لا خلاف في مشروعية النسخ وجوازه، عقلًا، ووقوعه شرعًا، وذلك في الشرائع التي شرعها الله تعالى لعباده، إلا ما روي عن بعض اليهود، وعن شرذمة من المسلمين، إنكارهم للنسخ.
أما اليهود فإنهم قد انقسموا في ذلك ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قالوا: لا يجوز النسخ عقلًا، ولا شرعًا؛ زاعمين أنه عين البداء، وهو لا يجوز على الله تعالى (^١).
القسم الثاني: قالوا: يجوز النسخ عقلًا، لا شرعًا، زاعمين أن موسى ﵇ قال: إن شريعته لا تُنسخ من بعده (^٢).
القسم الثالث: قالوا: يجوز النسخ شرعًا، لا عقلًا، ثم زعم بعضهم: أن محمدًا -ﷺ- ليس نبيًّا. وزعم بعضهم: أنه نبيّ لكنه لم يُبعث بنسخ شريعة موسى
_________________
(١) القائلون بهذا القول فرقة يسمون (الشمعونية)، أو (الشمعنية). نسبة إلى شمعون بن يعقوب. انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي ١/ ١٠٩؛ الإحكام للآمدي ٢/ ١٠٦؛ أصول فخر الإسلام مع شرحه كشف الأسرار ٣/ ٣٠٢؛ تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السُّول لأبي زكريا يحيى الرهوني ٣/ ٣٧٥ - ٣٧٦؛ شرح مختصر الروضة للطوفي ٢/ ٢٦٦؛ التحرير لابن الهمام، وشرحه تيسير التحريرلأمير بادشاه ٣/ ١٨١؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٣٣.
(٢) وهذه الفرقة تسمى (العنانية)، نسبة إلى عنان بن داود. راجع المصادر في الحاشية السابقة.
[ ١ / ٧٤ ]
﵇، ولا بعث إلى بني إسرائيل بل إلى العرب خاصة (^١).
ويُرد على هذه المزاعم بما يلي:
-أما القول بأن النسخ عين البداء، وأن ذلك لا يجوز على الله تعالى، فقد سبق في المطلب السابق تعريف البداء، والفرق بينه وبين النسخ، وهو يكفي في الرد على هذا الزعم.
كما يرد عليه: بأن النسخ قد وُجد في شريعة موسى ﵇، فكيف ينكرونه، ومن الأمثلة على ذلك:
أ-أنه ورد في التوراة أن الله تعالى أمر آدم ﵇: أن يزوج بناته من بنيه. وقد حرم ذلك في الشرائع من بعده، وتحريم الشيء بعد تحليله نسخ (^٢).
ب-أن الاصطياد يوم السبت كان حلالًا لهم، ثم حرم عليهم (^٣).
_________________
(١) وهذه الفرقة تُسمى (العيسوية) نسبة إلى أبي عيسى الأصفهاني. راجع المصادر في الحاشية ما قبل السابقة.
(٢) انظر: الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم لابن حزم ص ٨؛ نواسخ القرآن ١/ ١١٣؛ الإحكام للآمدي ٢/ ١٠٨؛ التحرير مع شرحه تيسير التحرير ٣/ ١٢٨؛ الإبهاج في شرح المنهاج لتاج الدين السبكي ٢/ ٢٢٩. وذكر الدكتور مصطفى زيد في كتابه: النسخ في القرآن ١/ ٣٦، أن ذلك موجود في التوراة، في سفر التكوين، الأصحاح (٤)، الآية (٣).
(٣) ذكر الدكتور مصطفى زيد في كتابه: النسخ في القرآن ١/ ٣٧، أن ذلك موجود في التوراة، في سفر الخروج، الأصحاح (١٦)، الآيتان: (٢٥، ٢٦). وانظر: نواسخ القرآن ١/ ١١٣.
[ ١ / ٧٥ ]
قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (^١). وتحريم الشيء بعد تحليله نسخ (^٢).
ج- أن الشحوم كانت مباحة، ثم حرم عليهم ببغيهم، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (^٣).
فهذا كذلك يدل على وجود النسخ في شريعة موسى ﵇ (^٤).
-أما الزعم بأن موسى ﵇ قال بأن شريعته لا تُنسخ من بعده. فهو مما لا يصح عن موسى ﵇، ولا يوجد له ذكر في التوراة، بل هو كذب محض وضعه بعض الزنادقة عليه، ولو كان له
_________________
(١) سورة النساء، الآية (١٦٠).
(٢) انظر: نواسخ القرآن ١/ ١١٣؛ شرح مختصر الروضة ٢/ ٢٦٨؛ النسخ في القرآن لدكتور مصطفي زيد ١/ ٣٧.
(٣) سورة الأنعام، الآية (١٤٦).
(٤) انظر: نواسخ القرآن ١/ ١١٤.
[ ١ / ٧٦ ]
أصل صحيح لاحتج به أحبار اليهود على النبي -ﷺ- لما
هاجر إلى المدينة، ودعاهم إلى الإسلام (^١).
أما ما يقال من وجود آيات أو آثار في شريعة موسى ﵇ ممّا تدل على استمرار شريعته، فليس المراد به أن شريعته لا تُنسخ، بل المراد: ما لم يأت النبي المنتظر، فهو كمثل ما أمروا به من العمل في غير السبت، ثم تحريم العمل في السبت، وبمنزلة صيام وقت مّا، والمنع منه في وقت آخر (^٢).
-أما الزعم بأن محمدا -ﷺ- لم يكن نبيًا، أو أنه لم يبعث إلى بني إسرائيل بل إلى العرب خاصة، فيرد عليه: بأن في التوراة والإنجيل ما يدل على نبوة محمد -ﷺ-، ولما هاجر النبي -ﷺ- إلى المدينة ورآه اليهود عرفوه، واعترفوا أنه النبي الموعود (^٣).
ولقد جاءت النصوص متواترة بأن النبي -ﷺ- بعثُ إلى الناس عامة، وأن شريعته نسخت الشرائع ما قبلها، فمن لم يؤمن به وبما جاء به، فإنه لم يؤمن بالله، ولن يقبل الله منه دينًا سواه، ومن هذه النصوص:
١ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
_________________
(١) يقال: إن ابن الراوندي هو الذي لقنهم ذلك. انظر: قواطع الأدلة للسمعاني ١/ ٤٢٢؛ نواسخ القرآن لابن الجوزي ١/ ١١٤؛ أصول السرخسي ٢/ ٥٥؛ تحفة المسؤول ٣/ ٣٧٨؛ النسخ في القرآن للدكتور مصطفى زيد ١/ ٤٨.
(٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/ ٤٨٥ - ٤٨٦؛
(٣) انظر: جامع البيان ٢/ ٧٧٠؛ السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٥١٦ - ٥١٩؛ الإحكام لابن حزم ١/ ٤٨٥؛ الملل والنحل ص ٢٣٣؛ الرحيق المختوم ص ١٨١ - ١٨٢.
[ ١ / ٧٧ ]
الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^١).
٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (^٢).
٣ - وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (^٣).
٤ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٤).
٥ - وعن جابر بن عبد الله (^٥) -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: «أعطيت خمسًا لم يُعطهنّ أحدٌ قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر،
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية (٨٥).
(٢) سورة الأعراف، الآية (١٥٨).
(٣) سورة الأحزاب، الآية (٤٠).
(٤) سورة سبأ، الآية (٢٨).
(٥) هو: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي السلمي الأنصاري، أبو عبد الله، أحد المكثرين للأحاديث عن رسول الله -ﷺ-، وروى عنه: ابن المسيب، والحسن البصري، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث وسبعين-وقيل غير ذلك-. انظر: الإصابة ١/ ٢٤٣؛ تهذيب التهذيب ٢/ ٣٨.
[ ١ / ٧٨ ]
وجُعلت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أُمّتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد من قبلي، وأُعطيتُ الشفاعة، وكان النبيُّ يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس عامة» (^١).
أما الشرذمة المنكرة للنسخ من المسلمين فمنهم أبو مسلم الأصفهاني (^٢)، وبعض الآخرين ممن تشيَّع له من قدامى ومُحْدثين (^٣)، لكنهم لم ينكروا نسخ الشرائع السابقة بشريعة الإسلام، بل أنكروا وقوع النسخ في الشريعة الإسلامية (^٤).
وهم قد أَوَّلُوا الآيات التي تدل على النسخ كقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٧٢، كتاب التيمم، باب، ح (٣٣٥)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٣٢٧، كتاب المساجد، ح (٥٢١) (٣).
(٢) هو: محمد بن بحر، أبو مسلم الأصفهاني، المعتزلي، كان عالمًا بالتفسير، متكلمًا جدليًا، وألف في الناسخ والمنسوخ، وتوفي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. انظر: الوافي بالوفيات ٢/ ٢٤٤.
(٣) ومنهم: الدكتور عبد المتعال محمد الجبري، حيث ألف كتابين أحدهما في إنكار النسخ في القرآن الكريم، والثاني في إنكار النسخ في السنة النبوية، كما أنكر النسخ المفكر المعاصر محمد الغزالي، وغيره. انظر: مناهل العرفان ٢/ ٢٢٥؛ مقدمة تحقيق نواسخ القرآن ١/ ٣١؛ مقدمة تحقيق كتاب الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد، - تحقيق محمد بن صالح المديفر- ص ٧٣ - ٧٥.
(٤) انظر: كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي ٣/ ٣٠٢؛ قواطع الأدلة ١/ ٤١٩؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٢؛ النسخ في الشريعة كما أفهمه للدكتور عبد المتعال محمد الجبري ص ٥، ٤٣؛ مقدمة تحقيق نواسخ القرآن ١/ ٣١؛ مقدمة تحقيق كتاب الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ص ٧٣ - ٧٥.
[ ١ / ٧٩ ]
نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).
بأن المراد بها نسخ الشرائع السابقة بشريعة الإسلام (^٣).
ومنعوا النسخ في الشريعة الإسلامية، بدليل أن النسخ إبطال، والله ﷾ قال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (^٤).
فالآية تفيد أن أحكام القرآن لا تبطل أبدًا، ولو وقع النسخ في القرآن لأتاه الباطل؛ لأن النسخ فيه إبطال لحكم سابق (^٥).
ويرد على زعمهم الباطل بما يلي:
أولًا: أن قولهم هذا مخالف للإجماع؛ حيث إن الأمة قبل أصحاب هذا القول أجمعت على جواز النسخ ووقوعه في الشريعة الإسلامية؛ فلذا ليس لهذا الزعم أي اعتبار (^٦).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (١٠٦).
(٢) سورة النحل، الآية (١٠١).
(٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص ١/ ٧١؛ النسخ في الشريعة كما أفهمه ص ٥، ٤٣.
(٤) سورة فصلت، الآية (٤٢).
(٥) انظر: أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي ٢/ ٩٥٢؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٣.
(٦) انظر: أصول السرخسي ٢/ ٥٤؛ الإحكام للآمدي ٢/ ١٠٨؛ أصول الفقه الإسلامي ٢/ ٩٥١؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٠٣.
[ ١ / ٨٠ ]
ثانيًا: أن تأويل الآيات التي تدل على النسخ في الشريعة الإسلامية بأن المراد بها نسخ الشرائع السابقة، بعيد جدًا؛ ولم ينقل عن أحد من السلف تفسيره بذلك، بل المنقول عنهم أن المراد به نسخ آيات من القرآن بآيات أخرى منه، أو نسخ بعض أحكامه بأحكام أخر (^١).
ثالثًا: أن استدلالهم بأن النسخ إبطال والقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيرد على استدلالهم ذلك بما يلي:
أ- أن القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كما نص عليه القرآن، والنسخ إبطال وليس بباطل، فالباطل ما خالف الحق، والنسخ حق، ومعنى الآية: أن عقائد القرآن موافقة للعقل، وأحكامه مسايرة للحكمة، وأخباره موافقة للواقع، وألفاظه محفوظة من التغيير والتبديل، فلا يتطرق إليه الخطأ بأي حال (^٢).
ب- أن الضمير في قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ عائد لمجموع القرآن، أي أن القرآن كله لا ينسخ، وهو مما لا خلاف فيه (^٣).
ج- أن معنى الآية: أن القرآن الكريم لم يتقدمه من كتب الله ما
_________________
(١) انظر: جامع البيان لابن جرير ١/ ٦٠٧ - ٦ - ٨؛ أحكام القرآن للجصاص ١/ ٧١؛ الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٦١؛ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ١٤٢.
(٢) انظر: مناهل العرفان ٢/ ٢٢٤؛ أصول الفقه الإسلامي ٢/ ٩٥٢.
(٣) انظر: أصول الفقه الإسلامي ٢/ ٩٥٣.
[ ١ / ٨١ ]
يبطله، ولا يأتيه من بعد ما يبطله، وهذا لا ينافي أن يوجد في القرآن نفسه ما ينسخ بعضه بعضًا، فلا يتم الاستدلال من الآية على عدم جواز النسخ أو عدم وقوعه (^١).
رابعًا: أن النسخ وقع في الشريعة الإسلامية، وثبت ذلك بأدلة كثيرة، فإنكاره إنكار للواقع، ومن أدلة وقوعه ومشروعيته ما يأتي ذكره.
الأدلة على مشروعية النسخ وجوازه:
أولًا: الأدلة الشرعية على مشروعية النسخ وجوازه، ووقوعه:
١ - قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).
فهذه الآية نص في وقوع النسخ، وأن الله تعالى ينسخ الآيات فيُبدلها ويغيرها، فيحول
الحلال حرامًا، والحرام حلالًا، والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا (^٣).
٢ - قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (^٤).
عن ابن عباس﵄- ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ قال: (من
_________________
(١) راجع المصدر في الحاشية السابقة.
(٢) سورة البقرة، الآية (١٠٦).
(٣) انظر: جامع البيان للطبري ١/ ٦٠٧؛ نواسخ القرآن لابن الجوزي ١/ ١١٩؛ شرح مختصر الروضة ٢/ ٢٦٩.
(٤) سورة الرعد، الآية (٣٩).
[ ١ / ٨٢ ]
القرآن، يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب: الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب) (^١).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).
عن مجاهد (^٣): ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ قال: نسخناها، بدلناها، رفعناها، وأثبتنا غيرها (^٤).
فتبديل حكم الآية أو لفظها بغيره، هو النسخ (^٥).
٤ - قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (^٦).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره جامع البيان ٨/ ٥٠٥١، ونحوه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ١/ ١٢٢.
(٢) سورة النحل، الآية (١٠١).
(٣) هو: مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المخزومي مولاهم، المكي، شيخ القراء والمفسرين، ثقة إمام، روى عن: علي، وابن مسعود، وغيرهما، وروى عنه: عطاء، وقتادة، وغيرهما، وتوفي سنة إحدى أو اثنتان أو ثلاث ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٩؛ تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٧؛ تقريب التهذيب ٢/ ١٥٩.
(٤) انظر: جامع البيان ٨/ ٥٣٦٦.
(٥) انظر: شرح مختصر الروضة ٢/ ٢٦٩.
(٦) سورة النساء، الآية (١٦٠).
[ ١ / ٨٣ ]
وتحريم الشيء بعد تحليله هو حقيقة النسخ (^١).
٥ - الإجماع، فإنه لا خلاف بين المسلمين في جواز النسخ، ووقوعه (^٢).
ثانيًا: الأدلة العقلية على جواز النسخ.
العقل يُجَوِّزُ النسخ ولا يمنعه، يدل عليه ما يلي:
أ-لأن النسخ لا يلزم منه محال لذاته، وما لا يلزم منه محال لذاته يجوزه العقل ولا يمنعه (^٣).
ب-ولأن الله ﷾ له ملك السماوات والأرض، فله أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، فهو يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، وهو على كل شيء قدير (^٤).
_________________
(١) انظر: شرح مختصر الروضة ٢/ ٢٦٨.
(٢) وإن كان أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني أنكر وقوع النسخ في الشريعة الإسلامية فإن الإجماع قد سبقه على جوازه ووقوعه؛ لذلك فإن إنكاره لا يقدح في الإجماع. كما أنه بذلك يكون منكرًا لشيء معلوم من الدين بالضرورة. انظر: أصول السرخسي ٢/ ٥٤؛ أصول فخر الإسلام البزدوي مع شرحه كشف الأسرار ٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣؛ المستصفى ص ٨٩؛ الإحكام للآمدي ٢/ ١٠٦؛ تحفة المسؤول ٣/ ٣٧٥ - ٣٧٦؛ البحر المحيط ٥/ ٢٠٨ - ٢٠٩، ٢١٣؛ شرح مختصر الروضة ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٣٥؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٣.
(٣) انظر: رفع الحاجب عن مختصر ابن حاجب للسبكي ٤/ ٤٠؛ تحفة المسؤول ٣/ ٣٧٦؛ مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ٦٥.
(٤) انظر: الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم لابن حزم ص ٨؛ الإبهاج في شرح المنهاج ٢/ ٢٢٨؛ تحفة المسؤول ٣/ ٣٧٦.
[ ١ / ٨٤ ]
ج- ولأن المصلحة تختلف باختلاف الأوقات، والأحوال، والأشخاص، فقد يكون الشيء مصلحة في وقت وحال، ولا يكون مصلحة في وقت آخر، وقد يكون مصلحة لشخص، ولا يكون مصلحة لشخص آخر، كشرب دواء في وقت دون وقت، ولشخص دون شخص آخر، وإذا كان الأمر كذلك فلا بُعد في أن تكون المصلحة في وقت تقتضي شرع ذلك الحكم، وفي وقت تقتضي رفعه (^١).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٢٠؛ نواسخ القرآن ١/ ١١٢؛ مختصر ابن حاجب مع شرحه رفع الحاجب ٤/ ٤٠؛ الإبهاج في شرح المنهاج ٢/ ٢٢٨؛ تحفة المسؤول ٣/ ٣٧٦؛ مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ٦٥.
[ ١ / ٨٥ ]