ذهب الإمام الشافعي إلى أن مسح اليدين في التيمم (^١) إلى الإبطين والمناكب إن كان بأمر النبي -ﷺ- فقد نسخ ذلك (^٢).
ونحوه قول شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، والحافظ ابن حجر العسقلاني (^٤).
وقد تبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو اشتراك اسم اليد في لسان العرب؛ حيث إنها تطلق على الكف فقط، وتطلق علىالكف والذراع، وتطلق على الكف والذراع والعضد.
كما أن اختلاف الآثار الواردة في المسألة هو السبب الأصلي الآخر للاختلاف فيها (^٥).
_________________
(١) التيمم لغة: القصد، يقال: يممت فلانا وتيممته إذا قصدته. انظر: النظم المستعذب ١/ ٤٣؛ المغني لابن بابطيش ١/ ٥٨؛ المصباح المنير ص ٦٨١. والتيمم اصطلاحا: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بدلا عن الوضوء أو الغسل، أو عضو منهما بشرائط مخصوصة. مغني المحتاج ١/ ٨٧.
(٢) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٢١؛ الاعتبار للحازمي ص ١٨٢، ١٨٤.
(٣) انظر: شرح العمدة ١/ ٤١٩.
(٤) انظر: فتح الباري ١/ ٥٥٦.
(٥) انظر: الاعتبار ص ١٨٢؛ بداية المجتهد ١/ ١٣٦.
[ ١ / ٥٥٦ ]
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن عمار بن ياسر -﵁- أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهو مع رسول الله -ﷺ- بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم» (^١).
وفي رواية عنه -﵁- قال: «تيممنا مع رسول الله بالتراب فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب» (^٢).
ثانيًا: عن عمار -﵁- أنه قال لعمر بن الخطاب -﵁-: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت (^٣) فصليت، فذكرت للنبي -ﷺ- فقال النبي -ﷺ-: «إنما كان يكفيك هكذا» فضرب النبي -ﷺ- بكفيه
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥٦، كتاب الطهارة، باب التيمم، ح (٣١٨)، والنسائي في سننه ص ٥٦، كتاب الطهارة، باب التيمم في السفر، ح (٣١٤)، وأحمد في المسند ٣/ ٢٦٠، وابن الجارود في المنتقى ص ٥٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١١٠، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٢٠، والحازمي في الاعتبار ص ١٨٠. وقال: (هذا حديث حسن). وصححه الشيخ اللباني في صحيح سنن أبي داود ص ٥٦.
(٢) أخرجه النسائي في سننه ص ٥٧، كتاب الطهارة، باب الاختلاف في كيفية التيمم، ح (٣١٥)، وابن ماجة في سننه ص ١١٢، كتاب الطهارة، باب ما جاء في سببه، ح (٥٦٦)، والبيهقي في الكبرى ١/ ٣٢٠، وابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٣٥٥.
(٣) التمعك: التمرغ، والتدليك، والمعك الدلك. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٦٦٧؛ المصباح المنير ص ٥٧٦؛ مجمع بحار الأنوار ٤/ ٦١٢.
[ ١ / ٥٥٧ ]
الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه) (^١).
وفي رواية: قال عمار -﵁- لعمر -﵁-: تمعكت فأتيت النبي -ﷺ- فقال: «يكفيك الوجه والكفان» (^٢).
وفي رواية أخرى: فقال النبي -ﷺ-: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك» (^٣).
وفي رواية ثالثة: قال: سألت النبي -ﷺ- عن التيمم؟ «فأمرني ضربة واحدة للوجه والكفين» (^٤).
ثالثًا: عن عمار -﵁- قال: كنت في القوم حين نزلت الرخصة في المسح بالتراب إذا لم نجد الماء، (فأمرنا فضربنا واحدة للوجه، ثم ضربنا أخرى لليدين
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٧٣، كتاب التيمم، باب المتيمم هل ينفخ فيهما؟، ح (٣٣٨)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٤٨، كتاب الحيض، باب التيمم، ح (٣٦٨) (١١١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٧٣، كتاب التيمم، باب التيمم للوجه والكفين، ح (٣٤١).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٤٩، كتاب الحيض، باب التيمم، ح (٣٦٨) (١١٢).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥٨، كتاب الطهارة، باب التيمم، ح (٣٢٧)، والترمذي في سننه ص ٤٦، كتاب الطهارة، باب ما جاء في التيمم، ح (١٤٤)، وأحمد في المسند ٣٠/ ٢٥٤، والدارمي في سننه ١/ ٢٠٨، والطحاوفي في شرح معاني الآثار ١/ ١١٢، والدارقطني في سننه ١/ ١٨٢، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٢٣. وقال الدارمي: (صح إسناده) وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وكذلك صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٥٧.
[ ١ / ٥٥٨ ]
إلى المرفقين) (^١).
ويستدل منها على نسخ مسح اليدين إلى المناكب والإبطين: بأن حديث عمار -﵁- في التيمم إلى المناكب (^٢) كان حين نزول آية التيمم، وكان ذلك في غزوة بني المصطلق، ثم روى عمار -﵁- أن النبي -ﷺ- أمره بعد ذلك بالتيمم على الوجه والكفين (^٣)، وفي رواية: اليدين إلى المرفقين، فدل ذلك على نسخ الأول (^٤).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في القدر الواجب مسحه من الأيدي في التيمم على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن القدر الواجب مسحه من الأيدي هو مسح اليدين إلى المرفقين.
وهو مذهب الحنفية (^٥)، وقول للإمام مالك، قيل هو مشهور
_________________
(١) أخرجه البزار في مسنده ٤/ ٢٢١، وقال: (وقال في حديث أحمد بن خالد: إلى المنكبين ظهرًا وبطنًا). وقال ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية ١/ ٦٨: (أخرجه البزار بإسناد حسن، ولكن أخرجه أبو داود فقال: إلى المناكب، وذكر أبو داود علته والاختلاف فيه).
(٢) سيأتي تخريجه في أدلة القول الثالث.
(٣) سيأتي تخريجه في أدلة القول الثاني.
(٤) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٢١؛ التمهيد ٢/ ٣٥٦، ٣٥٨؛ الاعتبار ص ١٨٢، ١٨٣، ١٨٤.
(٥) انظر: الأصل ١/ ١٠٤؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٤٦؛ شرح معاني الآثار ١/ ١١٤؛ المبسوط ١/ ١١٢؛ الهداية ١/ ١٢٥؛ اللباب للمنبجي ١/ ١٤٠.
[ ١ / ٥٥٩ ]
المذهب (^١)، ومذهب الشافعية (^٢).
وبه قال جابر بن عبد الله، وابن عمر﵄- والحسن، والشعبي، وسالم، وطاوس، والليث بن سعد، وعبد العزيز بن أبي سلمة (^٣)، وسفيان الثوري، وابن
المبارك (^٤).
القول الثاني: أن القدر الواجب مسحه من الأيدي في التيمم، هو مسح الكفين.
وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة (^٥)، وقول للإمام مالك، وهو المشهور في المذهب (^٦)، وقول قديم للإمام الشافعي (^٧)، ومذهب الحنابلة (^٨).
_________________
(١) انظر: الأوسط ٢/ ٤٨؛ الكافي ص ٢٩؛ بداية المجتهد ١/ ١٣٦؛ جامع الأمهات ص ٦٩.
(٢) انظر: الأم ١/ ١١٣؛ مختصر المزني ص ١٤؛ الأوسط ٢/ ٤٨؛ الاعتبار ص ١٨١؛ المجموع ٢/ ١٦٨، ١٦٩.
(٣) هو: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، الماجشون، المدني، ثقة فقيه، روى عن الزهري، وابن المنكدر، وغيرهما، وروى عنه: الليث، وابن وهب، ووكيع، وغيرهم، وتوفي سنة أربع وستين ومائة. انظر: تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٦٨؛ التقريب ٢/ ٢٣٩.
(٤) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ٢١٢؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٤٦، ١٤٧؛ سنن الترمذي ص ٤٦؛ الأوسط ٢/ ٤٨؛ شرح معاني الآثار ١/ ١١٤؛ الاعتبار ص ١٨١؛ المجموع ٢/ ١٦٩.
(٥) انظر: العناية ١/ ١٢٥.
(٦) انظر: التمهيد ٢/ ٣٥٤؛ الاستذكار ١/ ٣٥٤؛ جامع الأمهات ص ٦٩؛ مختصر خليل مع شرحه التاج والإكليل ١/ ٥١٠؛ مواهب الجليل ١/ ٥١٠.
(٧) انظر: المجموع ٢/ ١٦٨.
(٨) انظر: مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق ٢/ ٣٧٦؛ المغني ١/ ٣٣١؛ الشرح الكبير ٢/ ٢٥٤؛ الممتع ١/ ٢٥١؛ شرح الزركشي ١/ ١٦٩؛ منتهى الإرادات ١/ ٢٩.
[ ١ / ٥٦٠ ]
وروي ذلك عن: علي، وعمار، وابن عباس﵃-.
وقال به عطاء، ومكحول، والشعبي-في رواية-، والأوزاعي، وإسحاق، وداود الظاهري، وابن جرير، وابن المنذر (^١).
القول الثالث: أن القدر الواجب مسحه من الأيدي في التيمم، هو مسحهما إلى الإبطين.
وبه قال الزهري (^٢).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أن الأيدي تمسح في التيمم إلى المرفقين- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (^٣).
_________________
(١) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ٢١٣؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٤٦، ١٤٧؛ سنن الترمذي ص ٤٦؛ الأوسط ٢/ ٥٠، ٥١؛ المحلى ١/ ٣٧٥؛ التمهيد ٢/ ٣٥٤؛ الاعتبار ص ١٨١؛ المجموع ٢/ ١٦٩.
(٢) انظر: الأوسط ٢/ ٤٧؛ المحلي ١/ ٣٧٣؛ الاعتبار ص ١٨١.
(٣) سورة المائدة، الآية (٦).
[ ١ / ٥٦١ ]
حيث إن الله ﷾ أمر بغسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء، ثم ذكر التيمم فقال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فالظاهر أن المراد بهذه اليد هي الموصوفة في أول الآية، وهي اليد إلى المرفق، فهذا المطلق محمول على ذلك المقيد، لا سيما وقد ذُكرا في آية واحدة (^١).
ويقوي ذلك أن التيمم بدل عن الوضوء، وفي الوضوء يُغسل اليدان إلى المرفقين، فكذلك ينبغي في التيمم أن يمسح اليدان إلى المرفقين؛ لأن البدل يحل محل الأصل، ويكون مثله (^٢).
واعترض عليه: بأن اليد إذا أطلقت يراد بها الكف؛ لأنها حقيقة فيه (^٣).
وأجيب: بأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، ويطلق ويراد به ما يبلغ الكفين، ويحدد ما يراد به القرائن وسياق الكلام، وحمل ما أطلق هنا على ما قيد في الوضوء أولى؛ لجامع الطهورية (^٤).
ويؤكد صدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين وغيره كون الصحابة -﵃- مسحوا أيديهم عند نزول الآية إلى المناكب والأباط (^٥).
ثانيًا: عن نافع (^٦)، قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس
_________________
(١) انظر: التمهيد ٢/ ٣٦٠؛ المجموع ٢/ ١٦٩؛ تفسير ابن كثير ١/ ٤٧٨.
(٢) انظر: الأم ١/ ١١٣؛ التمهيد ٢/ ٣٥٩، ٣٦٠؛ المجموع ٢/ ١٦٩؛ تفسير ابن كثير ١/ ٤٧٨.
(٣) انظر: بداية المجتهد ١/ ١٣٧؛ الشرح الممتع ١/ ٣٣٤.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٤٧٨.
(٥) انظر: الاستذكار ١/ ٣٥٦.
(٦) هو: نافع أبو عبد الله، المدني، مولى ابن عمر، ثقة، فقيه، روى عن: ابن عمر، وعائشة، وغيرهما، وروى عنه: الزهري، ومالك بن أنس، وغيرهما، وتوفي سنة سبع عشرة ومائة. انظر: تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٦٨؛ التقريب ٢/ ٢٣٩.
[ ١ / ٥٦٢ ]
فقضى ابن عمر حاجته، فكان من حديثه يومئذ أن قال: مرّ رجل على رسول الله -ﷺ- في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيديه على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام، وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر» (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥٨، كتاب الطهارة، باب التيمم في الحضر، ح (٣٣٠)، وابن المنذر في الأوسط ٢/ ٤٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٨٥، والدارقطني في سننه ١/ ١٧٧، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣١٦. وفي سنده محمد بن ثابت العبدي البصري، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال مرة: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، وقال فيه غير واحد: ليس بالقوي، منهم ابن المديني والنسائي. وقال النسائي مرة: لا بأس به. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه لا يتابع عليه. ووثقه محمد بن سليمان لوين، وأبو أحمد عبد الله العجلي، وقال ابن حجر: صدوق لين الحديث. انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٤٩٥؛ نصب الراية ١/ ١٥٢؛ تهذيب التهذيب ٩/ ٧١؛ التقريب ٢/ ٦٠. وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٥١ بعدذكر هذا الحديث: (ومداره على محمد بن ثابت، وقد ضعفه ابن معين، وأبو حاتم، والبخاري، وأحمد). وقد خالف محمد بن ثابت الثقات؛ حيث رفع هذا الحديث، وخالفه أيوب، وعبيد الله بن إسحاق وغيرهما فجعلوه من فعل ابن عمر. قال البخاري عنه: يخالف في بعض حديثه، روى عن نافع عن ابن عمر في التيمم، ورواه أيوب والناس عن نافع عن ابن عمر فعله. أنظر: الأوسط ٢/ ٥٣، ٥٤؛ نصب الراية ١/ ١٥٢؛ تهذيب التهذيب ٩/ ٧١؛ التلخيص الحبير ١/ ١٥١. وقال البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣١٧: (وقد أنكر بعض الحفاظ رفع هذا الحديث على محمد بن ثابت العبدي فقد رواه جماعة عن نافع من فعل ابن عمر، -ثم ذكر طرقًا يعضد بعضها بعضا ثم قال: - وفعل ابن عمر التيمم على الوجه والذراعين إلى المرفقين شاهد لصحة رواية محمد بن ثابت غير مناف لها-إلى أن قال: -وهو في هذا الحديث غير مستحق للتنكير بالدلائل التي ذكرتها، وقد رواه جماعة من الأئمة عن محمد بن ثابت مثل يحيى بن يحيى، ومعلى بن منصور وسعيد بن منصور، وغيرهم، وأثنى عليه مسلم بن إبراهيم ورواه عنه وهو عن ابن عمر مشهور). والحديث ضعفه ابن المنذر، وابن حجر، والشيخ الألباني. انظر: الأوسط ٢/ ٥٣؛ التلخيص الحبير ١/ ١٥١؛ ضعيف سنن أبي داود ص ٥٨.
[ ١ / ٥٦٣ ]
ثالثًا: عن ابن الصمة (^١) -﵁- «أن رسول الله -ﷺ- تيمم فمسح وجهه وذراعيه» (^٢).
_________________
(١) هو أبو جهيم، وقد سبقت ترجمته.
(٢) أخرجه الشافعي في الأم ١/ ١١٣، وابن المذر في الأوسط ٢/ ٤٩، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣١٦. وفي سنده إبراهيم بن محمد، وقد تكلم فيه غير واحد، واتهم بالكذب. قال يحيى بن سعيد: كنا نتهمه بالكذب، وتركه ابن المبارك. وقال أحمد: كان يأخذ حديث الناس فيجعله في كتبه. وقال ابن معين: إبراهيم ليس بثقة كذاب رافضي. وروي عن الشافعي أنه قال: كان ثقة في الحديث. انظر: الأوسط ٢/ ٥٣؛ تهذيب التهذيب ١/ ١٤٣. وقال البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣١٦ بعد ذكر الحديث: (وهذا شاهد لرواية أبي صالح كاتب الليث، إلا أن هذا منقطع، عبد الرحمن بن هرمز الأعرج لم يسمعه من ابن الصمة، إنما سمعه من عمير مولى ابن عباس، عن ابن الصمة وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي. وأبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، قال: قد اختلف الحفاظ في عدالتهما إلا أن روايتهما ذكر الذراعين فيه شاهد من حديث ابن عمر).
[ ١ / ٥٦٤ ]
رابعًا: عن ابن عمر -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» (^١).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١٨٠، وقال: كذا رواه على بن ظبيان مرفوعًا، ووقفه يحيى بن القطان، وهشيم وغيرهما، وهو الصواب. وأخرج بمعناه عن طريق سليمان بن أرقم عن الزهري عن سالم عن أبيه، وعن طريق سليمان بن أبي داود الحراني، عن سالم ونافع عن ابن عمر، لكنه قال: (سليمان بن أرقم وسليمان بن داود ضعيفان). وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٢٨٧، وقال: (ولا أعلم أحدًا أسنده عن عبد الله غير علي بن ظبيان، وهو صدوق، وقد أوقفه يحيى بن سعيد وهشيم بن بشير وغيرهما). وتعقبه الذهبي في التلخيص فقال بعد ذكر قوله: (صدوق): (قلت: بل واه، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة). وقال البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣١٩ بعد ذكر حديث ابن عمر موقوفًا عليه: (رواه علي بن ظبيان عن عبيد الله بن عمر، فرفعه، وهو خطأ، والصواب بهذا اللفظ عن ابن عمر موقوف. ورواه سليمان بن أبي داود الحراني، عن سالم ونافع عن ابن عمر عن النبي -ﷺ-، ورواه سليمان بن أرقم التيمي عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي -ﷺ-، وسليمان بن أبي داود وسليمان بن أرقم ضعيفان لا يحتج بروايتهما، والصحيح رواية معمر وغيره عن الزهري عن سالم عن ابن عمر من فعله). الحديث المرفوع هذا في سنده علي بن ظبيان، وقد سبق قول الذهبي فيه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٦٧: (رواه الطبراني في الكبير، وفيه علي بن ظبيان ضعفه يحيى بن معين-فقال: كذاب خبيث- وجماعة، وقال أبو علي النسابوري: لا بأس به). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٥١: (ضعفه القطان وابن معين وغير واحد).
[ ١ / ٥٦٥ ]
خامسًا: عن جابر -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين» (^١).
سادسًا: عن أسلع (^٢) -﵁- قال: كنت مع النبي -ﷺ- فأصابتني جنابة، فقال: «يا أسلع قم فارحل لي» فقلت: أصابتني جنابة، فسكت، فنزلت أية التيمم، فأراني التيمم، «فضرب بيديه على الأرض، ثم نفضهما فمسح وجهه، ثم ضرب بيديه الأرض ثانية، فمسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما» (^٣).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١٨١، ثم قال: (كلهم ثقات، والصواب موقوف). وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٢٨٨، وصحح إسناده، ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣١٩. وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٥٢: (ضعف ابن الجوزي هذا الحديث بعثمان بن محمد، وقال إنه متكلم فيه، وأخطأ في ذلك، قال ابن دقيق العيد: لم يتكلم فيه أحد، نعم روايته شاذة، لأن أبا نعيم رواه عن عزرة موقوفًا، أخرجه الدارقطني والحاكم أيضًا). وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ٢١٩: (وأما حديث جابر فلم يذكر المؤلف من تكلم في عثمان بن محمد، وقد روى عنه أبو داود، وأبو بكر بن أبي عاصم، وغيرهما، وذكره ابن أبي حاتم في كتابه ولم يذكر فيه جرحًا، وقد روى الحديث البيهقي والدارقطني، وقال: رواته كلهم ثقات، والصواب موقوف. ورواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح).
(٢) هو أسلع بن شريك بن عوف الأعرجي، التميمي، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: زريق، وجد الربيع بن بدر. انظر: الإصابة ١/ ٣٩.
(٣) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٥٠، والدارقطني في سننه ١/ ١٧٩ - وفيه: (حتى مس بيديه المرفقين) - والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣١٩، وقال: (الربيع بن بدر ضعيف إلا أنه غير منفرد به). وقال ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٥٤: (وأما حديث الربيع بن بدر فهو إسناد مجهول؛ لأن الربيع لا يعرف برواية الحديث ولا أبوه ولا جده، والأسلع غير معروف، فالاحتجاج بهذا الحديث يسقط من كل وجه). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٦: (رواه الطبراني في الكبير، وفيه الربيع بن بدر، وقد أجمعوا على ضعفه).
[ ١ / ٥٦٦ ]
سابعًا: عن عائشة -﵂- عن النبي -ﷺ- قال: «التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» (^١).
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث إنها تدل على مسح اليدين إلى المرفقين (^٢).
واعترض عليه: بأن ما استدل به من الأحاديث فإما ضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فلا يعارض به الحديث الصحيح (^٣).
دليل القول الثاني
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٦٨: (رواه البزار، وفيه الحريش بن الخريت ضعفه أبو حاتم، وأبو زرعة، والبخاري). وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ١٥١: (رواه البزار-فذكره ثم قال: - قال البزار: لا نعلمه يروى عن عائشة إلا من هذا الوجه، والحريش رجل من أهل البصرة أخو الزبير بن الخريت إنتهى، ورواه ابن عدي في الكامل وأسند عن البخاري أنه قال: حريش بن الخريت فيه نظر. قال: وأنا لا أعرف حاله فإني لم اعتبر حديثه انتهي كلامه). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٥٣: (تفرد به الحريش بن الخريت عن ابن أبي مليكة عنها، قال أبو حاتم: حديث منكر، والحريش شيخ لا يحتج بحديثه).
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١١٣؛ التمهيد ٢/ ٣٥٩؛ المجموع ٢/ ١٦٩.
(٣) انظر: فتح الباري ١/ ٥٥٧.
[ ١ / ٥٦٧ ]
ويستدل للقول الثاني-وهو أن القدر الواجب مسحه من الأيدي هو الكفان- بما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. (^١).
واليد إذا أطلقت يراد بها الكف، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^٢). والقطع إنما يكون من الكف (^٣).
واعترض عليه: بأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، ويطلق ويراد به ما يبلغ الكفين، ويحدد ما يراد به القرائن وسياق الكلام، وإنما يقطع اليد من الكف في السرقة ببيان السنة (^٤).
ثانيًا: عن أبي جهيم -﵁- قال: «أقبل النبي -ﷺ- من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي -ﷺ- حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (^٥).
والاستدلال منه كالاستدلال من الآية الكريمة.
ثالثًا: حديث عمار -﵁- وقد سبق ذكره في دليل القول بالنسخ.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية (٦).
(٢) سورة المائدة، الآية (٣٨).
(٣) انظر: سنن الترمذي ص ٤٦؛ بداية المجتهد ١/ ١٣٧؛ الشرح الممتع ١/ ٣٣٤.
(٤) انظر: الاستذكار ١/ ٣٥٦؛ اللباب للمنبجي ١/ ١٤١؛ تفسير ابن كثير ١/ ٤٧٨.
(٥) سبق تخريجه في ص ٢٦٣.
[ ١ / ٥٦٨ ]
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث إنها تدل على أن الواجب مسحه من
الأيدي في التيمم هو الكفان فقط (^١).
واعترض عليه: بأن الآية الكريمة وحديث أبي جهيم -﵁- ليسا صريحين في الكفين؛ لأن المذكور فيهما لفظ اليدين، وهو يصدق إطلاقه عل ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، وعلى ما يبلغ الكفين (^٢).
ثم إن حديث أبي جهيم -﵁- ورد في بعض طرقه مسح اليدين إلى المرفقين (^٣). وهو وإن تكلم في سنده إلا أنه يصلح أن يكون تفسيرًا لليدين المذكورتين مطلقًا.
أما حديث عمار -﵁- فهو مضطرب؛ حيث إنه ورد بالألفاظ المذكورة، وبلفظ: «إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه» (^٤).
وبلفظ: «إنما يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفيه ضربة على الأرض ثم نفضهما، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بها
_________________
(١) انظر: الأوسط ٢/ ٥٢؛ شرح معاني الآثار ١/ ١١٣؛ المجموع ٢/ ١٦٩؛ شرح الزركشي ١/ ١٦٩.
(٢) انظر: اللباب للمنبجي ١/ ١٤١؛ تفسير ابن كثير ١/ ٤٧٨.
(٣) انظر: سنن الدارقطني ١/ ١٧٧.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٤٨، كتاب الحيض، باب التيمم، ح (٣٦٨) (١١٠).
[ ١ / ٥٦٩ ]
وجهه» (^١).
وبلفظ: «إنما كان يكفيك أن تقول هكذا وضرب بيديه إلى الأرض، ثم نفخهما، ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع» (^٢).
وبلفظ: «فقال: يا عمار! إنما كان يكفيك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ثم ضرب إحداهما على الأخرى، ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعدين، ولم يبلغ المرفقين، ضربة واحدة» (^٣).
وبلفظ: (إنما كان يكفيك وضرب النبي -ﷺ- بيده إلى الأرض، ثم نفخ فيها ومسح بها
وجهه وكفيه إلى المرفقين أو إلى الذراعين» (^٤).
وبلفظ: «إن كان الصعيد لكافيك، وضرب بكفيه إلى الأرض ثم نفخ فيهما، ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه» (^٥).
وبلفظ: «إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح كفيه، ثم نفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على كفيه ووجهه» (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٧٥، ح (٣٤٧).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥٧. ح (٣٢٢).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥٧، ح (٣٢٣).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥٧، ح (٣٢٥).
(٥) أخرجه النسائي في سننه ص ٥٧، كتاب الطهارة، باب نوع آخر من التيمم، ح (٣١٦).
(٦) أخرجه النسائي في سننه ص ٥٨، ح (٣٢٠).
[ ١ / ٥٧٠ ]
وبلفظ: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض، ثم تمسح إحداهما على الأخرى، ثم تمسح بهما وجهك» (^١).
وبلفظ: «أن تضرب بكفيك على الأرض، ثم تمسحهما بهما وجهك وكفيك» (^٢). وغير ذلك من الألفاظ.
ولما اختلفت الآثار في كيفية التيمم وتعارضت، وجب الرجوع في ذلك إلى ظاهر الكتاب، وهو يدل على المسح إلى المرفقين؛ قياسًا على الوضوء (^٣).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث -وهو أن مسح اليدين يكون إلى المنكبين- بما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. (^٤).
واللغة تقتضي أن اليدين من المناكب (^٥).
ثانيًا: حديث عمار -﵁- الدال على مسح اليدين في التيمم إلى المنكبين،
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١٨٠.
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١٨٠.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١١٣؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٢٥؛ الاستذكار ١/ ٣٥٥؛ التمهيد ٢/ ٣٥٩.
(٤) سورة المائدة، الآية (٦).
(٥) انظر: التمهيد ٢/ ٣٥٥؛ الاستذكار ١/ ٣٥٦.
[ ١ / ٥٧١ ]
وقد سبق ذكره في دليل القول بالنسخ.
وهو ظاهر في الدلالة على مسح اليدين إلى المناكب والآباط (^١).
ويعترض عليه: بأن اليد يراد بها عند الإطلاق الكف، وقد بين ذلك حديث عمار -﵁-: (يكفيك الوجه والكفان) (^٢).
أما حديث عمار -﵁- في الآباط فيقال فيه:
١ - أن ذلك لم يكن بأمر من النبي -ﷺ- (^٣).
٢ - أن ذلك كان أولًا عند نزول الآية، ثم أحكمت الأمور بعد بفعل النبي -ﷺ- وأمره بالتيمم إلى الكفين أو إلى المرفقين، فيكون السابق منسوخًا باللاحق (^٤).
الراجح
بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة، يترجح عندي -والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولًا: إن مسح اليدين في التيمم إلى المناكب إن كان بأمر النبي -ﷺ- فهو منسوخ كما ذكره الإمام الشافعي -﵀وغيره؛ لأن ذلك كان عند
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١١١؛ التمهيد ٢/ ٣٥٥؛ الاستذكار ١/ ٣٥٦.
(٢) سبق تخريجه في ص ٣٧٠.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١١١؛ الاعتبار ص ١٨٢.
(٤) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٢١؛ التمهيد ٢/ ٣٥٦؛ الاستذكار ١/ ٣٥٦؛ الاعتبار ص ١٨٢، ١٨٤.
[ ١ / ٥٧٢ ]
نزول آية التيمم، والأحاديث الدالة على مسح اليدين إلى الكفين أو إلى المرفقين متأخرة عنه، يدل على ذلك حديث عمار -﵁- في مسح اليدين إلى المناكب، وحديثه في مسح اليدين إلى الكفين (^١).
ثانيًا: إن الآية الكريمة، وحديث أبي جهيم -﵁- الذي خرجه البخاري وغيره، وردا بذكر اليدين مجملًا (^٢)، ولذلك فهما ليسا صريحين في تحديد ما يمسح من اليدين.
ثالثًا: إن حديث عمار -﵁- ورد بذكر الكفين، وهو أصح حديث ورد في صفة التيمم. وورد بذكر المرفقين، لكن فيه مقال (^٣).
رابعًا: إن الأحاديث الواردة في مسح اليدين إلى المرفقين كثيرة (^٤)، ثم إن بعضها ضعيف، وبعضها صحيح لكنه اختلف في رفعه ووقفه، وأكثر الحفاظ على عدم رفعه (^٥). إلا أن بعض أهل العلم قد صححوا بعض تلك الأحاديث مرفوعًا (^٦).
_________________
(١) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٢١؛ التمهيد ٢/ ٣٥٦، ٣٥٧؛ الاستذكار ١/ ٣٥٦؛ الاعتبار ص ١٨٢، ١٨٤.
(٢) انظر: فتح الباري ١/ ٥٥٧.
(٣) انظر: فتح الباري ١/ ٥٥٧.
(٤) انظر: الاستذكار ١/ ٣٥٦.
(٥) انظر: سنن الدارقطني ١/ ١٨٠، ١٨١؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣١٧؛ فتح الباري ١/ ٥٥٧.
(٦) ومنهم الحاكم ووافقه الذهبي. انظر: المستدرك مع التلخيص ١/ ٢٨٨.
[ ١ / ٥٧٣ ]
قال ابن عبد البر: (والآثار عن النبي -ﷺ- أنه أمر بالتيمم إلى المرفقين وإلى الكوعين كثيرة، وقد يحتمل أن يكون من تيمم عند نزول الآية إلى المناكب أخذ بظاهر الكلام وما تقتضي اللغة من عموم لفظ الأيدي، ثم أحكمت الأمور بعد بفعل النبي -ﷺ- وأمره بالتيمم إلى المرفقين، وروي عنه إلى الكوعين، كما روي ضربة واحدة، وضربتان، وكل ذلك صحيح عنه، وصار من ذلك الفقهاء كل إلى ما أداه إليه اجتهاده ونظره) (^١).
وقال البيهقي: (قال الشافعي في حديث عمار بن ياسر: لا يجوز على عمار إذا كان ذكر تيممهم مع النبي -ﷺ- عند نزول الآية إلى المنكب عن أمر النبي -ﷺ- إلا أنه منسوخ، إذ روى أن النبي -ﷺ- أمر بالتيمم على الوجه والكفين، أو يكون لم يرو عنه إلا يتممًا واحدًا، فاختلفت روايته عنه، فتكون رواية ابن الصمة التي لم تختلف أثبت، وإذا لم تختلف فأولى أن يؤخذ بها لأنها أوفق لكتاب الله من الروايتين اللتين روينا مختلفين، أو يكون إنما سمعوا آية التيمم عند حضور صلاة فتيمموا فاحتاطوا فأتوا على غاية ما يقع عليه اسم اليد؛ لأن ذلك لا يضرهم كما لا يضرهم لو فعلوه في الوضوء، فلما صاروا إلى مسألة النبي -ﷺ- أخبرهم أنه يجزيهم من التيمم أقل ما فعلوه. وهذا أولى المعاني عندي لرواية ابن شهاب من حديث عمار بن ياسر بما وصفت من الدلائل. قال الشافعي: وإنما منعنا أن نأخذ برواية عمار بن ياسر في أن تيمم الوجه والكفين بثبوت الخبر عن رسول الله أنه مسح وجهه وذراعيه، وأن هذا أشبه بالقياس
_________________
(١) الاستذكار ١/ ٣٥٦.
[ ١ / ٥٧٤ ]
فإن البدل من الشيء إنما يكون مثله) (^١).
وقال البيهقي كذلك: (ومسح الوجه والكفين في حديث عمار ثابت، وهو أثبت من حديث مسح الذراعين، إلا أن حديث مسح الذراعين أيضًا جيد بالشواهد التي ذكرناها، وهو في قصة أخرى، فإن كان حديث عمار في ابتداء التيمم حيث نزلت الآية ورجعوا إلى النبي -ﷺ- فأخبرهم أنه يجزيهم من التيمم أقل مما فعلوا، فحديث مسح الذراعين بعده فهو أولى بأن يتبع، وهو أشبه بالكتاب والقياس، وهو فعل ابن عمر صحيح عنه) (^٢).
ومع هذا كله فالذي يظهر راجحًا هو أنه يجوز الاكتفاء بمسح الكفين في التيمم؛ لقوة حديث عمار -﵁- وصحته، وكون عمار يفتي بعد النبي -ﷺ- بذلك (^٣).
إلا أن الأولى مسح اليدين إلى المرفقين، وذلك لما يلي:
أ-لأن الأحاديث الواردة في ذلك وإن كان فيها ضعفًا إلا أنها بمجموعها تفيد أن لها أصلا، ويقويها ما صح عن ابن عمر وجابر بن عبد الله -﵄- حيث إنهما مسحا أيديهما في التيمم إلى المرفقين، وذكرا أن التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين (^٤).
_________________
(١) السنن الكبرى ١/ ٣٢٤.
(٢) السنن الكبرى ١/ ٣٢٥.
(٣) انظر: الأوسط ٢/ ٥١؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٢٥؛ فتح الباري ١/ ٥٥٧.
(٤) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ٢١٢؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٤٦، ١٤٧؛ شرح معاني الآثار ١/ ١١٤؛ سنن الدارقطني ١/ ١٨٠، ١٨٢؛ المستدرك ١/ ٢٨٨؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣١٩؛ التمهيد ٢/ ٣٥٩.
[ ١ / ٥٧٥ ]
ب- وخروجًا من خلاف العلماء، وعملًا بقول النبي -ﷺ-: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (^١).
والله أعلم.
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٢٩٥.
[ ١ / ٥٧٦ ]