ذهب بعض أهل العلم إلى أن سؤر (^١) الهر طاهر، وأن الآثار الدالة على نجاسة الهرة منسوخة بالآثار الدالة على طهارتها. ويظهر هذا من صنيع ابن شاهين في كتابه " ناسخ الحديث ومنسوخه" (^٢)، كما أشار إلى ذلك ابن الجوزي في كتابه " إعلام العالم بعد رسوخه بحقائق ناسخ الحديث ومنسوخه" (^٣).
وذكر الكاساني (^٤): أن ماروي من الحديث - أي في طهارة الهرة-يحتمل أنه كان قبل تحريم السباع، ثم نسخ على مذهب الطحاوي (^٥).
_________________
(١) السؤر جمعه أسآر، وهو في اللغة بقية الشيء، وبقية الماء التي يبقيها الشارب في الإناء أو في الحوض. انظر: المغرب ١/ ٣٧٨؛ مختار الصحاح ص ٢٤٧؛ المصباح المنير ص ٢٩٩؛ القاموس المحيط ص ٣٦٤. والسؤر في اصطلاح الفقهاء: بقية طعام الحيوان وشرابه. شرح الزركشي ١/ ٤٦.
(٢) ص ٢٣٦.
(٣) ص ٧٣.
(٤) هو: أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، علاء الدين السمرقندي، تفقه على علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي، ومن مؤلفاته: "بدائع الصنائع " وتوفي في رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة. انظر: الجواهر المضية للقرشي ٤/ ٢٥؛ تاج التراجم لابن قطلوبغا ص ٣٢٧.
(٥) بدائع الصنائع ١/ ٢٠٥.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وتبين منه أنه ليس للقول بالنسخ في هذه المسألة أي أثر في اختلاف الفقهاء فيها، وإنما سبب الاختلاف فيها هو اختلاف الأدلة الواردة فيها، كما سيظهر ذلك من عرض الأقوال والأدلة.
ويستدل لمن قال بنسخ ما ورد في نجاسة الهرة بما يلي:
أولًا: عن كبشة بنت كعب بن مالك (^١)، -وكانت تحت ابن أبي قتادة-أن أبا قتادة (^٢) دخل، فسكبت له وضوءًا فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله -ﷺ- قال: «إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات (^٣) (^٤).
_________________
(١) هي: كبشة بنت كعب بن مالك الأنصارية، زوج عبد الله بن أبي قتادة، قال ابن حبان: لها صحبة، وتبعه الزبير بن بكار، والمستغفري، وروى عن أبي قتادة، وروى عنها حميدة أم يحيى. انظر: الكاشف للذهبي ٣/ ٤٣٤؛ الإصابة ٤/ ٢٦١٩؛ التهذيب ١٢/ ٣٩٧.
(٢) أبو قتادة: المشهور أن اسمه: الحارث بن ربعي بن بلدمة، السلمي، المدني، أبو قتادة، فارس رسول الله -ﷺ-، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أنس بن مالك، وجابر، وغيرهما، وشهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، وتوفي سنة أربع وخمسين على المشهور. انظر: الاستيعاب ٤/ ١٦١؛ تهذيب التهذيب ١٢/ ١٨٣.
(٣) أي أنها كخدم البيت، ومن يطوف على أهله للخدمة ومعالجة الأمور. انظر: معالم السنن للخطابي ١/ ٦٠.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٧، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، ح (٧٥) والترمذي في سننه ص ٣٣، كتاب الطهارة، باب ما جاء في سؤر الهرة، ح (٩٢)، والنسائي في سننه ص ١٩، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، ح (٦٨)، وابن ماجة في سننه ص ٨٢، كتاب الطهارة، باب الوضوء بسؤر الهرة والرخصة في ذلك، ح (٣٦٧) والإمام مالك في الموطأ ص ٥٠، والشافعي في الأم ١/ ٤٧، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٦، وأحمد في المسند ٣٧/ ٢٧٢، والدارمي في سننه ١/ ٢٠٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٩، والدارقطني في سننه ١/ ٧٠، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٦٣، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٢، وفي الصغرى ١/ ١٤٠، وفي معرفة السنن والآثار ٢/ ٦٧، والبغوي في شرح السنة ٢/ ٦٩. والحديث هذا صححه الترمذي في سننه ص ٣٣، وقال: (وهو أحسن شيء في هذا الباب، وقد جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، ولم يأت به أحد أتم من مالك). كما صححه الحاكم في المستدرك ١/ ٢٦٣، وقال: (وهذا الحديث مما صححه مالك واحتج به في الموطأ ومع ذلك فإن له شاهدًا بإسناد صحيح). وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ٥٩: (ورواه الدارقطني وقال: إسناد حسن ورواته ثقات معروفون). وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ١/ ٤١: (وصححه البخاري والترمذي والعقيلي، والدارقطني، وساق له في الإفراد طريقًا غير طريق إسحاق). وقال الشوكاني في نيل الأوطار ١/ ٣٥: (وصححه البخاري والعقيلي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني). وكذلك صححه البغوي في شرح السنة ٢/ ٧٠، والبيهقي في معرفة السنن ٢/ ٦٧، والذهبي في تلخيص المستدرك ١/ ٢٦٣، والشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ص ٣٣. وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ١٣٧: (قال الشيخ تقي الدين في الإمام: رواه ابن خزيمة وابن منده في صحيحيهما ولكن ابن مندة قال: وحميدة وخالتها كبشة لا يعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث ومحلهما محل الجهالة، ولا يثبت هذا الخبر من وجه من الوجوه، قال الشيخ: وإذا لم يعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث فلعل طريق من صححه أن يكون اعتمد على إخراج مالك لروايتهما مع شهرته بالتثبت). وتعقب ابن حجر على قول ابن مندة فقال في التلخيص ١/ ٤٢: (فأما قوله: إنهما لا يعرف لهما إلا هذا الحديث فمتعقب بأن لحميدة حديثًا آخر في تشميت العاطس رواه أبو داود، ولها ثالث رواه أبو نعيم في المعرفة، وأما حالهما فحميدة روى عنها مع إسحاق ابنه يحيى وهو ثقة عند ابن معين، وأما كبشة فقيل: إنها صحابية، فإذا ثبت فلا يضر الجهل بحالها والله أعلم).
[ ١ / ٢٦٣ ]
وفي رواية عنها قالت: دخل علي أبو قتادة فسأل الوضوء، فمرت به الهرة فأصغى الإناء إليها، فجعلتُ أنظر كأني أنكر ما يصنع، فقال: يا ابنة أخي إن رسول الله -ﷺ- قال لنا: «إنها ليست بنجسة؛ إنها من الطوافين والطوافات» (^١).
وأعل: بأن قوله في الحديث: (إنها ليست بنجس) من قول أبي قتادة؛ لما جاء في رواية لهذا الحديث وفيه: عن أبي قتادة أنها ليست بنجس، وقال: قال رسول الله -ﷺ-: (هي من الطوافين عليكم) فلم يضفه إلى رسول الله -ﷺ- (^٢).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٣.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٩؛ شرح مشكل الآثار ١/ ٢٤٨؛ التمهيد ٢/ ٨٨؛ التلخيص الحبير ١/ ٤٣.
[ ١ / ٢٦٥ ]
كما أن قوله: (ليست بنجس) يحتمل أن يكون أريد به كونها في البيوت ومماستها الثياب لا في طهارة سؤرها (^١).
وأجيب عنه: بأنه اعتلال عليل لا معنى له؛ وذلك لأن الحديث من طريق الإمام مالك-وهو أصح الناس له نقلًا- فيه: أن رسول الله -ﷺ- قال: (إنها ليست بنجس) (^٢).
ويؤكد كون ذلك من كلام رسول الله -ﷺ- لا من قول أبي قتادة الروايات والأدلة الآتية، كما أن فيها دلالة على أن المراد بذلك طهارة سؤرها، لا في كونها في البيوت ومماستها الثياب (^٣).
ثانيًا: عن عبد الله بن أبي قتادة (^٤) عن أبيه أنه كان يتوضأ فمرت به هرة فأصغى إليها وقال: إن رسول الله -ﷺ- قال: «ليست بنجسة» (^٥).
وفي رواية عنه قال: كان أبو قتادة يصغي الإناء للهر فيشرب ثم يتوضأ به، فقيل له في ذلك، فقال: «ما صنعت إلا ما رأيت رسول الله -ﷺ- يصنع» (^٦).
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٩؛ شرح مشكل الآثار ١/ ٢٤٨.
(٢) انظر: التمهيد ٢/ ٨٨؛ التلخيص الحبير ١/ ٤٣.
(٣) انظر: معرفة السنن والآثار ٢/ ٧١.
(٤) هو: عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري السلمي، أبو إبراهيم، ثقة، روى عن أبيه وجابر، وروى عنه يحيى ابن أبي كثير، وزيد بن أسلم، وغيرهما، وتوفي سنة تسع وتسعين، وقيل غير ذلك. انظر: الكاشف ٢/ ١٠٦؛ التهذيب ٥/ ٣١٨.
(٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٣، ونحوه الشافعي في الأم ١/ ٤٧.
(٦) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٣.
[ ١ / ٢٦٦ ]
ثالثًا: عن أبي أسيد (^١)، قال: إن أبا قتادة كان يصغي الإناء للهرة فتشرب منه ثم يتوضأ بفضلها، فقيل له: أتوضأ بفضلها؟ فقال: إن رسول الله -ﷺ- قال: «إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم» (^٢).
رابعًا: عن أم داود بن صالح (^٣) أن مولاتها أرسلتها بهريسة (^٤) إلى عائشة -﵂- فوجدتها تصلي، فأشارت إليَّ أن ضعيها، فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة، فقالت: إن رسول الله -ﷺ- قال: «إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم. وقد رأيت رسول الله -ﷺ- يتوضأ بفضلها» (^٥).
_________________
(١) هو: أبو أسيد -واسمه يزيد- البراد، روى عن معاذ بن عبد الله، وروى عنه ابنه أسيد وابن أبي ذئب. انظر: الكاشف ٢/ ٢٧١؛ التهذيب ١٢/ ١٢؛ التقريب ١/ ١٠٣.
(٢) قال ابن حجر في التلخيص ١/ ٤١ - بعد ذكر الدارقطني-: (وساق له في الإفراد طريقًا غير طريق أبي إسحاق فروى من طريق الدراوردي عن أسيد بن أبي أسيد عن أبيه أن أبا قتادة كان يصغي الإناء للهرة -) فذكره.
(٣) هي أم داود بن صالح بن دينار التمار المدني، قال الطحاوي: هي غير معروفة عند أهل العلم. انظر: شرح مشكل الآثار ١/ ٢٤٥.
(٤) الهرس الدق، والهريسة: هي الحب المدقوق بالمهراس إذا طبخ. انظر: مختار الصحاح ص ٦١١؛ المصباح المنير ص ٦٣٧.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٧، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، ح (٧٦) والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١/ ٢٤٥، والدارقطني في سننه ١/ ٧٠ وقال: (رفعه الدراوردي عن داود بن صالح، ورواه عنه هشام بن عروة ووقفه على عائشة). وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٤، ومعرفة السنن ٢/ ٦٩. وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٤٢: (ورواه الدارقطني وقال: تفرد برفعه داود بن صالح، وكذا قال الطبراني والبزار وقال: لا يثبت). وفي سنده أم داود، قال الطحاوي في شرح مشكل الآثار ١/ ٢٤٥: (وليست من أهل الرواية التي يؤخذ مثل هذا عنها ولا هي معروفة عند أهل العلم).
[ ١ / ٢٦٧ ]
خامسًا: عن عائشة﵂- قالت: «كنت أتوضأ أنا ورسول الله -ﷺ- من إناء واحد قد أصابت منه الهرة قبل ذلك» (^١).
وفي رواية عنها﵂- أن النبي -ﷺ- قال: «إنها ليست بنجس هو كبعض أهل البيت» (^٢) -يعني الهر-.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٨٢، كتاب الطهارة، باب الوضوء بسؤر الهرة والرخصة في ذلك، ح (٣٦٨) والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٩، وشرح مشكل الآثار ١/ ٢٤٤، والدارقطني في سننه ١/ ٦٩، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه ص ٢٣٨، ولفظه (كنت أغتسل) بدل (أتوضأ). وفي سنده حارثة بن أبي الرجال، وقد ضعفه أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والطحاوي وابن حجر. وقال البخاري منكر الحديث. انظر: شرح مشكل الآثار ١/ ٢٤٤؛ التهذيب ٢/ ١٥٣، التقريب ١/ ١٨٠.
(٢) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٥٤، والدارقطني في سننه ١/ ٦٩، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٦٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٤، وصحح سنده الحاكم في المستدرك ١/ ٢٦٤، والذهبي في التلخيص ١/ ٢٦٣. وفي سنده سليمان بن مسافع الحجبي، قال عنه الذهبي في الميزان ٢/ ٢٢٣: (سليمان بن مسافع الحجبي عن منصور بن صفية لا يعرف وأتى بخبر منكر). ورده ابن حجر في لسان الميزان ٣/ ٤١٠ فقال: (قلت: وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وليس فيه نكارة كما زعم المصنف، أخرجه من رواية محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الرازي المذكور وهو شيخ ابن أبي حاتم). ملحوظة: صحح الذهبي سند هذا الحديث في التلخيص -كما سبق ذكره-مع أن فيه سليمان بن مسافع. وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ٦٠: (وسليمان بن مسافع لا يعرف، ولم يذكره ابن أبي حاتم في كتابه، وقد ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء وروى هذا الحديث في ترجمته وقال: لا يتابع عليه. وروى ابن خزيمة هذا الحديث في صحيحه من طريقه).
[ ١ / ٢٦٨ ]
وفي رواية أخرى عنها﵂- قالت: «كان رسول الله -ﷺ- تمرّ به الهرة فيصغي لها الإناء فتشرب ثم يتوضأ بفضلها» (^١).
سادسًا: عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يضع
_________________
(١) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٣٧، والدارقطني في سننه ١/ ٦٧. وفي سنده عبد الله بن سعيد المقبري، قال عنه الدارقطني في سننه ١/ ٦٧، وأبو الطيب محمد أبادي في التعليق المغني ١/ ٦٦: (ضعيف). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٤٢: متفق على ضعفه. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٩، عن طريق أخرى بلفظ: (أن رسول الله -ﷺ- كان يصغي الإناء للهر ويتوضأ بفضله). وفي سنده صالح بن حيان، وهو منكر الحديث قاله أبو الطيب محمد آبادي في التعليق المغني ١/ ٦٧. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٢١ بلفظ: (عن عائشة قالت: كان رسول الله -ﷺ- يمر به الهر فيصغي له الإناء فيشرب منه فيتوضأ بفضله) قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجاله موثقون).
[ ١ / ٢٦٩ ]
الإناء للسنور فيلغ فيه ثم يتوضأ من فضله» (^١).
سابعًا: عن أنس بن مالك -﵁- قال: خرج رسول الله -ﷺ- إلى أرض بالمدينة يقال لها بطحان، فقال: «يا أنس اسكب لي وضوءًا» فسكبت له فلما قضى رسول الله -ﷺ- حاجته أقبل إلى الإناء وقد أتى هر فولغ في الإناء فوقف له رسول الله -ﷺ- وقفة حتى شرب الهر، ثم توضأ، فذكرت لرسول الله -ﷺ- أمر الهر، فقال: «يا أنس إن الهر من متاع البيت لن يقذر شيئًا ولن ينجسه» (^٢).
ويستدل من هذه الأدلة: بأنها تدل على طهارة الهرة وسؤرها (^٣)، ولعل بعض من قال بطهارة سؤرها يرى أن هذه الأدلة متأخرة وناسخة للأحاديث الواردة في غسل الإناء من ولوغ الهرة (^٤).
ويعترض عليه: بأنه ليس في هذه الأدلة ما يدل على أنها متأخرة عن
_________________
(١) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٣٩.
(٢) أخرجه الطبراني في معجمه الصغير ١/ ٢٢٧. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٢١: (رواه الطبراني في الصغير وفيه عمر بن حفص المكي وثقه ابن حبان، قال الذهبي: لا يدرى من هو). وانظر قول الذهبي فيه في الميزان ٣/ ١٩٠.
(٣) انظر: الأم ١/ ٤٤؛ الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ١٧٧؛ العزيز ١/ ٣٥؛ المغني ١/ ٧٠؛ الممتع ١/ ٢٧٧.
(٤) انظر: ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين ص ٢٣٦ - ٢٣٩؛ ناسخ الحديث لابن الجوزي ص ٧٣.
[ ١ / ٢٧٠ ]
الأدلة التي تدل على غسل الإناء من ولوغ الهرة حتى تكون ناسخة لها (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في حكم سؤرالهرة على أربعة أقوال:
القول الأول: أن سؤر الهرة مكروه، ويستحب أن لا يتوضأ به، فإن توضأ به أجزأه.
وهو قول أبي حنيفة، ومحمد (^٢)، ومذهب الحنفية (^٣).
والقول بالكراهة رواية عن أبي هريرة، وابن عمر﵄- (^٤).
وهو كذلك قول يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن أبي ليلى (^٥)،
_________________
(١) قال ابن الجوزي في ناسخ الحديث ص ٧٣: (قلت: ومن أين لهم تاريخ أن هذا بعد هذا).
(٢) هو: محمد بن حسن بن فرقد الشيباني، صحب أبا حنيفة وعنه أخذ الفقه، ثم عن أبي يوسف، وروى عن مالك، وغيره. وروى عنه: أبو عبيد، وابن معين، وغيرهما. لينه النسائي وغيره من قبل حفظه. وهو الذي نشر علم أبي حنيفة بتصانيفه، وولي قضاء الرقة للرشيد ثم قضاء الري وبها توفي سنة تسع وثمانين ومائة. انظر: تاج التراجم ص ٢٣٧؛ الجواهر المضية ٣/ ١٢٢؛ الفوائد البهية ص ١٦٣؛ ميزان الاعتدال ٤/ ٤٣٣.
(٣) انظر: الأصل لمحمد ١/ ٢٧؛ شرح معاني الآثار ١/ ٢١؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١١٩؛ مختصر القدوري ص ١٤؛ البدائع ١/ ٢٠٤؛ المحيط البرهاني ١/ ١٣٨؛ اللباب للمنبجي ١/ ٥٧؛ الاختيار ١/ ١٩.
(٤) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٠؛ التمهيد ١/ ٣٠٥؛ الاستذكار ١/ ٢٠٥؛ المغني ١/ ٧٠.
(٥) هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، أبو عبد الرحمن، قاضي الكوفة، صدوق سيئ الحفظ، روى عن: نافع، وأبي الزبير، وغيرهما، وروى عنه: شعبة، ووكيع، وغيرهما، وكان فقيهًا، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة. انظر: ميزان الاعتدال ٥/ ٥٩؛ تهذيب التهذيب ٩/ ٢٦٠؛ تقريب التهذيب ٢/ ١٠٥؛ شذرات الذهب ١/ ٢٢٤.
[ ١ / ٢٧١ ]
ورواية عن سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وسفيان الثوري (^١).
القول الثاني: أن سؤر الهر طاهر.
وهو قول أبي يوسف (^٢) من الحنفية (^٣)، ومذهب المالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).
وبه قال من الصحابة: العباس بن عبد المطلب (^٧)، وعلى ابن أبي
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ٢٩٩؛ التمهيد ٢/ ٨٩؛ الاستذكار ١/ ٢٠٥؛ المغني ١/ ٧٠.
(٢) هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد، أبو يوسف القاضي، وروى عن: الأعمش، وهمام بن عروة، وغيرهما. وروى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهما، وتفقه بأبي حنيفة ولازمه سبع عشرة سنة، ووثقه ابن معين، وتولى القضاء للمهدي ثم لابنيه، وتوفي سنة اثنتين وثمانين ومائة. انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٤١؛ البداية والنهاية ١/ ١٦٢؛ شذرات الذهب ١/ ٢٩٨.
(٣) انظر قوله في: شرح معاني الآثار ١/ ٢١؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١١٩؛ بدائع الصنائع ١/ ٢٠٤.
(٤) انظر: الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ١٧٧، التمهيد ٢/ ٩٠؛ الاستذكار ١/ ٢٠٣؛ عقد الجواهر ١/ ١٠.
(٥) انظر: الأم ١/ ٤٤؛ مختصر المزني ص ١٧؛ التعليقة للقاضي حسين ١/ ٤٧٨؛ العزيز ١/ ٣٥؛ الروضة ١/ ١٤٣.
(٦) انظر: المغني ١/ ٧٠؛ الممتع شرح المقنع ١/ ٢٧٧؛ الشرح الكبير ٢/ ٣٥٨؛ الفروع ١/ ٣٣٣؛ شرح الزركشي ١/ ٤٨؛ الإنصاف ٢/ ٣٥٨؛ زاد المستقنع ص ٩.
(٧) هو: العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو الفضل، عم رسول الله -ﷺ-، وكان إليه في الجاهلية السقاية والعمارة، وأسلم عام الفتح، وقيل: قبل ذلك. وهاجر قبل الفتح بقليل، وشهد الفتح، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابنه عبد الله، وعامر بن سعيد، وغيرهما، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين، وقيل بعد ذلك. انظر: البداية والنهاية ٧/ ١٤٣ - ١٤٤؛ الإصابة ٢/ ١٠٠٠.
[ ١ / ٢٧٢ ]
طالب، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة (^١)، وأبو قتادة، والحسن (^٢)، والحسين (^٣)، وعمار بن ياسر (^٤)، وأبو أمامة (^٥) -﵃-. وهو كذلك رواية عن ابن عمر، وأبي هريرة﵄ (^٦).
وهو
_________________
(١) أم سلمة- أم المؤمنين-هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله، المخزومية القرشية، مشهورة بكنيتها ومعروفة باسمها، هاجرت الهجرتين، وتزوجها رسول الله -ﷺ- بعد أبي سلمة سنة أربع-وقيل: ثلاث-وتوفيت سنة اثنين وستين. انظر: الاستيعاب ٤/ ٤٢١؛ الإصابة ٤/ ٢٧٠٢؛ تقريب التهذيب ٢/ ٦٦٢.
(٢) هو: الحسن بن علي ابن أبي طالب الهاشمي، سبط رسول الله -ﷺ- وريحانته من الدنيا، ولد للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، سماه النبي -ﷺ- حسنًا، وكان أشبه الناس برسول الله -ﷺ-، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابن سيرين، وعكرمة، وغيرهما، وتوفي سنة تسع وأربعين، وقيل غير ذلك. انظر: البداية والنهاية ٨/ ٣٠؛ التهذيب ٢/ ٢٧٠.
(٣) هو: الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المدني، سبط رسول الله -ﷺ-، روى عن النبي -ﷺ- وروى عنه: الشعبي، وعكرمة، وغيرهما، وقتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. انظر: الإصابة ١/ ٣٧٨؛ تهذيب التهذيب ٢/ ٣١٣.
(٤) هو: عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي أبو اليقظان، مولى بني مخزوم، أسلم قديمًا وشهد بدرًا وما بعدها، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابن عباس، وعبد الله بن جعفر، وغيرهما، وقتل في وقعة صفين سنة سبع وثلاثين. انظر: البداية والنهاية ٧/ ٢٧٦؛ التهذيب ٧/ ٣٤٥؛ التقريب ١/ ٧٠٨.
(٥) هو: صدى بن عجلان بن وهب، ويقال: ابن عمرو- أبو أمامة الباهلي، روى عن النبي -ﷺ-، وروىعنه: مكحول الشامي، ورجاء بن حيوة، وغيرهما، قال ابن عيينة: (هو آخر من مات من الصحابة بالشام) وتوفي سنة ست وثمانين -وقيل غير ذلك-. انظر: الإصابة ١/ ١٨٧؛ تهذيب التهذيب ٤/ ٣٨٤.
(٦) انظر أقوالهم في: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٧؛ الأوسط ١/ ٣٠١؛ التمهيد ٢/ ٨٩؛ الاستذكار ١/ ٢٠٤.
[ ١ / ٢٧٣ ]
كذلك قول علقمة (^١)، وإبراهيم النخعي،
وعكرمة (^٢)، وعطاء بن يسار (^٣)، والليث ابن سعد، والأوزاعي، وأبي عبيد، وأبي ثور، والحسن
_________________
(١) هو: علقمة بن قيس بن عبد الله، أبو شبل النخعي، الكوفي، الفقيه، روى عن عمر، وعثمان، وغيرهما، وروى عنه: إبراهيم النخعي، والشعبي، وغيرهما، وكان من أنبل أصحاب ابن مسعود، وتوفي سنة اثنتين وستين- وقيل غير ذلك-. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٤٨؛ البداية والنهاية ٨/ ١٩١؛ تهذيب التهذيب ٧/ ٢٣٧.
(٢) هو: عكرمة البربري، أبو عبد الله المدني، مولي ابن عباس، ثقة ثبت، تُكلم فيه لرأيه لا لحفظه، فاتهم برأي الخوارج، وروى عن علي، وابن عباس، وغيرهما، وروى عنه إبراهيم النخعي والشعبي، وغيرهما، وتوفي سنة خمس ومائة. انظر: ميزان الاعتدال ٤/ ١٣؛ تهذيب التهذيب ٧/ ٢٢٨.
(٣) هو: عطاء بن يسار الهلالي أبو محمد المدني، مولى ميمونة -﵂- روى عن: أبي هريرة وابن عمر، وغيرهما، وروى عنه: حبيب ابن أبي ثابت، وعمرو بن دينار وغيرهما، وكان ثقة فاضلًا، وتوفي سنة أربع وتسعين، وقيل غير ذلك. انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٧٧؛ التهذيب ٧/ ١٨٨؛ التقريب ١/ ٦٧٦.
[ ١ / ٢٧٤ ]
بن صالح، وإسحاق بن راهوية، وابن المنذر. وهو رواية عن الحسن البصري، وسفيان الثوري (^١).
القول الثالث: أن سؤر الهر نجس، ويغسل الإناء منه سبعًا كما يغسل من الكلب.
وهو رواية عن أبي هريرة -﵁-، وقول مجاهد، وطاوس (^٢).
القول الرابع: أنه يراق ما ولغ فيه الهر، ويغسل الإناء منه مرة أو مرتين.
وهو قول عطاء ابن أبي رباح، ورواية عن أبي هريرة -﵁-، وسعيد بن الميسب، ومحمد بن سيرين، والحسن البصري، ويحيى بن سعيد الأنصاري (^٣).
الأدلة:
ويستدل للقول الأول- وهو أن سؤر الهرة مكروه- بما يلي:
أولًا: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات، أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة
_________________
(١) انظر أقوالهم في: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٧؛ الأوسط ١/ ٣٠١ - ٣٠٣؛ شرح معاني الآثار ١/ ١٩؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١١٩؛ التمهيد ٢/ ٩٠؛ الاستذكار ١/ ٢٠٣، ٢٠٥.
(٢) انظر: الأوسط ١/ ٣٠٠؛ شرح معاني الآثار ١/ ٢٠؛ سنن الدارقطني ١/ ٦٩؛ التمهيد ٢/ ٨٩؛ الاستذكار ١/ ٢٠٤؛ المغني ١/ ٧١.
(٣) انظر: الأوسط ١/ ٣٠٠؛ شرح مشكل الآثار ١/ ٢٤٢؛ شرح معاني الآثار ١/ ٢١؛ التمهيد ٢/ ٨٩؛ الاستذكار ١/ ٢٠٥.
[ ١ / ٢٧٥ ]
غسل مرة» (^١).
وفي رواية عنه -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين» -قرة شك- (^٢).
فهذا الحديث يدل على نجاسة سؤر الهرة، كدلالته على نجاسة سؤر الكلب، وإن كان يخالفه فيما يطهر منهما، فجُعل في الكلب سبعًا، وفي الهر مرة (^٣).
واعترض عليه بما يلي:
أ-أن ذكر الهر في هذه الروايات مرفوعًا مدرج من بعض الرواة،
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه ص ٣٣، كتاب الطهارة، باب ما جاء في سؤر الكلب، ح (٩١)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١/ ٢٤٢، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٣٦، والدارقطني في سننه ١/ ٦٨، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٥. وصححه الترمذي وقال: (وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- نحو هذا ولم يذكر فيه (وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة) وكذلك صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ص ٣٣.
(٢) هو: قرة بن خالد السدوسي أبو خالد البصري، ثقة ضابط، وتوفي سنة خمس وخمسين ومائة، وقيل غير ذلك. انظر: الكاشف ٢/ ٣٤٤؛ التقريب ٢/ ٢٩. والحديث أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٩ - وصحح سنده وأنه متصل- وفي شرح مشكل الآثار ١/ ٢٤٠، والدارقطني في سننه ١/ ٦٤ - وقال: هذا صحيح-والحاكم في المستدرك ١/ ٢٦٤ - وصححه، ووافقه الذهبي في التلخيص-والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٤.
(٣) انظر: شرح مشكل الآثار ١/ ٢٤٢.
[ ١ / ٢٧٦ ]
والصحيح وقفه، يدل على ذلك ويوضحه رواية نصر بن علي (^١) الجهضمي، فإن فيها:
عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب» ثم ذكر أبو هريرة الهر لا أدري قال: مرة أو مرتين. (^٢).
قال نصر بن علي: وجدته في كتاب أبي (^٣) في موضع آخر عن قرة عن ابن سيرين عن أبي هريرة في الكلب مرفوعًا وفي الهر موقوفًا (^٤).
_________________
(١) هو: نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، روى عن: أبيه، ووكيع، وغيرهما، وروى عنه: البخاري ومسلم، وغيرهما، ووثقه غير واحد، وتوفي سنة خمسين ومائتين، وقيل غير ذلك. انظر: الكاشف ٣/ ١٧٧؛ التهذيب ٧/ ٣٨٤؛ التقريب ٢/ ٢٤٣.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٢٦٥؛ والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٤، وفي معرفة السنن ٢/ ٧٠.
(٣) هو: علي بن نصر بن على بن صهبان الجهضمي الأزدي، روى عن: هشام الدستوائي، وخالد بن قيس، وغيرهما، وروى عنه: ابنه نصر، ووكيع، وغيرهما، وكان ثقة، وتوفي سنة سبع وثمانين ومائة. انظر: التهذيب ٧/ ٣٢٩؛ التقريب ١/ ٧٠٤.
(٤) انظر: المستدرك للحاكم ١/ ٢٦٥؛ والسنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٧٤، ومعرفة السنن له ٢/ ٧٠. وقد ورد ذكر الهر موقوفًا على أبي هريرة في طريق كل من: - المعتمر، وحماد بن زيد، ومعمر، كلهم عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة به. - هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة به. - نصر بن علي عن أبيه، ومسلم بن إبراهيم كلاهما عن قرة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة به. وقد قال بوقفه كل من الدارقطني والحاكم والبيهقي، وصححه فقال: (والصحيح أنه في ولوغ الكلب مرفوع وفي ولوغ الهر موقوف). انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٠؛ سنن الدارقطني ١/ ٦٨؛ المستدرك للحاكم ١/ ٢٦٥؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٧٥؛ معرفة السنن ٢/ ٧٠؛ التنقيح لابن عبد الهادي ١/ ٦٢.
[ ١ / ٢٧٧ ]
وأجيب عنه: بأن الحديث رواه غير واحد عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا، فهم زادوا الرفع، وزيادة الثقة مقبولة (^١).
وأن وقف من وقفه على أبي هريرة لا يضر؛ لأن محمد بن سيرين كان يفعل هذا في حديث أبي هريرة يوقفها عليه، فإذا سئل عنها رفعها، وكان يقول: كل حديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ- (^٢).
_________________
(١) انظر: شرح مشكل الآثار ١/ ٢٤٣؛ الجوهر النقي لابن التركماني ١/ ٣٧٦. وذكر الهرة مرفوعًا ورد في طريق كل من: - معتمر بن سليمان وعبد الوارث كلاهما عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة به. - أبي عاصم الضحاك عن قرة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة به. - جعفر بن واقد عن ابن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة به. قال ابن التركماني: هؤلاء أيضا جماعة وقد زادوا الرفع، وزيادة الثقة مقبولة على ما عرف. انظر: سنن الترمذي ص ٣٣؛ شرح معاني الآثار ١/ ١٩؛ المستدرك ١/ ٢٤٦؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٧٥؛ الجوهر النقي ١/ ٣٧٦.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٠؛ شرح مشكل الآثار ١/ ٢٤٣؛ الجوهر النقي ١/ ٣٧٦.
[ ١ / ٢٧٨ ]
ب- أن الروايات عن أبي هريرة -﵁- في ولوغ الهر مختلف فيها، فروي عنه أنه يغسل الإناء من ولوغ الهر مرة، وروي عنه: مرة أو مرتين، وروي عنه: سبع مرات، وروي عنه الرخصة في ذلك.
وبعض هذه الروايات مرفوعة، وبعضها موقوفة، وبعضها رويت مرة مرفوعة ومرة موقوفة، ولو كان عنده رواية صحيحة عن النبي -ﷺ- لم يختلف قوله فيها (^١).
وإذًا فالواجب الرجوع إلى ما ثبت عن رسول الله -ﷺ- في الهرة وسؤرها وهو حديث أبي قتادة -﵁-.
ثانيًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الهر سبع» (^٢).
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ٣٠١؛ سنن الدارقطني ١/ ٦٧؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٧٧؛ معرفة السنن والآثار ٢/ ٧١.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٨؛ والإمام أحمد في المسند ١٥/ ٤٤٢، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١/ ٢٥٣، والدارقطني في سننه ١/ ٦٣ - وقال تفرد به عيسى بن المسيب عن أبي زرعة وهو صالح الحديث- وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٢٩٢، وقال: (هذا حديث صحيح ولم يخرجاه وعيسى المسيب تفرد به عن أبي زرعة إلا أنه صدوق ولم يجرح قط) وتعقبه الذهبي فقال في التلخيص: (قال أبو داود: ضعيف -يعني عيسى بن الميسيب، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي). وقال الذهبي في الميزان ٣/ ٣٢٣: (عيسى بن المسيب البجلي الكوفي عن الشعبي وغيره، قال يحيى والنسائي والدارقطني: ضعيف، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: ليس بالقوي، وتكلم فيه ابن حبان وغيره، وقال أبو داود: هو قاضي الكوفة ضعيف). وقال ابن حبان: كان ممن يقلب الأخبار ويخطئ في الآثار ولا يعلمه حتى خرج عن حد الاحتجاج به. وقال ابن حجر: وجازف الحاكم في مستدركه وأخرج حديثه فصححه وقال: لم يجرح قط. انظر: تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة لابن حجر ص ٣٥٨.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وجه الدلالة منه: أن الحديث يدل على أن الهر من السباع، ولحم كل ذي ناب من السباع منهي عنه ومحرم، وكان معقولًا أن ما ماس من الماء شيئًا كان لذلك الماء حكم ذلك الشيء في طهارته وفي نجاسته، فثبت بذلك كراهة سؤر الهر؛ لأنه ماس لحمًا حرامًا (^١).
واعترض عليه بما يلي:
أولًا: بأنه حديث غير صحيح، فلا يصح التعلق به ولا الاستدلال منه (^٢).
ثانيًا: أن هذا الحديث فيه أن الهر سبع، وليس فيه ذكر حكم سؤره هل هو طاهر أو مكروه أو حرام، وقد ورد أحاديث تدل على أن سؤر السباع طاهر، ومنها ما يلي:
١ - عن أبي سعيد الخدري -﵁- أن النبي -ﷺ- سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر، وعن الطهارة منها،
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢١؛ شرح مشكل الآثار ١/ ٢٥٦.
(٢) انظر: تحقيق أحاديث التعليق لابن الجوزي-مع التنقيح لابن عبد الهادي- ١/ ٦١ - ٦٢. وانظر تخريج الحديث وكلام أهل العلم على أحد رواته وهو عيسى بن المسيب.
[ ١ / ٢٨٠ ]
فقال: «لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر طهور» (^١).
٢ - عن أبي هريرة -﵁- قال سئل رسول الله -ﷺ- عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة فقيل له: إن الكلاب والسباع ترد عليها، فقال: «لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور» (^٢).
٣ - عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: «نعم وبما أفضلت السباع كلها» (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ١٠٤، كتاب الطهارة، باب الحياض، ح (٥١٩). وفي سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال ابن عدي: له أحاديث حسان وهو ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم، وهو ممن يكتب حديثه. انظر: التنقيح ١/ ١٦٢. وقد ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وأبو داود والنسائي وأبو زرعة والطحاوي وابن سعد وغيرهم حتى قال ابن الجوزي: ضعيف بإجماعهم. وقال البخاري: روى عن أبيه أحاديث موضوعة. انظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ١٢٠؛ تحقيق أحاديث التعليق لابن الجوزي ١/ ٤٩؛ ميزان الاعتدال ٢/ ٥٦٤؛ زوائد ابن ماجة للبوصيري ص ١٠٧؛ التهذيب ٦/ ١٦٢ - ١٦٣.
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٣١. وفي سنده كذلك عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقد سبق الكلام عليه في الرواية السابقة.
(٣) أخرجه الإمام الشافعي في الأم ١/ ٤٦، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٨، ومعرفة السنن والآثار ٢/ ٦٥، والبغوي في شرح السنة ٢/ ٧١. وفي سنده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، قال الإمام االشافعي: كان قدريًا، وكان ثقة في الحديث. وقال ابن عقدة: نظرت في حديث إبراهيم بن أبي يحيى وليس هو بمنكر الحديث. وقال ابن عدي: هو كما قال ابن عقدة، قد نظرت أنا الكثير في حديثه فلم أجد له حديثًا منكرًا إلا عن شيوخ يحتملون، وقد حدث عنه الثوري وابن جريج والكبار. انظر: ميزان الاعتدال ١/ ٥٨ - ٥٩. وقال الإمام مالك: لم يكن ثقة في الحديث ولا في دينه. وكذبه ابن القطان وابن معين وعلي بن المديني. وقال الإمام أحمد: تركوا حديثه قدري معتزلي، يروي أحاديث ليس لها أصل. وقال البخاري: تركه ابن المبارك والناس. وقال النسائي والدارقطني وابن حجر: متروك. وكذلك ضعفه الدارقطني. انظر: سنن الدارقطني ١/ ٦٢؛ السنن الكبرى ١/ ٣٧٨؛ تحقيق أحاديث التعليق ١/ ٥٠، ميزان الاعتدال ١/ ٥٧ - ٥٨؛ التقريب ١/ ٦٥. كما أن في سنده حصين والد داود بن الحصين الأموي مولاهم، روى عن جابر وأبي رافع، قال البخاري: حديثه ليس بالقائم، وكذا قال أبو حاتم وزاد: ضعيف. وتركه ابن حبان. وقال الذهبي: هو متماسك، وقال ابن حجر: لين الحديث. انظر: التنقيح ١/ ٥٠؛ ميزان الاعتدال ١/ ٥٥٥؛ تهذيب التهذيب ٢/ ٣٥٤؛ التقريب ١/ ٢٢٤.
[ ١ / ٢٨١ ]
وفي رواية عنه -﵁- قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: «وبما أفضلت السباع» (^١).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٦٢، والبيهقي في معرفة السنن ٢/ ٦٦. وفي سنده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وثقه أحمد بن حنبل والعجلي، وقال يحيى بن معين: صالح يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي: هو صالح في باب الرواية ويكتب حديثه مع ضعفه. وقال ابن معين مرة: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، منكر الحديث. وكذلك قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي والدارقطني وابن حجر: ضعيف. وقال الدارقطني مرة: متروك. انظر: سنن الدارقطني ١/ ٦٢؛ التنقيح ١/ ٥٠؛ ميزان الاعتدال ١/ ١٩؛ التهذيب ١/ ٩٥؛ التقريب ١/ ٥٢. كما أن في سنده الحصين والد داود بن الحصين، وقد سبق الكلام عليه في الرواية السابقة.
[ ١ / ٢٨٢ ]
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني بما سبق في أدلة القول بالنسخ
ووجه الاستدلال منها: هو أنها تدل على طهارة الهرة وسؤرها (^١).
دليل القول الثالث:
ويستدل للقول الثالث- وهو أن سؤر الهر نجس ويغسل الإناء منه سبعًا كما يغسل من الكلب- بما يلي:
١ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب» (^٢).
٢ - عن أبي هريرة -﵁- أنه قال في السنور إذا ولغ في الإناء، قال:
_________________
(١) انظر: الأم ١/ ٤٤؛ الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ١٧٧؛ العزيز ١/ ٣٥؛ المغني ١/ ٧٠؛ الممتع ١/ ٢٧٧.
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٦٨، وقال: (لا يثبت هذا مرفوعًا، والمحفوظ من قول أبي هريرة واختلف عنه) ثم ساقه من طريق المحاملي موقوفًا على أبي هريرة. وقال البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٦: (وروي عن روح بن الفرج عن ابن عفير مرفوعًا وليس بشيء).
[ ١ / ٢٨٣ ]
(يغسل سبع مرات) (^١).
٣ - عن أبي هريرة -﵁- قال: (يغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب) (^٢).
فهذه الأدلة تدل على أن سؤر الهر نجس، ويغسل الإناء منه كما يغسل من الكلب (^٣).
واعترض عليه بما يلي:
١ - أنه لا يصح شيئ من ذلك مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- (^٤).
٢ - أما الموقوف على أبي هريرة فهو من فتياه، وقد اختلف عنه في ذلك -كما سبق ذلك- ثم هو قد روى عن النبي -ﷺ- ما هو حجة عليه في ذلك، وهو: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الهر من متاع البيت» (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٧، والدارقطني في سننه ١/ ٦٨، وقال: (موقوف ولا يثبت وليث سيء الحفظ).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٠، والدارقطني في سننه ١/ ٦٨، وقال: (هذا موقوف ولا يثبت عن أبي هريرة، ويحيى بن أيوب في بعض أحاديثه اضطراب) وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٦، وقال: (هكذا رواه ابن عفير موقوفًا، وروي عن روح بن الفرج عن ابن عفير مرفوعًا وليس بشيء).
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٠؛ التمهيد ٢/ ٨٩؛ المغني ١/ ٧١.
(٤) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٠؛ سنن الدارقطني ١/ ٦٨؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٧٦.
(٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٧. وفي سنده حفص بن عمر العدني، قال أبو حاتم: لين الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: عامة حديثه غير محفوظ، وأخاف أن يكون ضعيفًا كما ذكره النسائي. انظر: الجوهر النقي ١/ ٣٧٧. كما أن في سنده الحكم بن أبان، قال ابن التركماني في الجوهر النقي ١/ ٣٧٧: (الحكم هذا وثقه جماعة وقال ابن المبارك: ارم به).
[ ١ / ٢٨٤ ]
على أنه محجوج بما تقدم من حديث أبي قتادة وعائشة وغيرهما عن النبي -ﷺ- (^١).
دليل القول الرابع:
ويستدل للقول الرابع- وهو أنه يراق ما ولغ فيه الهر ويغسل الإناء منه مرة أو مرتين- بما يلي:
أولًا: حديث أبي هريرة مرفوعًا، وفيه: «وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة» (^٢).
ثانيًا: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين» - قرة شك- (^٣).
ووجه الدلالة من الروايتين ظاهر؛ حيث أن فيهما ذكر الغسل من ولوغ الهرة مرة أو مرتين.
وقد سبق الكلام على هذين الروايتين، وما يعترض به على وجه
_________________
(١) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٧٦. وانظر الأحاديث في طهارة سؤر الهر في أدلة القول بالنسخ.
(٢) سبق تخريجه في ص ١٨٣.
(٣) سبق تخريجه في ص ١٨٤.
[ ١ / ٢٨٥ ]
الاستدلال منهما، في دليل القول بالنسخ.
الراجح:
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولًا: أن الراجح هو القول الثاني، وهو طهارة سؤر الهرة، وذلك: لكثرة ما استدلوا به، وقوته، وصراحته، وصحته بالنسبة إلى أدلة الأقوال الأخرى.
أما أدلة الأقوال الأخرى التي تدل على غسل الإناء من ولوغ الهر فهي كلها تدور على أبي هريرة -﵁-، وقد اختلف عليه في ذلك، فروي عنه مرفوعًا، وروي عنه موقوفًا، وروي عنه: مرة، وروي عنه: مرة أو مرتين. وروي عنه: سبع مرات. وروي عنه: كما يغسل من الكلب. وري عنه الرخصة في ذلك (^١).
وأصح هذه الرويات مرفوعًا رواية الغسل مرة، ثم هي مختلف فيها بين الرفع والوقف، وبين إدراجها من بعض الرواة، ووهمهم في ذلك، ولو كان عنده في ذلك رواية صحيحة عن النبي -ﷺ- لم يختلف قوله فيها (^٢).
ثم هذه الروايات عن أبي هريرة -﵁- في غسل الإناء من ولوغ الهرة معارضة بما روى من الرخصة في ذلك، فقد روي عنه حديثان مرفوعان
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ٣٠١؛ سنن الدارقطني ١/ ٦٧، السنن الكبرى ١/ ٣٧٧؛ معرفة السنن والآثار ٢/ ٧١.
(٢) انظر: معرفة السنن والآثار ٢/ ٧١.
[ ١ / ٢٨٦ ]
يدلان على عدم غسل الإناء من ولوغ الهرة، وهما:
١ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الهر من متاع البيت» (^١).
٢ - عن أبي هريرة -﵁- قال: سئل رسول الله -ﷺ- عن الحياض التي تكون فيما بين مكة والمدينة فقيل له: إن الكلاب والسباع ترد عليها، فقال: «لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقي شراب وطهور» (^٢).
والحديثان في إسنادهما كلام على بعض الرواة (^٣) إلا أنه إذا انضم إليهما حديث جابر وأبي سعيد الخدري في سؤر السباع أخذت قوة، وفي معناه حديث أبي قتادة، وقد صححه غير واحد من الأئمة (^٤).
وبهذا كله يتبين ترجيح القول بطهارة سؤر الهر.
ثانيًا: أن ادعاء نسخ ما ورد في نجاسة الهر وسؤره، غير صحيح لوجهين:
الأول: أنه قد سبق أن الروايات في ذلك مختلف في صحتها وضعفها، ورفعها ووقفها على أبي هريرة -﵁-، والنسخ إنما يكون لحكم شرعي ثابت عن النبي -ﷺ-.
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ١٨٩.
(٢) سبق تخريجه في ص ١٨٧.
(٣) راجع تخريجهما في ص ١٨٧، ١٨٩.
(٤) انظر: معرفة السنن والآثار ٢/ ٦٦.
[ ١ / ٢٨٧ ]
الثاني: أنه على تقدير صحة ورفع ما ورد في نجاسة الهر وسؤره، فليس هناك دليل يدل على أن ما ورد في طهارته متأخرة عن ذلك، كما أنه لا دليل على عكس ذلك، حتى يكون أحد الدليلين ناسخا للآخر، لذلك لا يصح القول في المسألة بالنسخ.
والله أعلم.
[ ١ / ٢٨٨ ]