ذهب أبو داود (^١)، وابن شاهين (^٢)، -وروي نحوه عن الإمام أحمد (^٣) - إلى أن حديث الغسل من غسل الميت منسوخ، فلا يجب على من غسل ميتًا أن يغتسل.
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلاف الآثار الواردة فيها، والاختلاف في صحة تلك الآثار، وفي المراد بها، كما سيتبين ذلك من عرض الأقوال، والآثار، ووجه الاستدلال منها.
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن ابن عباس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ليس عليكم في ميتكم غسل إذا غسلتموه، وإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم» (^٤).
_________________
(١) انظر: سنن أبي داود ص ٤٨٤.
(٢) انظر: ناسخ الحديث لابن شاهين ص ١٣٥.
(٣) انظر: التلخيص الحبير ١/ ١٣٧؛ تحفة الأحوذي ٤/ ٤٨.
(٤) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٣٥، والدارقطني في سننه ١/ ٧٦، والحاكم في المستدرك ١/ ٥٤٣، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٥٧. قال الحاكم: (حديث صحيح على شرط البخاري). ووافقه الذهبي في التلخيص فقال: (على شرط البخاري). وقال البيهقي بعد ذكر الحديث: (هذا ضعيف، والحمل فيه على أبي شيبة كما أظن) وذكره موقوفًا ثم قال: (وروي هذا مرفوعًا ولا يصح رفعه). وتعقبه ابن حجر في التلخيص ١/ ١٣٨، فقال بعد ذكر قوله (قلت: أبو شيبة هو إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، احتج به النسائي، ووثقه الناس، ومن فوقه احتج بهم البخاري، وأبو العباس الهمداني هو ابن عقدة حافظ كبير، إنما تكلموا فيه بسبب المذهب ولأمور أخرى، ولم يضعفه بسبب المتون أصلًا فالإسناد حسن).
[ ١ / ٦٠٦ ]
ثانيًا: عن علي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «نسخ الأضحى كل ذبح، ورمضان كل صوم، وغسل الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة» (^١).
ثالثاُ: عن نافع عن ابن عمر -﵁-: (كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل) (^٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة تدل على عدم وجوب الغسل من غسل الميت، وقد رُويت أحاديث فيها الأمر بالغسل من غسل الميت، وروي ما يدل على أن غسل الجنابة نسخ كل غسل، فثبت من ذلك أن الأحاديث الدالة على عدم وجوب الغسل من غسل الميت متأخرة، وأنها الناسخة للغسل من غسل الميت (^٣).
واعترض عليه: بأن الحديث الدال على أن غسل الجنابة نسخ كل غسل ضعيف (^٤)، أما أن يكون بقية الأحاديث الدالة على عدم وجوب الغسل من
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٣٩٥.
(٢) ذكر ابن حجر في التلخيص ١/ ١٣٨ أن الخطيب رواه في ترجمة محمد بن عبد الله المخرمي، ثم قال: (وهذا إسناد صحيح).
(٣) انظر: ناسخ الحديث لابن شاهين ص ١٣٠ - ١٣٦، ١٣٩؛ التلخيص الحبير ١/ ١٣٧؛ تحفة الأحوذي ٤/ ٤٨.
(٤) راجع تخريج الحديث.
[ ١ / ٦٠٧ ]
غسل الميت متأخرة، عن الأحاديث التي فيها الأمر بالغسل من غسل الميت، فاحتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الغسل من غسل الميت على قولين:
القول الأول: أن الغسل من غسل الميت لا يجب، ولكنه مستحب.
وهو قول المذاهب الأربعة (^٢)، وروي ذلك عن: ابن مسعود، وجابر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة﵃-، وإبراهيم النخعي، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر (^٣).
القول الثاني: أن الغسل من غسل الميت واجب.
روي ذلك عن علي، وأبي هريرة -﵄-. وبه قال سعيد بن المسيب، وابن
سيرين، والزهري، وابن حزم (^٤).
_________________
(١) انظر: تحفة الأحوذي ٤/ ٤٨.
(٢) أنظر: (الأصل ١/ ٤١٥؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٨٢؛ فتح القدير ١/ ٦٦؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ١/ ٢٧٨) (سنن الترمذي ص ٢٣٦؛ الاشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ١٨٦؛ التمهيد ٦/ ١٩٥؛ الاستذكار ٢/ ٥٣٨) (الأم ١/ ٩٨؛ مختصر المزني ص ٢٠؛ المجموع ٢/ ١٦٢) (المغني ١/ ٢٧٨؛ الشرح الكبير ٢/ ١١٨؛ الممتع ١/ ٢٣٠؛ الإنصاف ٢/ ١٢٠).
(٣) انظر: المحلى ١/ ٢١٧؛ المغني ١/ ٢٧٨؛ الشرح الكبير ٢/ ١٢٠.
(٤) انظر: المحلى ١/ ٢٧٢؛ المغني ١/ ٢٧٨؛ الشرح الكبير ٢/ ١٢٠.
[ ١ / ٦٠٨ ]
الأدلة
ويستدل للقول الأول بالأدلة التي استُدل بها للقول بالنسخ.
ووجه الاستدلال منها: هو أن تلك الأحاديث ظاهرة في عدم وجوب الغسل من غسل الميت، لكنه مستحب للأحاديث التي فيها الأمر بالغسل من ذلك، وبه يجمع بين تلك الأحاديث كلها (^١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني -وهو وجوب الغسل من غسل الميت- بما يلي:
أولًا: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» (^٢).
_________________
(١) انظر: المغني ١/ ٢٨٠؛ التلخيص الحبير ١/ ١٣٧، ١٣٨.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٤٨٤، كتاب الجنائز، باب الغسل من غسل الميت، ح (٣١٦١)، والترمذي في سننه ص ٢٣٦، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الغسل من غسل الميت، ح (٩٩٣)، وابن ماجة في سننه ص ٢٦٠، كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الميت، ح (١٤٦٣)، وأحمد في المسند ١٥/ ٥٣٤، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٣١، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٥٢، وابن حزم في المحلي ١/ ٢٧٠. وقد اختلف في صحة هذا الحديث وضعفه، ورفعه ووقفه، قال علي ابن المديني، وأحمد بن حنبل: لا يصح في الباب شيء. وقال الذهبي: ليس فيمن غسل ميتًا فليغتسل حديث ثابت. وقال ابن المنذر: ليس في الباب حديث يثبت. انظر: السنن الكبري للبيهقي ١/ ٤٥٠؛ التلخيص الحبير ١/ ١٣٦؛ فتح الباري ٣/ ١٥٦؛ تحفة الأحوذي ٤/ ٤٨. وقال النووي في المجموع ٢/ ١٦٣: (وليس في الغسل من غسل الميت شيء صحيح). وقال البخاري: الأشبه موقوف. وقال أبو حاتم: لا يرفعه الثقات، إنما هو موقوف. انظر: التلخيص الحبير ١/ ١٣٦. وقال البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٥٢ - بعد ذكر طرقه-: (الروايات المرفوعة في هذا الباب عن أبي هريرة غير قوية، لجهالة بعض رواتها، وضعف بعضهم، والصحيح عن أبي هريرة من قوله موقوفًا غير مرفوع). وصححه ابن حبان، وابن حزم، والشيخ الألباني، وحسنه الترمذي، وقال ابن حجر: هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنًا. انظر: سنن الترمذي ص ٢٣٦؛ التلخيص الحبير ١/ ١٣٧؛ نيل الأوطار ١/ ٢٣٧؛ صحيح سنن أبي داود ص ٤٨٤.
[ ١ / ٦٠٩ ]
ثانيًا: عن حذيفة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من غسل ميتًا فليغتسل) (^١).
ثالثًا: عن عائشة -﵂- «أن النبي -ﷺ- كان يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت» (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٣٤. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ٢٦: (رواه الطبراني في الأوسط من رواية أبي إسحاق السبيعي عن أبيه، ولم أجد من ذكر أباه). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٣٧: (ذكره ابن أبي حاتم والدارقطني في العلل، وقالا: أنه لا يثبت. قلت: ونفيهما الثبوت على طريقة المحدثين، وإلا فهو على طريقة الفقهاء قوي، لأن رواته ثقات أخرجه البيهقي من طريق معمر عن أبي إسحاق عن أبيه عن حذيفة. وأعله بأن أبا بكر بن إسحاق الصبغي قال: هو ساقط، قال ابن المديني: لا يثبت فيه حديث، انتهى. وهذا التعليل ليس بقادح لما قدمناه).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٦١، كتاب الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة، ح (٣٤٨)، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٤٧، وأخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١١٣، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٣٧، بلفظ: (قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «الغسل من أربع: من الجنابة، والجمعة، والحجامة، وغسل الميت». ثم قال الدارقطني: مصعب بن شيبة ليس بالقوي ولا بالحافظ). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٣٧: (وفي الباب عن عائشة، رواه أحمد وأبو داود والبيهقي، وفي إسناده مصعب بن شيبة، وفيه مقال، وضعفه أبو زرعة، وأحمد، والبخاري، وصححه ابن خزيمة) وقال ابن الجوزي في إعلام العالم ص ١٥١: (وقد صح عن عائشة أنها أنكرت الغسل من غسل الميت، فكيف ترويه عن رسول الله -ﷺ- ثم تنكره؟). وكذلك ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داودص ٦١.
[ ١ / ٦١٠ ]
ووجه الاستدلال منها: أن هذه الأدلة فيها الأمر بالغسل من غسل الميت، فدل ذلك على الوجوب (^١).
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث فيها الأمر بالغسل من غسل الميت، لكن هناك قرينة تصرفه عن الوجوب إلى الندب، وهي الأحاديث التي تدل على عدم الوجوب، والقول بذلك أولى؛ لأنه ما دام الجمع بين الأحاديث ممكنا لا يصار إلى ترك بعضها (^٢).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن
الراجح هو استحباب الغسل من غسل الميت، وأن الأحاديث في الغسل من غسل الميت ليست منسوخة، وذلك لما يلي:
أولًا: أما أنه لا نسخ في هذه المسألة؛ فلأن الأحاديث الواردة فيها، ليس فيها ما يدل على النسخ، إلا حديث علي -﵁- مرفوعًا: «نسخ الأضحى كل
_________________
(١) انظر: المحلى ١/ ٢٧٠؛ المغني ١/ ٢٧٩.
(٢) انظر: التلخيص الحبير ١/ ١٣٨؛ نيل الأوطار ١/ ٢٣٨.
[ ١ / ٦١١ ]
ذبح، ورمضان كل صوم، وغسل الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة» وهو صريح في النسخ إلا أنه ضعيف لا يقوى على النسخ (^١).
أما بقية الأحاديث فالاستدلال منها على أنها المتأخرة والناسخة لأحاديث الغسل من غسل الميت، فاحتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، بل بصريح ويكون متأخرًا، وهو ما لا يوجد هنا (^٢).
ثانيًا: أما أن الغسل من غسل الميت مستحب غير واجب فلما يلي:
أ- قول ابن عمر -﵁-: (كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل)؛ حيث أنه يؤيد أن الأمر الوارد في أحاديث الغسل من غسل الميت للاستحباب والندب، لا للوجوب (^٣).
ب- ولأن القول بالاستحباب يمكن أن يجمع به بين هذه الأحاديث كلها، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكنًا لا يصار إلى النسخ ولا إلى ترك بعضها (^٤).
والله أعلم.
_________________
(١) راجع تخريج الحديث.
(٢) انظر: تحفة الأحوذي ٤/ ٤٨.
(٣) انظر: التلخيص الحبير ١/ ١٣٨؛ نيل الأوطار ١/ ٢٣٨.
(٤) انظر: نيل الأوطار ١/ ٢٣٨.
[ ١ / ٦١٢ ]