إذا ورد دليلان شرعيان مختلفين في حكم شيء واحد، فإما أن يكون الجمع بينهما ممكنًا أولا، فإن أمكن الجمع فإنه يُجمع بينها، ولا يُصار إلى النسخ؛ لأن في ادعاء النسخ إبطال العمل على أحد الدليلين، وإخراجه عن المعنى المفيد وهو على خلاف الأصل (^١).
أما إذا تحقق ورود دليلين شرعِيَّين متناقضين تناقضًا حقيقيًا، بحيث لا يمكن الجمع بينهما على أي وجه من وجوه الجمع بين الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، فإنه يصار إلى اعتبار أحد الدليلين أو الحكمين ناسخًا والآخر منسوخًا؛ وذلك دفعًا للتناقض في كلام الشارع الحكيم (^٢).
ثم لا بد لاعتبار أحد الدليلين ناسخًا والآخر منسوخًا من دليل صحيح يدل على أن أحدهما متأخر عن الآخر، فيكون السابق هو المنسوخ، واللاحق هو الناسخ (^٣).
ولمعرفة الحكم المتأخر الناسخ من المتقدم المنسوخ طرق، بعضها متفق عليها أو الخلاف فيها قليل أو غير معتبر، وبعضها طرق مختلف فيها، وفيما يلي تفصيل كلتا الطريقتين:
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ٥٤؛ البحر المحيط ٥/ ٣١٨؛ الواضح في أصول الفقه ٤/ ٣١٩؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٥.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٥٦؛ الجواب الصحيح ١/ ٢١٨؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٥.
(٣) انظر: شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٣؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٥.
[ ١ / ١٤٤ ]
أولًا: طرق معرفة المتأخر الناسخ من المتقدم المنسوخ المتفق عليها أو التي الخلاف فيها قليل:
أولًا: أن يكون في أحد النصين ما يدل على تعيين المتأخر منهما، ويشمل ذلك:
أ- أن يكون في اللفظ تصريح بما يدل على النسخ (^١).
مثاله:
١ - قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ
صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (^٢).
فإنه صريح في نسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة (^٣).
٢ - قول النبي -ﷺ-: «نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرًا» (^٤).
_________________
(١) انظر: التحرير وشرحه تيسير التحرير ٣/ ٢٢١؛ مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ١١٤؛ الاعتبار ص ٥٦؛ إرشاد الفحول ٢/ ٨٤.
(٢) سورة الأنفال، الآية (٦٦).
(٣) انظر: البحر المحيط ٥/ ٣١٨؛ إرشاد الفحول ٢/ ٨٤.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه-من رواية بريدة -﵁- ٤/ ٢٩١، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي -ﷺ- ربه ﷿ في زيارة قبر أمه، ح (٩٧٧) (١٠٧).
[ ١ / ١٤٥ ]
فإنه صريح في نسخ النهي عن الأمور المذكورة (^١).
ب- أن يكون لفظ النص يتضمن التنبيه على النسخ (^٢).
مثاله: نسخ الإمساك في البيوت المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (^٣). بحد الزنى المذكور في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^٤).
فقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ تنبيه على عدم الاستدامة في الإمساك (^٥).
ثانيًا: إجماع الأمة على أن هذا الحكم منسوخ، وأن ناسخه متأخر (^٦).
_________________
(١) انظر: مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت ٢/ ١١٤؛ الاعتبار ص ٥٦؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٤/ ٢٩١.
(٢) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٣٧؛ البحر المحيط ٥/ ٣١٨.
(٣) سورة النساء، الآية (١٥).
(٤) سورة النور، الآية (٢).
(٥) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٣٧؛ البحر المحيط ٥/ ٣١٨.
(٦) انظر: مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ١١٤؛ قواطع الأدلة ١/ ٤٣٨؛ الاعتبار ص ٥٧؛ البحر المحيط ٥/ ٣١٩؛ روضة الناظر ١/ ١٥٧؛ مجموع الفتاوى ٢٨/ ١١٢؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٥؛ إرشاد الفحول ٢/ ٨٥.
[ ١ / ١٤٦ ]
مثاله: الإجماع على أن الزكاة نسخت سائر الحقوق المالية (^١).
فالإجماع يدل على تأخر الناسخ، وليس الإجماع هو الناسخ (^٢).
ثالثًا: أن يرد من طريق صحيحة عن أحد من الصحابة ما يصرح بتقدم أحد النصين على الآخر (^٣).
مثاله:
١ - حديث جابر بن عبد الله -﵁- قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله -ﷺ- ترك الوضوء مما غيرت النار» (^٤).
٢ - عن علي -﵁- يقول: «كان رسول الله -ﷺ- أمرنا بالقيام في
_________________
(١) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٣٨؛ البحر المحيط ٥/ ٣١٩؛ إرشاد الفحول ٢/ ٨٥؛ مذكرة أصول الفقه ص ٩١.
(٢) انظر: البحر المحيط ٥/ ٣١٩؛ مجموع الفتاوى ٢٨/ ١١٢؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٤.
(٣) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٣٩؛ الاعتبار ص ٥٩؛ البحر المحيط ٥/ ٣٢٠؛ روضة الناظر ١/ ١٥٧؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٦؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٦.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ص ٣٤، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مست النار، ح (١٩٢)، والنسائي في سننه ص ٣٨، كتاب الطهارة باب ترك الوضوء مما غيرت النار، ح (١٨٥). وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٢٨، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٦٧، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٤١، وابن عبد البر في التمهيد ٢/ ١٢٦، وابن حزم في المحلى ١/ ٢٢٦، وصححه النووي في المجموع ٢/ ٤٨، والشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٣٤، وصحيح سنن النسائي ص ٣٨.
[ ١ / ١٤٧ ]
الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس» (^١).
رابعًا: أن ينقل ويثبت عن رسول الله -ﷺ- حكم شيء، ثم يثبت عنه من فعله حكمًا يخالف ما سبق من قوله (^٢).
مثاله: أن النبي -ﷺ- قال: «خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا. البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (^٣).
ثم إنه -ﷺ- رجم المحصن ولم يجلده، فعن أبي هريرة -﵁- أنه قال: أتى رجل من المسلمين رسولَ الله -ﷺ- وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه. فتنحّى تلقاء وجهه، فقال له: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات. فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله -ﷺ-، فقال: «أبك جنون؟» قال: لا. قال: «فهل أحصنت؟» قال: نعم. فقال رسول الله -ﷺ-: «اذهبوا به فارجموه» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٥٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٨٨، وابن حبان في صحيحه ص ٨٦٢، والحازمي في الاعتبار ص ٣١١. وذكره ابن حجر في التلخيص الحبير ٢/ ١١٢، ولم يتكلم فيه بشيء. وقال الشيخ الألباني في الإرواء ٣/ ١٩٢ (وهو رواية للطحاوي وإسنادها جيد).
(٢) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٣٨؛ الاعتبار ص ٥٦؛ البحر المحيط ٥/ ٣١٨؛ إرشاد الفحول ٢/ ٨٥.
(٣) سبق تخريجه في ص ٧١.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١١٤٤، كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق، والكره، والسكران، والجنون، ح (٥٢٧١)، ومسلم في صحيحه-واللفظ له- ٦/ ٢٥٣، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى، ح (١٦٩١) (١٦).
[ ١ / ١٤٨ ]
وفي رواية: قال: لا. والله إنه قد زنى الأخر (^١). قال: «فرجمه» (^٢).
فيكون فعله هذا وأمره بالرجم دون الجلد ناسخًا للجلد في قوله: «الثيب بالثيب جلد مائة». لتأخره عنه (^٣).
خامسًا: أن يعلم بالتاريخ تقدم أحد الدليلين على الآخر، فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم.
ويشمل هذا:
١ - أن ينقل الراوي أن أحد الحكمين شرع بمكة قبل الهجرة، والآخر شرع بالمدينة.
٢ - أن ينقل الراوي أن هذه الآية مكية، وهذه مدنية.
٣ - أن ينقل الراوي أن هذه الآية نزلت قبل آية كذا (^٤).
_________________
(١) الأخر هو: الأبعد عن الخير، والأرذل، والأدنى. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٤٣؛ المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي ٦/ ٢٥٥.
(٢) هو من رواية جابر بن سمرة -﵁-. وقد أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ٢٥٥، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى، ح (١٦٩٢) (١٧).
(٣) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٣٨؛ البحر المحيط ٥/ ٣١٨؛ إرشاد الفحول ٢/ ٨٥.
(٤) انظر: مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت ٢/ ١١٥؛ شرح مراقي السعود على أصول الفقه ص ١٢٢؛ قواطع الأدلة ١/ ٤٣٩؛ الاعتبار ص ٥٧؛ البحر المحيط ٥/ ٣٢٠؛ إرشاد الفحول ٢/ ٨٥؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٦.
[ ١ / ١٤٩ ]
ثانيًا: طرق معرفة الناسخ والمنسوخ المختلف فيها:
أولًا: قول أحد الصحابة: هذا ناسخ، وهذا منسوخ.
فهذا عند الحنفية أحد طرق معرفة النسخ (^١)، وهو كذلك رواية عن الإمام أحمد (^٢). وذلك:
أ- لأن تعيين العدل لناسخ لا يكون إلا عن علم بالتاريخ والتعارض (^٣).
ب- أن النسخ لا يقع بالمحتمل، والصحابة أعلم بذلك، فثبت أنه لا يقول: إنه منسوخ إلا وسمعه من رسول الله -ﷺ- (^٤).
وليس هو عند الجمهور من طرق معرفة النسخ، ما لم يذكر دليل النسخ (^٥)، وذلك:
أ- لأن قوله هذا قد يكون عن اجتهاد، فيعتقد ما ليس بنسخ نسخًا،
_________________
(١) انظر: التحرير مع شرحه تيسير التحرير ٣/ ٢٢٢؛ مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ١١٥.
(٢) انظر: الواضح في أصول الفقه ٤/ ٣١٩؛ المسودة ص ٢٣٠؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٨.
(٣) انظر: التحرير مع شرحه تيسير التحرير ٣/ ٢٢٢؛ مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ١١٥.
(٤) انظر: الواضح في أصول الفقه ٤/ ٣٢٠.
(٥) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٣٩؛ المستصفى ص ١٠٢؛ البحر المحيط ٥/ ٣٢١ - ٣٢٢؛ الواضح في أصول الفقه لابن عقيل ٤/ ٣١٩؛ المسودة في أصول الفقه ص ٢٣٠؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٧.
[ ١ / ١٥٠ ]
وبمثله لا يثبت النسخ (^١).
ب-ولأن أهل العلم مختلفون في أسباب النسخ، كالزيادة على النص، والتخصيص، فقد يعتبر ذلك نسخًا، وهو ليس منه (^٢).
ثانيًا: أن يكون الراوي لأحد النصين قد أسلم بعد موت الآخر.
ذهب بعض أهل العلم إلى عدم صحة الاستدلال على النسخ برواية من أسلم بعد موت الراوي للنص الآخر؛ لأن تأخر إسلام راوي أحد الدليلين لا يدل على أن ما رواه ناسخ؛
لاحتمال أن يكون سمعه عن غيره ممن تقدم صحبته (^٣).
وذهب آخرون إلى أن رواية من أسلم بعد موت الراوي للنص المعارض ناسخة له؛ لأن الظاهر أن تكون روايته متأخرة (^٤).
ثالثًا: أن يكون أحد الراويين أسلم قبل الآخر.
فلا يكون رواية المتأخر إسلامًا ناسخًا لرواية المتقدم إسلامًا.
وهو قول جمهور أهل العلم (^٥).
_________________
(١) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٣٩؛ البحر المحيط ٥/ ٣٢١؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٨.
(٢) انظر: البحر المحيط ٥/ ٣٢١؛ الواضح في أصول الفقه ٤/ ٣٢٠.
(٣) انظر: التحرير وشرحه تيسير التحرير ٣/ ٢٢٣؛ البحر المحيط ٥/ ٣٢٥؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٩؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٧.
(٤) انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١١٦؛ البحر المحيط ٥/ ٣٢٥؛ البلبل في أصول الفقه ص ١٠٢؛ مذكرة أصول الفقه ص ٩١.
(٥) انظر: التحرير وشرحه تيسير التحرير ٣/ ٢٢٣؛ مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت ٢/ ١١٦؛ شرح مراقي السعود على أصول الفقه للجكني ص ١٢٢؛ المستصفى ص ١٠٣؛ الإحكام للآمدي ٢/ ١٦٣؛ تحفة المسؤول ٣/ ٤٠٩؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٩؛ إرشاد الفحول ٢/ ٨٥.
[ ١ / ١٥١ ]
وذلك: لأنه يجوز أن يكون سماع متقدم الإسلام بعد سماع متأخر الإسلام، كما يجوز أن
يكون من تأخر إسلامه تحمل الحديث قبل إسلامه (^١).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن رواية المتأخر صحبة ناسخة لرواية المتقدم صحبة (^٢).
_________________
(١) انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١١٦؛ الإحكام للآمدي ٢/ ١٦٣؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٩.
(٢) ممن قال به: الأستاذ أبو منصور، وابن برهان، كما نقل عنهما الزركشي. وقد فرق ابن السمعاني، والرازي فقالا: إن انقطع صحبة الأول عند صحبة الثاني، فيكون ما رواه الثاني ناسخًا لما رواه الأول، وإن لم ينقطع صحبة الأول عند صحبة الثاني فلا يكون رواية الثاني ناسخًا لرواية المتقدم. وذهب ابن قدامة إلى اعتبار رواية متأخر الإسلام ناسخة لرواية متقدم الإسلام إذا كان متأخر الإسلام أسلم في آخر حياة النبي -ﷺ-، والآخر لم يصحب النبي -ﷺ- إلا في أول الإسلام. وذهب الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: إلى أن محل التقديم لخبر متأخر الإسلام عمن أسلم قبله فيما إذا مات الأول قبل صحبة الثاني النبي -ﷺ-، أما إن عاش الأول حتى صحب الآخر النبي -ﷺ- فلا يكون حديث المتأخر ناسخًا لحديث متقدم الإسلام. انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٤٠؛ المحصول مع شرحه نفائس الأصول ٣/ ٣٠٥؛ البحر المحيط ٥/ ٣٢٤، ٣٢٥؛ روضة الناظر ١/ ١٥٧؛ مذكرة أصول الفقه ص ٩١. هذا، وقد مثل ابن السمعاني لرواية من انقطع صحبته عند صحبة الثاني برواية طلق بن علي في عدم الوضوء من مس الذكر. كما مثل ابن قدامة لرواية من لم يصحب النبي -ﷺ- إلا في أول الإسلام برواية طلق بن علي. وتفريقه أي ابن السمعاني وإن كان له وجه إلا أن تمثيله برواية طلق بن علي-وكذلك تمثيل ابن قدامة به- غير صحيح؛ لأن طلقًا لم ينقطع صحبته، كما أنه ليس ممن لم يصحب النبي -ﷺ- إلا في أول الإسلام. وهذا يتبين من غير رواية عنه من الأحاديث. وانظر تحقيقه في مسألة الوضوء من مس الذكر، في مبحث آداب الوضوء ونواقضه.
[ ١ / ١٥٢ ]
رابعًا: أن يكون أحد الراويين من أحداث الصحابة دون الراوي للنص الآخر.
فلا يُحكم بتأخر ما رواه الصغير على ما رواه الكبير؛ لاحتمال أن يكون الكبير سمع ما رواه بعد سماع رواية الصغير، كما أن ما رواه الصغير يحتمل أن يكون سمعه عمن تقدمت صحبته (^١).
خامسًا: أن يكون أحد النصيين موافقًا للبراءة الأصلية دون الآخر.
إذا ورد نصان متعارضان، وأحدهما يوافق البراءة الأصلية والعادة، والآخر يخالفه، فإنه لا يكون ما يخالف البراءة الأصلية ناسخًا لما يوافقه، كما لا يكون ما يوافق البراءة ناسخا لما يخالفه.
وهذا هو قول جمهور أهل العلم (^٢).
_________________
(١) انظر: مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت ٢/ ١١٥؛ المستصفى ص ١٠٣؛ الإحكام للآمدي ٢/ ١٦٣؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٩؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٧.
(٢) انظر: التحرير لابن الهمام ٣/ ٢٢٣؛ مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت ٢/ ١١٦؛ شرح مراقي السعود على أصول الفقه ص ١٢٢؛ المستصفى ص ١٠٣؛ الإحكام للآمدي ٢/ ١٦٣؛ البحر المحيط ٥/ ٣٢٦؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٩؛ إرشاد الفحول ٢/ ٨٥؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٧.
[ ١ / ١٥٣ ]
وذلك: لاحتمال أن يكون ما يخالف البراءة الأصلية متقدمًا على ما يوافقها (^١).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن النص المخالف للبراءة الأصلية يكون ناسخًا للنص الموافق له (^٢).
وذلك: لأن الانتقال من البراءة لاشتغال الذمة يقين، والعود إلى الإباحة ثانيًا شك، فقدم ما يخالف الأصل؛ لأنه يقين (^٣).
سادسًا: كون أحد النصين قبل الآخر في المصحف.
إن كون أحد النصين قبل الآخر في المصحف ليس دليلًا على أن المتأخر يكون ناسخًا للمتقدم.
وهو قول جمهور أهل العلم (^٤).
_________________
(١) انظر: المستصفى ص ١٠٣؛ الإحكام للآمدي ٢/ ١٦٣؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٧.
(٢) انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ٤٩٨، ٥٠١؛ البحر المحيط ٥/ ٣٢٥؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٩؛ إرشاد الفحول ٢/ ٨٥.
(٣) انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ٤٩٨، ٥٠١؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٩.
(٤) انظر: مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت ٢/ ١١٥؛ شرح مراقي السعود على أصول الفقه ص ١٢٢؛ الإحكام للآمدي ٢/ ١٦٣؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٨؛ الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٥؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٧.
[ ١ / ١٥٤ ]
وذلك؛ لأن ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول (^١).
وقيل: إن كون أحد النصين في المصحف بعد الآخر، يفيد التأخير؛ لأن الأصل موافقة الوضع للنزول (^٢).
وهذا القول مخالف للواقع؛ لذلك فليس له أيّ اعتبار (^٣).
سابعًا: إذا روى الصحابي حديثًا عن النبي -ﷺ- ثم عمل أو أفتى بخلاف ما رواه.
إذا روى أحد الصحابة﵃حديثًا عن رسول الله -ﷺ-، ثم عمل أو أفتى على خلافه، فليس عمله هذا عند جمهور أهل العلم دليلًا على نسخ روايته، وذلك؛ لأن عمله على خلاف روايته، له احتمالات عدة، وأن عمله ليس أولى من روايته (^٤).
وذهب بعض الحنفية ومنهم الطحاوي (^٥) إلى أن ذلك يعتبر دليلًا على
_________________
(١) راجع المصادر في الحاشية السابقة.
(٢) انظر: شرح مراقي السعود على أصول الفقه ص ١٢٢.
(٣) انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٥.
(٤) انظر: المحلى ٤/ ٤٢٤؛ المجموع ٦/ ٢٧١؛ التنبيه على مشكلات الهداية لابن أبي العز ١/ ٣٦٥؛ فتح الباري ٤/ ٢٢٩؛ نيل الأوطار للشوكاني ١/ ٣٤، ٤/ ٣٣٨.
(٥) هو: أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي المصري، أبو جعفر الطحاوي، أخذ عن المزني، والقاضي عبد الحميد الأزدي وغيرهما، وروى عنه الطبراني، وأحمد بن عبد الوارث، وغيرهما، وكان فقيهًا حافظًا، ومن مؤلفاته (شرح معاني الآثار) وتوفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. انظر: تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٠٨؛ البداية والنهاية ١١/ ١٦٨؛ الجواهر المضية ١/ ٢٧١.
[ ١ / ١٥٥ ]
نسخ روايته؛ وذلك
لحسن الظن بالراوي؛ لأنه لا يعمل على خلاف روايته إلا وقد علم ما ينسخه وإلا يكون ذلك طعنًا في عدالته (^١).
ثامنًا: عمل أهل المدينة.
إذا ثبت حكم من أحكام الشريعة بدليل من الكتاب أو السنة، وكان عمل أهل المدينة على خلافه، فهل يكون عملهم هذا دليلًا على نسخه؟
جمهور أهل العلم على أن عمل أهل المدينة على خلاف حكم ليس دليلًا على نسخه؛ لأن عملهم أو اتفاقهم على حكم ليس بإجماع حتى يكون ذلك دليلًا على النسخ، وليس عملهم دليلًا آخر مما يُنسخ به (^٢).
وذهب بعض المالكية إلى أن عمل أهل المدينة على خلاف حكم يدل على نسخه؛ لأن وجود علم أهل المدينة بخلاف حكم دليل على نسخه، وإلا لما خالفوه (^٣) والله أعلم.
_________________
(١) وقد قرر هذا الطريق الطحاوي، وتبعه غير واحد من الحنفية، منهم: العيني، وابن الهمام، والملا علي القاري. وأشار إليه الحازمي ونسبه إلى الكوفيين. انظر: شرح معاني الآثار للطحاوي ١/ ٢٣؛ شرح مشكل الآثار-تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار- ٣/ ٢٤؛ الاعتبار للحازمي ص ٥٧؛ عمدة القاري للعيني ٨/ ١٥٥؛ فتح القدير لابن الهمام ١/ ١١٠؛ ٢/ ٣٥٩؛ اللباب في الجمع بين السنة والكتاب للمنبجي ١/ ٨٨؛ فتح باب العناية للملا علي القاري ١/ ١٠٣، ٥٨٦.
(٢) انظر: أصول السرخسي ١/ ٣١٤؛ المستصفى ص ١٤٨؛ روضة الناظر ١/ ٢٤٠.
(٣) وإلى هذا الطريق أشار شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ٢١/ ١٥١؛ حيث قال: (وكذلك كثير ممن يحتج بالعمل من أهل المدينة-أصحاب مالك وغيرهم- يقولون: هذا منسوخ). كما أشار إليه أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات ٢/ ٤٩؛ حيث قال: (وقد سُئل-أي الإمام مالك-عن سجود القرآن الذي في المفصل، قيل له: أتسجد أنت فيه؟ فقال: لا، وقيل له: إنما ذكرنا هذا لك لحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: "أحب الأحاديث إليّ ما اجمع الناس عليه، وهذا مما لم يجتمع الناس عليه، وإنما هو حديث من حديث الناس، وأعظم من ذلك القرآن، يقول الله: ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب ..﴾ فالقرآن أعظم خطرًا وفيه الناسخ والمنسوخ، فكيف بالأحاديث، وهذا مما لم يجتمع عليه". وهذا ظاهر في أن العمل بأحد المتعارضين دليل على أنه الناسخ للآخر؛ إذ كانوا إنما يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله -ﷺ-. وروي عن ابن شهاب أنه قال: "أعيى الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله -ﷺ- من منسوخه"، وهذا صحيح، ولمّا أخذ مالك بما عليه الناس وطرح ما سواه انضبط له الناسخ من المنسوخ على يسر، والحمد لله). وانظر كذلك التمهيد لابن عبد البر ١٣/ ١٩٧.
[ ١ / ١٥٦ ]