ذهب بعض الحنفية منهم الطحاوي (^١) إلى أن قتال المصلي لمن يمر بين يديه كان ثم نسخ بنسخ الأفعال في الصلاة.
ويظهر منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف، لكن السبب الأصلي لاختلاف الفقهاء في المسألة هو اختلافهم في المراد بالقتال المذكور في الحديث (^٢).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن عبد الله -﵁- أنه قال: كنا نسلم على النبي -ﷺ- وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، وقال: «إن في الصلاة شغلًا» (^٣).
ثانيًا: عن أم سلمة﵂- قالت: كان النبي -ﷺ- يصلي في حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد الله أو عمر بن أبي سلمة، فقال بيده، فرجع، فمرت زينب بنت أم سلمة فقال بيده هكذا فمضت، فلما صلى قال: «هن أغلب» (^٤).
_________________
(١) وكذلك صرح بالنسخ ابن عابدين، ونقله عن بعض الحنفية، ويدل عليه كلام الكاساني. انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٣؛ بدائع الصنائع ١/ ٥١٠، ٥٥٢؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٤٧.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٣؛ التمهيد ٥/ ٣٣؛ المجموع ٣/ ١٥٩؛ المغني ٣/ ٩٣.
(٣) سبق تخريجه في ص ٦٠٠.
(٤) سبق تخريجه في ص ٦٥٦.
[ ٢ / ١٠٠١ ]
ثالثًا: عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان» (^١).
رابعًا: عن ابن عمر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين» (^٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث أبي سعيد وابن عمر﵄يدلان على قتال المار بين يدي المصلي إذا أبي إلا المرور بين يديه، والقتال ليس من أعمال الصلاة، ثم هو من العمل الكثير، وهو مما يفسد الصلاة، فدل ذلك أن حديثهما كان في الابتداء حين كان العمل في الصلاة مباحًا، ثم نهي عنه بحديث (إن في الصلاة شغلًا)، فيكون ما يدل عليه حديثهما منسوخًا بهذا الحديث، ويؤيده حديث أم سلمة﵂- (^٣).
واعترض عليه: بأنه لا يصح الاستدلال من حديث (إن في الصلاة شغلًا) على النسخ؛ لأن حديث (إن في الصلاة شغلًا) قيل: إنه -ﷺ- قاله في
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٠٧، كتاب الصلاة، باب يرد المصلي من مر بين يديه، ح (٥٠٩)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٦٧، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، ح (٥٠٥) (٢٥٩).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١٦٧، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، ح (٥٠٦) (٢٦٠).
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٣؛ بدائع الصنائع ١/ ٥١٠؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٤٧.
[ ٢ / ١٠٠٢ ]
مكة قبل الهجرة (^١)، أما قتال المصلي لمن يمر بين يديه فهو مذكور في حديث أبي سعيد وابن عمر﵄-، وهما قد كانا بعد النبي -ﷺ- يريان مقاتلة من يأبى إلا المرور بين يدي المصلي، وهما أعلم بما روياه، فلو كان ذلك منسوخًا لما قالا به، كما أن أبو سعيد -﵁- كان صغيرًا عند قدوم النبي -ﷺ- المدينة؛ حيث استصغر في غزوة أحد، فالظاهر أنه سمع هذا الحديث من النبي -ﷺ- بعد الهجرة، فيكون ذلك متأخرًا عن حديث عبد الله بن مسعود -﵁- ولا يصح نسخ المتأخر بالمتقدم (^٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في قتال المصلي لمن يمر بين يديه إذا أبى إلا المرور بينه وبين ما يستره على قولين:
القول الأول: أن المصلي لا يقاتله، وإنما يدفعه ويرده بالتسبيح أو بالإشارة، ونحو ذلك.
وهو قول الحنفية (^٣)، ونحوه قول المالكية (^٤)، ورواية عن الإمام أحمد (^٥).
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١/ ٧٤٥؛ شرح الزرقاني ١/ ٣٤٥؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٦٧.
(٢) انظر: الإصابة ١/ ٧١٤.
(٣) انظر: بدائع الصنائع ١/ ٥٠٩؛ الهداية مع شرحه فتح القدير ١/ ٤٠٨؛ العناية شرح الهداية ١/ ٤٠٨؛ الدر المختار ٢/ ٣٤٧؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٤٧.
(٤) انظر: التمهيد ٥/ ٣٣؛ الاستذكار ٢/ ٢٦٤، ٢٦٥؛ التاج والإكليل ٢/ ٢٣٥؛ مواهب الجليل ٢/ ٢٣٦.
(٥) انظر: المغني ٣/ ٩٣؛
[ ٢ / ١٠٠٣ ]
القول الثاني: أنه يستحب للمصلي أن يصلي إلى سترة، وأن يدفع من يمر بينه وبينها ويرده بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشد، فإن أصر فله قتاله (^١).
وهو مذهب الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أنه لا يقاتله- بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أم سلمة وابن مسعود -﵄-.
وجه الاستدلال منهما: أن الحديث الأول فيه أن النبي -ﷺ- أشار ليدرأ المار بين يديه، ولم يقاتل من مر منهم بين يديه، والحديث الثاني يدل على أنه لا يجوز في الصلاة الأعمال التي ليس منها ويشغل عنها، والقتال ليس من أعمال الصلاة فلا يجوز في الصلاة، كما أن الأمر بدفع المار إنما يقصد به حفظ الصلاة عما ينقصها، والقتال يفسدها ويقطعها بالكلية، لذلك لا يقاتل (^٤).
_________________
(١) قال النووي في المجموع ٣/ ١٥٩: (ويدفعه دفع الصائل بالأسهل ثم الأسهل، ويزيد بحسب الحاجة وإن أدى إلى قتله).
(٢) انظر: الوجيز وشرحه العزيز ٢/ ٥٥، ٥٦؛ المجموع ٣/ ١٥٩؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٦٧؛ روضة الطالبين ص ١٣٢؛ فتح الباري ١/ ٧٣٤.
(٣) انظر: المغني ٣/ ٩٣؛ الفروع ٢/ ٢٥٨؛ حاشية ابن قندس على الفروع ٢/ ٢٥٨؛ منتهى الإرادات ١/ ٦١.
(٤) انظر: التمهيد ٥/ ٣٣؛ بدائع الصنائع ١/ ٥١٠؛ الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ٤٠٨؛ المغني ٣/ ٩٣.
[ ٢ / ١٠٠٤ ]
واعترض عليه: بأن حديث أم سلمة﵂فيه ضعفًا (^١)، ثم من مر بين يديه صغير مرفوع عنه القلم (^٢).
أما حديث ابن مسعود -﵁- فلا تعارض بينه وبين ما يدل على قتال من يأبى إلا المرور بين يدي المصلي؛ لأنه ليس المراد به العمل الكثير، ثم إن الشارع أباح له مقاتلته (^٣).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن له أن يقاتله إذا أصر على المرور بين يديه- بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أبي سعيد وابن عمر -﵄-.
ووجه الاستدلال منهما ظاهر؛ حيث إنهما يدلان على أن للمصلي أن يقاتل من يمر بين يديه إذا أبى إلا المرور (^٤).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الثاني، وهو أن للمصلي مقاتلة من يصر على المرور بينه وبين السترة؛ وذلك لصحة الأحاديث في ذلك عن النبي -ﷺ-.
_________________
(١) راجع تخريجه.
(٢) انظر: المغني ٣/ ٩٣.
(٣) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٦٦؛ فتح الباري ١/ ٧٣٤.
(٤) انظر: المجموع ٣/ ١٥٩؛ فتح الباري ١/ ٧٣٤.
[ ٢ / ١٠٠٥ ]
أما ادعاء نسخه بحديث (إن في الصلاة شغلا) فلا يصح لما يلي:
أ-لأنه لا يوجد ما يدل على أن هذا الحديث متأخر عن تلك الأحاديث، بل قد يكون العكس صحيحًا كما سبق ذلك.
ب- ولأنه لو كان ذلك منسوخًا لما عمل به من رواه عن النبي -ﷺ- بعد النبي -ﷺ-، والحال أن ابن عمر وأبا سعيد الخدري -﵄- كانا يعملان به، حتى قال أبو سعيد -﵁- (والله لو أبى إلا أن آخذ بشعره لأخذت) (^١).
والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢٥٣، وروى في ص ٢٥٤ عن عمرو بن دينار قال: (مررت بين يدي ابن عمر وهو في الصلاة فارتفع من قعود ثم دفع في صدري). وانظر: مصنف عبد الرزاق ٢/ ٢٠ - ٢٢.
[ ٢ / ١٠٠٦ ]