوط ١/ ٨٨؛ البدائع ١/ ٩٥؛ المحيط البرهاني ١/ ١٤٤؛ فتح القدير ١/ ١٢٠؛ اللباب للمنبجي ١/ ٥٤.
(٣) هو: زفر بن الهذيل بن قيس العنبري البصري، صاحب أبي حنيفة، أحد الفقهاء والعباد، صدوق، وثقه ابن المعين، وقال عنه أبو حنيفة: (هو أقيس أصحابي) وتولى قضاء البصرة، وتوفي سنة ثمان وخمسين ومائة. انظر: الفهرست ص ٣٤٣؛ الجواهر المضية ٢/ ٢٠٧؛ ميزان الاعتدال ٢/ ٢٦١.
(٤) انظر: الأصل ١/ ٧٥؛ الأوسط ١/ ٢٥٥؛ شرح معاني الآثار ١/ ٩٥، ٩٦؛ مختصر الطحاوي ص ١٥؛ المبسوط ١/ ٨٨؛ فتح القدير ١/ ١١٩؛ البحر الرائق ١/ ١٤٤؛ الدر المختار ١/ ٢٩٢، ٢٩٨؛ حاشية ابن عابدين ١/ ٢٩٢.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وهو كذلك مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).
وبه قال عطاء ابن أبي رباح، وأبو العالية (^٤)، وأبو عبيد، وأبو ثور، وداود الظاهري، وابن المنذر وابن حزم.
وهو رواية عن الحسن البصري، وسفيان الثوري (^٥).
القول الثاني: أنه يجوز الوضوء بنبيذ التمر عند عدم الماء.
_________________
(١) انظر: المدونة ١/ ٤؛ الأوسط ١/ ٢٥٢؛ المعونة ١/ ٩٤؛ الكافي ص ١٥؛ بداية المجتهد ١/ ٦٨.
(٢) انظر: مختصر المزني ص ٧؛ الأوسط ١/ ٢٥٣؛ المهذب ١/ ٤١؛ التعليقة للقاضي حسين ١/ ٢٠٣؛ المجموع ١/ ١٣٩.
(٣) انظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق برواية إسحاق ١/ ٣١٥؛ مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله ١/ ٢٢؛ الأوسط ١/ ٢٥٣؛ الإرشاد لابن أبي موسى ص ٢٠؛ المغني ١/ ١٨؛ الكافي ١/ ١٢؛ الفروع ١/ ٥٦.
(٤) هو: رفيع-بالتصغير-بن مهران أبوا العالية الرياحي مولاهم، البصري، ثقة، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبي -ﷺ- بسنتين، وروى عن علي وابن مسعود، وغيرهما، وروى عنه: خالد الحذاء، وقتادة، وغيرهما، وتوفي سنة تسعين، وقيل بعد ذلك. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٥٤؛ التهذيب ٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤؛ التقريب ١/ ٣٠٣.
(٥) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٧٩؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٢؛ الأوسط ١/ ٢٥٣، ٢٥٤؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٢٩؛ المحلى ١/ ١٩٥؛ بداية المجتهد ١/ ٦٨؛ المجموع ١/ ١٣٩، ١٤٠؛ فتح الباري ١/ ٤٢١، ٤٢٢.
[ ١ / ٣٧٤ ]
وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة (^١)، وقول عكرمة، والأوزاعي، وإسحاق بن راهوية، ورواية عن الحسن البصري، وسفيان الثوري (^٢).
وروي ذلك عن علي (^٣)، وابن عباس (^٤) -﵄لكنه لا يصح (^٥).
_________________
(١) انظر: الأصل ١/ ٧٥؛ مختصر الطحاوي ص ١٥؛ المبسوط ١/ ٨٨؛ الهداية ١/ ١١٨؛ فتح القدير ١/ ١٢٠؛ البحر الرائق ١/ ١٤٤.
(٢) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٢؛ سنن الترمذي ص ٣٢؛ مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية ١/ ٣١٦؛ الأوسط ١/ ٢٥٤، ٢٥٥؛ المغني ١/ ١٨؛ المجموع ١/ ١٤٠؛ فتح الباري ١/ ٤٢١، ٤٢٢.
(٣) رواه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٢، وابن المنذر في الأوسط ١/ ٢٥٥، والدارقطني في سننه ١/ ٧٩، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٩، وفي سنده الحارث الأعور، وهو ضعيف، وقد سبق الكلام عليه في المطلب السابق في الكلام على ما رواه عن علي في الوضوء بفضل وضوء المرأة. وانظر كذلك السنن الكبرى للبيهقي ١/ ١٩، والتعليق المغني على سنن الدارقطني ١/ ٧٩. وكذلك أخرجه الدارقطني من طريق وكيع عن أبي ليلى الخراساني، وابن حزم في المحلى ١/ ١٩٧ من طريق عبد الله بن ميسرة. وعبد الله بن ميسرة هو ابن أبي ليلى ويقال له أبو إسحاق الكوفي، وهو متروك، وضعفه يحيى بن معين والنسائي وابن حجر. انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ١٩؛ ميزان الاعتدال ١/ ٥١١؛ التهذيب ٦/ ٤٥؛ التقريب ١/ ٥٣٩.
(٤) رواه عنه الدارقطني في سننه ١/ ٧٦، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٩، وفي سنده عبد الله بن المحرر، وهو متروك الحديث، قاله الدارقطني والبيهقي.
(٥) قال ابن المنذر في الأوسط ١/ ٢٥٤: (وقد روينا عن علي بإسناد لا يثبت أنه كان لا يرى بأسًا بالوضوء بالنبيذ). وقال النووي في المجموع ١/ ١٤٢: (وأما حديث ابن عباس والآثار عنه، وعن علي وغيرهما فكلها ضعيفة واهية). وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٤٢٢: (وروي عن علي وابن عباس ولم يصح عنهما).
[ ١ / ٣٧٥ ]
القول الثالث: أنه إذا لم يجد الماء يتوضأ بالنبيذ، ويجب مع ذلك أن يتيمم.
وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة، وقول محمد بن الحسن من أصحابه (^١).
الأدلة:
ويستدل للقول الأول-وهو عدم جواز الوضوء بالنبيذ، ومن لم يجد الماء تيمم- بالأدلة السابقة في دليل القول بالنسخ غير حديثي ابن مسعود، وابن عباس﵄-.
ووجه الاستدلال منها هو: أن الآية الكريمة فيها دلالة ظاهرة بأن الله تعالى افترض الطهارة بالماء، وبالصعيد لمن لم يجد الماء، فنقل الحكم من الماء المطلق عند عدمه إلى التراب، وإذًا فليس يجوز طهارة إلا بالماء، أو الصعيد إذا لم يجد الماء. وجاء حديث أبي ذر -﵁- عن النبي -ﷺ- بالدلالة على ذلك، فمن توضأ بالنبيذ فقد ترك المأمور به (^٢).
ويدل عليه حديث عمران بن حصين -﵁-؛ حيث إن الرجل لما قال:
_________________
(١) انظر: الأصل ١/ ٧٥؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٢٩؛ المبسوط ١/ ٨٨؛ المحيط البرهاني ١/ ١٥٤؛ فتح القدير ١/ ١٢٠.
(٢) انظر: الأوسط ١/ ٢٥٧؛ بدائع الصنائع ١/ ٩٥؛ المغني ١/ ١٩؛ المجموع ١/ ١٤٠.
[ ١ / ٣٧٦ ]
(أصابتني جنابة ولا ماء) قال له الرسول -ﷺ-: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك». فلو كانت الطهارة تجزئ بغير الماء لقال له: اطلب نبيذ كذا، أو شراب كذا، فدل ظاهرالكتاب والسنة أن الوضوء لا يجزئ إلا بالماء، ومن لم يجد تيمم بالصعيد (^١).
دليل القول الثاني:
ويستدل للقول الثاني- وهو جواز الوضوء بالنبيذ عند عدم الماء- بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث ابن مسعود، وابن عباس -﵄-.
ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث إنها تدل على جواز الوضوء بالنبيذ، وإلا لما توضأ النبي -ﷺ- به (^٢).
واعترض عليه: بأن الكتاب والسنة الصحيحة يدلان على أن من لم يجد الماء يتيمم، وواجد النبيذ غير واجد للماء؛ لأن اسم الماء لا يقع على ما غلب عليه غير الماء حتى تزول عنه جميع صفات الماء (^٣).
أما ما ورد في الوضوء بالنبيذ ففي ثبوته وصحته نظر؛ حيث إن جماعة
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ٢٥٧.
(٢) انظر: الأوسط ١/ ٢٥٦؛ شرح معاني الآثار ١/ ٩٥؛ المبسوط ١/ ٨٨؛ التحقيق لابن الجوزي ١/ ٣٩؛ المجموع ١/ ١٤٠؛ فتح الباري ١/ ٤٢٢.
(٣) انظر: المحلى ١/ ١٩٥؛ المهذب ١/ ٤١؛ بدائع الصنائع ١/ ٩٥؛ المغني ١/ ١٩؛ الدر المختار وحاشية ابن عابدين ١/ ٢٩٢.
[ ١ / ٣٧٧ ]
من المحدثين ضعفوه حتى حكى بعضهم الاتفاق على ذلك (^١).
وأما القول بأن النبيذ ماء شرعًا لحديث: (وماء طهور) فأطلق عليه أنه ماء (^٢).
فيقال: قد سبق أن ما ورد في ذلك فهو ضعيف فلا تقوم به حجة.
وعلى تقدير صحته فيقال:
١ - إن المراد بذلك: ماء نبذت فيه تمرات يابسة، ليعذب، ولم تغير له وصفًا؛ بدليل أن
النبي -ﷺ- قال: «تمرة طيبة وماء طهور» فوصف شيئين ليس النبيذ واحدًا منهما (^٣).
٢ - أنه إن صح فمنسوخ بآية التيمم؛ لأن ذلك كان بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة بلا خلاف (^٤).
دليل القول الثالث:
ويستدل للقول الثالث-وهو وجوب الجمع بين الوضوء بالنبيذ وبين التيمم- بأدلة القول الأول، وأدلة القول الثاني.
ووجه الاستدلال منهما هو: أن أدلة القول الأول توجب التيمم، وأدلة
_________________
(١) راجع تخريج هذه الأحاديث، وانظر: المجموع ١/ ١٤١؛ فتح الباري ١/ ٤٢٢.
(٢) انظر: المبسوط ١/ ٨٨.
(٣) انظر: المجموع ١/ ١٤١؛ شرح العمدة ١/ ٦١؛ فتح الباري ١/ ٤٢٢.
(٤) انظر: الأصل ١/ ٧٥؛ الهداية ١/ ١١٨؛ شرح العمدة ١/ ٦١؛ فتح القدير ١/ ١١٩؛ فتح الباري ١/ ٤٢٢.
[ ١ / ٣٧٨ ]
القول الثاني توجب الوضوء بالنبيذ، فيجمع بينهما احتياطًا، ولا يقال بالنسخ؛ لعدم معرفة التاريخ (^١).
واعترض عليه: بأن آية التيمم صريحة في التيمم عند عدم الماء، وخبر النبيذ ضعيف فلا يقوم به حجة، وعلى تقدير صحته فلا خلاف في أن ذلك كان بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة فكيف يقال بعدم معرفة المتأخر منهما؟ (^٢).
الراجح
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي- والعلم عند الله تعالى- أن الراجح هو القول الأول، وهو أن من لم يجد الماء يتيمم ولا يتوضأ بالنبيذ؛ وذلك:
١ - لأن ظاهر الكتاب والسنة يدل على أن الوضوء لا يجزئ إلا بالماء، ومن لم يجده تيمم بالصعيد الطيب (^٣).
٢ - ولأن ما ورد في الوضوء بالنبيذ كل طرقها فيها
_________________
(١) انظر: المبسوط ١/ ٨٨؛ الهداية ١/ ١١٩؛ العناية ١/ ١٩٩.
(٢) انظر: الأصل ١/ ٧٥؛ الهداية ١/ ١١٨؛ شرح العمدة ١/ ٦١؛ فتح القدير ١/ ١١٩؛ فتح الباري ١/ ٤٢٢. وقال ابن الهمام في فتح القدير ١/ ١١٩: (قوله: (والحديث مشهور) نظر فيه، إذا المشهور ما كان أحادًا في الأصل ثم تواتر عند المتأخرين، وليس هذا كذلك، بل تكلم فيه كثير من المتأخرين، وإن لم يصح كلامه فوجب تصحيح الرواية الموافقة لقول أبي يوسف؛ لأن آية التيمم ناسخة له؛ لتأخرها إذ هي مدنية وعلى هذا مشى جماعة من المتأخرين).
(٣) انظر: الأوسط ١/ ٢٥٧.
[ ١ / ٣٧٩ ]
كلام، إما لضعف راو فيها، أو لجهالته، ولذلك جزم غير واحد من أهل العلم من المحدثين والفقهاء بضعف كل ما ورد فيه (^١).
٣ - إن صح خبر الوضوء بالنبيذ فيكون منسوخًا بآية التيمم؛ لأن ذلك كان بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة بلا خلاف، فتكون ناسخة له (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) راجع طرق هذه الأحاديث والكلام عليها في دليل القول بالنسخ. وانظر: الأوسط ١/ ٢٥٦؛ شرح معاني الآثار ١/ ٩٥؛ مختصر سنن أبي داود للمنذري ١/ ٨٢؛ المجموع ١/ ١٤١؛ فتح الباري ١/ ٤٢٢؛ فتح القدير لابن الهمام ١/ ١١٩.
(٢) انظر: الأصل ١/ ٧٥؛ الهداية ١/ ١١٨؛ شرح العمدة ١/ ٦١؛ فتح القدير ١/ ١١٩؛ فتح الباري ١/ ٤٢٢. والأحاديث التي ذكر فيها قدوم وفد الجن والوضوء بالنبيذ فيها صراحة بأنها كانت بمكة، وقد ذكر أبو نعيم الأصفهاني في دلائل النبوة ٢/ ٤٧٠ - ٤٧٣، عن طريق الواقدي -وهو متروك-أنه قدم عليه الجن الحجون-شعب بمكة-في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من النبوة، وأنهم كانوا ثلاثمائة، وكان ذلك بعد ما انصرف من استمع منهم إلى رسول الله -ﷺ- من أهل نصيبين من بطن نخلة، فجاؤوا إلى قومهم منذرين، فخرجوا وافدين إلى رسول الله -ﷺ-. كما ذكر البيهقي في دلائل النبوة ٢/ ٢٣١ - ٢٣٢، عن طريق أبي الجوزاء عن ابن مسعود قال: انطلقت مع النبي -ﷺ- ليلة الجن حتى أتى الحجون، فخط علي خطًا ..) ثم من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه قرأ عليهم -أي الجن-بشعب يقال له: الحجون). فهذا كله يدل على أن ذلك كان بمكة قبل الهجرةوالله أعلم.
[ ١ / ٣٨٠ ]