ذهب الطحاوي إلى أن صلاة الفريضة كان جائزًا في أول الإسلام أن تُصلى في اليوم مرتين، ثم نُسخ ذلك ونُهي عنه (^١).
ولم أجد أحدًا من أهل العلم من قال بجواز تكرار صلاة الفريضة الواحدة في اليوم مرتين بحيث أن يؤدي كلتيهما على وجه الفرض، لذلك ليس للقول بالنسخ أي أثر في اختلاف الفقهاء في المسألة، إلا أن الآثار التي يُستدل منها على النسخ مختلف في المقصود بها (^٢).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن سليمان بن يسار-مولى ميمونة- قال: أتيت ابن عمر على البلاط (^٣) وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت، إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لا تصلوا صلاة في يوم مرتين» (^٤).
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣١٦؛ ٣٦٤؛ ٤١٠.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣١٦؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٣٤٦؛ التمهيد ٤/ ٢٤٧؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٤٣١.
(٣) البلاط: ضرب من الحجارة تفرش به الأرض، ثم سمي المكان بلاطًا اتساعًا، وهو موضع معروف بالمدينة. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ١٥٦؛ المصباح المنير ص ٦٠.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ص ٩٦، كتاب الصلاة، باب إذا صلى في جماعة ثم أدرك جماعة أيعيد؟، ح (٥٧٩)، والنسائي في سننه-ولفظه: «لا تعاد الصلاة في يوم مرتين» ص ١٤٢، كتاب الإمامة، باب سقوط الصلاة عمن صلى مع الإمام في المسجد جماعة، ح (٨٦٠)، وأحمد في المسند ٨/ ٣١٦، والطحاوي في شرح معاني الآثار-ولفظه: «إن رسول الله -ﷺ- نهى أن تصلى فريضة مرتين» ١/ ٣١٦، وابن حبان في صحيحه ص ٧٠٧، والدارقطني في سننه ١/ ٤١٦، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٣٤١، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٣١، وابن عبد البر في التمهيد ٤/ ٢٤٩. قال أبو الطيب محمد أبادي في التعليق المغني ١/ ٤١٦: (قال النووي في الخلاصة: إسناده صحيح). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٩٦: (حسن صحيح).
[ ٢ / ٦٩٢ ]
ثانيًا: عن خالد بن أيمن المعافري (^١) قال: كان أهل العوالي يصلون في منازلهم، ويصلون
مع النبي -ﷺ-، «فنهاهم رسول الله -ﷺ- أن يعيدوا الصلاة في يوم مرتين» (^٢).
ويستدل منهما على النسخ: بأن النهي لا يكون إلا بعد الإباحة، فدل ذلك أن الفريضة الواحدة كانت تُصلى في اليوم مرتين، ثم نسخ ذلك (^٣).
_________________
(١) هو: خالد بن أيمن المعافري، يروي عن الشعبي، وروى عنه: عمرو بن شعيب، وعبد الله بن حبيب، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: التاريخ الكبير للبخاري ٣/ ١٣٩؛ الثقات لابن حبان ٦/ ٢٥٢.
(٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٣/ ١٣٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار-واللفظ له- ١/ ٣١٧، وقال بعد ما ذكره: (قال عمرو: قد ذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: صدق). وأخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٣٤٢، ولفظه: (أن ناسًا كانت منازلهم بالعوالي، فكانوا ربما يصلون في منازلهم، ثم أدركوا الصلاة مع النبي -ﷺ- فسألوا رسول الله -ﷺ- عن ذلك فنهاهم أن يصلوا صلاة في يوم مرتين). وذكر ابن حجر في الفتح ٢/ ٢٤٣: أنه مرسل.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣١٦.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
أما بقية أهل العلم فلم أجد من صرح بالنسخ، إلا أنهم لم يختلفوا -حسب ما اطلعت على أقوالهم- في أنه لا يُصلى مكتوبة في يوم مرتين (^١)؛ وذلك لحديث ابن عمر -﵁- الذي سبق بيانه.
والنهي عن أن يصلى مكتوبة في يوم مرتين ثابت، سواء قيل بالنسخ أم لا، إلا أنه إن ثبت أنه كان يُصلى ذلك في أول الإسلام، فالنهي بعد ذلك عنه ناسخ له، وإلا فالقول بالنسخ مجرد احتمال، مع صحة النهي عن أن يصلى مكتوبة في يوم مرتين.
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣١٦؛ سنن الدارقطني ١/ ٤١٥؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٣٤٦؛ التمهيد ٤/ ٢٤٧، ٢٤٩؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٤٣١؛ إعلام العالم بعد رسوخه لان الجوزي ص ٢٠٠؛ فتح الباري ٢/ ٢٤٣؛ نيل الأوطار ٢/ ٢٤.
[ ٢ / ٦٩٤ ]