ذهب بعض أهل العلم (^١) ومنهم ابن خزيمة (^٢)، والماوردي (^٣)، وابن قدامة (^٤)، إلى أن الأمر بوضع اليدين قبل الركبتين عند السجود منسوخ، وأن وضع الركبتين قبل اليدين ناسخ له.
وذهب ابن حزم إلى عكس ذلك؛ حيث قال بوجوب وضع اليدين إذا سجد قبل الركبتين، وأن الحديث الدال على ذلك ناسخ لما خالفه (^٥).
_________________
(١) قال الخطابي في معالم السنن ١/ ٣٩٨: (وزعم بعض العلماء أن هذا منسوخ، وروى فيه خبرًا). وقال البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٤٤: (وقد روي أن ذلك كان ثم نسخ وصار الأمر إلى ما روينا عن وائل بن حجر إلا إن إسناده ضعيف). وقال الحازمي في الاعتبار ص ٢٢٠: (ومنهم من ادعى أن الأحاديث الأول منسوخ بحديث سعد). وانظر كذلك: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٤٩؛ المنهج القويم بشرح مسائل التعليم لابن حجر الهيتمي ١/ ٤٠٨؛ حاشية العدوي ١/ ٣٣٧.
(٢) انظر قوله في صحيح ابن خزيمة ١/ ٣١٩. وانظر كذلك: المجموع ٣/ ٢٧٥؛ فتح الباري ٢/ ٣٦٠.
(٣) هو: علي بن محمد بن حبيب، القاضي أبو الحسن الماوردي البصري، أحد الأئمة من أصحاب الوجوه، تفقه على الصيمري، وغيره، وولي القضاء ببلدان شتى، واتهم بالاعتزال، ومن مؤلفاته (الحاوي الكبير) وتوفي سنة خمسين وأربعمائة. انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٣٨؛ طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٣٠. وانظر قوله بالنسخ في: الحاوي ٢/ ١٢٥.
(٤) انظر: المغني ٢/ ١٩٤.
(٥) انظر: المحلى ٣/ ٤٥؛ نيل الأوطار ٢/ ٢٥٤.
[ ٢ / ٨٨٣ ]
وتبين منه أن القول بالنسخ في المسألة أحد أسباب اختلاف الفقهاء فيها، إلا أن السبب الأصلي لاختلافهم فيها هو اختلاف الآثار الواردة فيها (^١).
ويستدل لمن قال بنسخ وضع اليدين قبل الركبتين إذا سجد بما يلي:
أولًا: عن وائل بن حجر -﵁- قال: «رأيت النبي -ﷺ- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (^٢).
_________________
(١) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ٣١٨، ٣١٩؛ المحلى ٣/ ٤٥؛ نيل الأوطار ٢/ ٢٥٤.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٣٤، كتاب الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه، ح (٨٣٨)، والترمذي في سننه ص ٧٦، كتاب الصلاة، باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود، ح (٢٦٨)، والنسائي في سننه ص ١٧٧، كتاب التطبيق، باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده، ح (١٠٨٩)، وابن ماجة في سننه ص ١٦٣، كتاب الصلاة، باب السجود، ح (٨٨٢)، والدارمي في سننه ١/ ٣٤٧، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣١٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٥٥، وابن المنذر في الأوسط ٣/ ١٦٥، وابن حبان في صحيحه ص ٥٩٢، والدارقطني في سننه ١/ ٣٤٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٤٢. قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب لا نعرف أحدًا رواه مثل هذا عن شريك). وقال ابن المنذر في الأوسط ٣/ ١٦٦: (وحديث وائل بن حجر ثابت). وقال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود ١/ ٣٩٧: (وقد صححه ابن خزيمة، وأبو حاتم ابن حبان، والحاكم). وذكر الخطابي في معالم السنن ١/ ٣٩٨ أن حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة. وقال الدارقطني في سننه ١/ ٣٤٥: (تفرد به يزيد عن شريك ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به، والله أعلم). وقال البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٤٢: (هذا حديث يعد في إفراد شريك القاضي، وإنما تابعه همام من هذا الوجه مرسلًا، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين رحمهم الله تعالى). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٢٥٤: (قال البخاري والترمذي وابن أبي داود والدارقطني والبيهقي: تفرد به شريك، قال البيهقي: وإنما تابعه همام عن عاصم عن أبيه مرسلًا. وقال الترمذي: رواه همام عن عاصم مرسلًا. وقال الحازمي: رواية من أرسل أصح، وقد تعقب قول الترمذي بأن همامًا إنما رواه عن شقيق يعني ابن الليث، عن عاصم عن أبيه مرسلًا، ورواه همام أيضًا عن محمد بن جحادة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه موصولًا، وهذه الطريق في سنن أبي داود، إلا أن عبد الجبار لم يسمع من أبيه، وله شاهد من وجه آخر). وضعفه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٢/ ٧٥، وفي صفة صلاة النبي -ﷺ- ص ١٤٠. وقال في تمام المنة ص ١٩٤: (وهو حديث ضعيف؛ لأنه من حديث شريك، وهو ابن عبد الله القاضي، وهو ضعيف سيء الحفظ فلا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف؟).
[ ٢ / ٨٨٤ ]
ثانيًا: عن أنس -﵁- قال: «رأيت رسول الله -ﷺ- كبر حتى حاذى بإبهاميه أذنيه، ثم ركع حتى استقر كل مفصل منه في موضعه، ثم رفع رأسه حتى استقر كل مفصل منه في موضعه، ثم انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه» (^١).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٣٤٥، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٤٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٤٣، والحازمي في الاعتبار ص ٢٢٢. قال الحاكم: (هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين). ووافقه الذهبي. وقال الدارقطني ونحوه قول البيهقي: (تفرد به العلاء بن إسماعيل عن حفص بهذا الإسناد). وقال ابن القيم في زاد المعاد ١/ ٢٢٩: (قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث، فقال: هذا الحديث منكر. انتهى، وإنما أنكره- والله أعلم- لأنه من رواية العلاء بن إسماعيل العطار عن حفص بن غياث، والعلاء هذا مجهول لا ذكر له في الكتب الستة).
[ ٢ / ٨٨٥ ]
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «إذا سجد أحدكم فليبتدئ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل» (^١).
رابعًا: عن سعد بن أبي قاص -﵁- قال: (كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأُمرنا بالركبتين قبل اليدين) (^٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة تدل على وضع الركبتين قبل اليدين، ثم حديث سعد -﵁- يدل على أن الأمر بوضع الركبتين قبل اليدين متأخر عن الأحاديث الدالة على وضع اليدين قبل
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢٣٦، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٥٥، وابن حزم في المحلى ٣/ ٤٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٤٤. وقال: (إلا أن عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف). وقال ابن حجر في الفتح ٢/ ٣٦٠: (إسناده ضعيف) وقال الشيخ الألباني في الإرواء ٢/ ٧٩: (حديث باطل، تفرد به عبد الله هو ابن سعيد المقبري، وهو واه جدًا بل اتهمه بعضهم بالكذب).
(٢) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣١٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٤٤، والحازمي في الاعتبار ص ٢٢١. وهذا الحديث تفرد به إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى عن أبيه، وهما ضعيفان، لذلك ضُعف هذا الحديث، وممن ضعفه البيهقي، والحازمي، والنووي، وابن حجر. انظر: السنن الكبرى ٢/ ١٤٤؛ الاعتبار ص ٢٢١؛ المجموع ٣/ ٢٧٥؛ فتح الباري ٢/ ٣٦٠.
[ ٢ / ٨٨٦ ]
الركبتين، فتكون هذه الأحاديث ناسخة لما يدل على وضع اليدين قبل الركبتين (^١).
واعترض عليه: بأن حديث سعد -﵁- حديث ضعيف؛ لذلك لا يصح الاستدلال منه على النسخ (^٢).
دليل من قال بنسخ وضع الركبتين قبل اليدين عند السجود
واستدل على ذلك بحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» (^٣).
_________________
(١) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ٣١٩؛
(٢) انظر: المجموع ٣/ ٢٧٥؛ فتح الباري ٢/ ٣٦٠.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٣٤، كتاب الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه، ح (٨٤٠)، والنسائي في سننه ص ١٧٨، كتاب التطبيق، باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده، ح (١٠٩١)، وأحمد في المسند ١٤/ ٥١٦، والدارمي في سننه ١/ ٣٤٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٥٤، والدارقطني في سننه ١/ ٣٤٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٤٣، وابن حزم في المحلى ٣/ ٤٤. قال النووي في المجموع ٣/ ٢٧٤: (رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد). وقال ابن حجر في بلوغ المرام-مع شرحه سبل السلام-: ١/ ٣٥٩: (وهو أقوى من حديث وائل بن حجر). وقال الشيخ الألباني في الإرواء ٢/ ٧٨: (وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير محمد بن عبد الله بن الحسن، وهو المعروف بالنفس الزكية العلوي، وهو ثقة كما قال النسائي وغيره). ونقل عن عبد الحق أنه صححه، وقال: إنه أحسن من حديث وائل.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
ويستدل منه على النسخ: بأنه يدل على وضع اليدين قبل الركبتين، ثم هذا الحديث وارد بشرع زائد، فيكون ناسخًا لإباحة وضع الركبتين قبل اليدين عند السجود والتي يدل عليها بعض الأحاديث (^١).
واعترض عليه: بأنه لا يصح منه الاستدلال على النسخ؛ لأنه لا يوجد دليل على أن هذا الحديث متأخر عن الأحاديث الدالة على وضع الركبتين قبل اليدين، بل مع تلك الأحاديث ما يدل على تأخرها كرواية سعد -﵁- السابق، وأن وائل بن حجر -﵁- وهو أحد من رُوي عنه الحديث الدال على وضع الركبتين قبل اليدين- وفد إلى رسول الله -ﷺ- بعد فتح مكة، وأبو هريرة -﵁- وهو الراوي لحديث الأمر بوضع اليدين قبل الركبتين- أسلم سنة سبع قبل الفتح (^٢).
هذا كان قول من قال النسخ، ودليله.
أما جمهور أهل العلم فقالوا بجواز وضع الركبتين قبل اليدين إذا سجد، وعكسه (^٣)، لكنهم اختلفوا في الأفضل منهما على قولين:
القول الأول: أن الأفضل والمستحب هو وضع الركبتين قبل اليدين.
وهو قول الحنفية (^٤)، والشافعية (^٥)،
والحنابلة (^٦)، وجمهور أهل
_________________
(١) انظر: المحلى ٣/ ٤٥؛ نيل الأوطار ٢/ ٢٥٤.
(٢) انظر: التنبه على مشكلات الهداية ٢/ ٥٦٨؛ الإصابة ٣/ ٢٠٧٦، ٤/ ٢٣٨٩؛ تهذيب التهذيب ١٢/ ٢٣٩.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٤٩.
(٤) انظر: الأصل ١/ ١١؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ٢١١؛ شرح معاني الآثار ١/ ٢٥٧؛ بدائع الصنائع ١/ ٤٩١؛ البناية ٢/ ٢٧٣؛ الدر المختار ٢/ ١٧٩.
(٥) انظر: الأم ١/ ٢٢١؛ الحاوي ٢/ ١٢٥؛ العزيز ١/ ٥٢٤؛ المجموع ٣/ ٢٧٤؛ المنهج القويم لابن حجر الهيتمي ١/ ٤٠٨؛ حاشية البيجوري ١/ ٢٩٦.
(٦) انظر: الهداية للكلواذاني ص ٨٧؛ المغني ٢/ ١٩٣؛ الشرح الكبير ٣/ ٥٠٠؛ شرح الزركشي ١/ ٣١٠؛ الإنصاف ٣/ ٥٠٠؛ منتهيى الإرادات ١/ ٥٨.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
العلم (^١)، وممن روي عنه ذلك وقال به: عمر -﵁-، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهوية، وابن المنذر (^٢).
القول الثاني: أن الأفضل والمستحب هو وضع اليدين قبل الركبتين.
وهو قول المالكية (^٣)، ورواية عن الإمام أحمد (^٤)، وبه قال الأوزاعي (^٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن المستحب تقديم الركبتين على اليدين إذا سجد- بالأدلة التي سبق ذكرها في دليل قول من قال بنسخ وضع اليدين قبل الركبتين؛ حيث إنها تدل على وضع الركبتين قبل اليدين، لكن لوجود حديث معارض لها يكون الأفضل وضع الركبتين قبل اليدين، مع جواز العمل بالحديث المعارض له، وبذلك يجمع بين هذه الأحاديث كلها (^٦).
_________________
(١) انظر: سنن الترمذي ص ٧٦؛ المجموع ٣/ ٢٧٤.
(٢) انظر: الأوسط ٣/ ١٦٥، ١٦٦؛ الاعتبار ص ٢٢١؛ المغني ٢/ ١٩٣؛ المجموع ٣/ ٢٧٤.
(٣) انظر: الإشراف ١/ ٢٤٦؛ الكافي ص ٤٤؛ جامع الأمهات ص ٩٧؛ مختصر خليل وشرحه مواهب الجليل ٢/ ٢٤٧؛ حاشية العدوي ١/ ٣٣٧.
(٤) انظر: المغني ٢/ ١٩٣؛ الشرح الكبير ٣/ ٥٠٠؛ شرح الزركشي ١/ ٣١٠؛ الإنصاف ٣/ ٥٠٠.
(٥) انظر: الاعتبار ص ٢٢٠؛ المجموع ٣/ ٢٧٤.
(٦) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٥٥؛ المغني ٢/ ١٩٣؛ المجموع ٣/ ٢٧٤.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن الأفضل وضع اليدين قبل الركبتين إذا سجد-بما يلي:
أولًا: ما سبق في دليل قول من قال بنسخ ما يدل على وضع الركبتين قبل اليدين من حديث أبي هريرة -﵁-.
ثانيًا: عن ابن عمر -﵁- أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: «كان رسول الله -ﷺ- يفعل ذلك» (^١).
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣١٩، وابن المنذر في الأوسط ٣/ ١٦٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٥٤، والدارقطني في سننه ١/ ٣٤٤، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٤٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٤٤؛ والحازمي في الاعتبار ص ٢١٩. قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم). ووافقه الذهبي. وصححه ابن خزيمة كما في بلوغ المرام-مع شرحه سبل السلام-١/ ٣٦١. وقال ابن المنذر في مختصر سنن أبي داود ١/ ٣٩٩: (وحديث ابن عمر هذا أخرجه الدارقطني في سننه بإسناد حسن). وصححه الشيخ الألباني في الإرواء ٢/ ٧٧، وذكر أنه على شرط مسلم. وذكر البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٤٤: أن عبد العزيز رفع هذا الحديث، وهو وهم، ثم روى عنه ما يدل على وضع اليدين في السجود لا على تقديمهما على الركبتين. ورد عليه ابن حجر في الفتح ٢/ ٣٥٩، فقال: (ولقائل أن يقول: هذا الموقوف غير المرفوع) ثم ذكر الفرق بينهما. كما رد عليه الشيخ الألباني في الإرواء ٢/ ٧٧، حيث قال: (وعبد العزيز ثقة، ولا يجوز توهيمه بمجرد مخالفة أيوب له، فإنه زاد الرفع، وهي زيادة مقبولة منه).
[ ٢ / ٨٩٠ ]
وهما يدلان على تقديم اليدين على الركبتين عند السجود (^١).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولًا: إن القول بنسخ ما يدل على تقديم اليدين على الركبتين عند السجود ضعيف؛ لأن الحديث الدال على ذلك- مع أنه صريح في الدلالة على النسخ- ضعيف لذلك فهو لا يقوى على معارضة ما يخالفه (^٢).
كما أن القول بنسخ ما يدل على وضع الركبتين قبل اليدين ليس عليه أي دليل، وهو أضعف من قول من قال بعكسه (^٣).
ثانيًا: أن الأحاديث الدالة على تقديم الركبتين على اليدين عند الهوي إلى السجود لم يسلم أي واحد منها عن الكلام فيه، إلا أنها بمجموعها يدل على أن لها أصلًا، وقد صحح بعضها بعض أهل العلم (^٤).
لكنها صريحة في الدلالة على تقديم الركبتين على اليدين عند السجود، وأن ذلك من صفة صلاة النبي -ﷺ-، ولا تحتمل غير ذلك.
ثالثًا: إن الأحاديث التي يُستدل منها على تقديم اليدين على الركبتين عند الهوي إلى السجود أصح، وأقوى إسنادًا من الأحاديث التي
_________________
(١) انظر: الإشراف ١/ ٢٤٧؛ المجموع ٣/ ٢٧٤؛ نيل الأوطار ٢/ ٢٥٣.
(٢) راجع تخريجه والكلام عليه، في ص ٥٨٦.
(٣) راجع ما اعترض على استدلال منه للقول بالنسخ.
(٤) انظر الكلام عليها عند تخريجها، في ص ٥٨٤.
[ ٢ / ٨٩١ ]
يستدل منها على تقديم الركبتين على اليدين (^١).
ثم هما حديثان كما سبق:
أحدهما: حديث أبي هريرة -﵁-، وهو يشتمل على جملتين: نهي (فلا يبرك كما يبرك البعير)، وأمر (وليضع يديه قبل ركبتيه).
وقد اختلفوا في معنى هذا النهي:
فذهب بعضهم إلى أن معناه: أن البعير عند البروك يضع يديه أولًا، ورجلاه قائمتين، وإذا نهض فإنه ينهض برجليه أولًا، وتبقى يداه على الأرض، وهذا هو الذي نهي عنه -ﷺ- وفعل خلافه؛ حيث كان يقع منه أول ما يقع على الأرض الأقرب منها فالأقرب، وأول ما يرتفع عن الأرض منها الأعلى فالأعلى (^٢).
فيكون معنى هذا النهي: النهي عن وضع اليدين قبل الركبتين كما يفعل البعير، وعلى هذا فيكون معنى هذا الحديث موافقة لمعنى حديث وائل بن حجر -﵁- وهو تقديم الركبتين على اليدين عند الهويّ إلى السجود.
قالوا: ولو كان المقصود من الحديث تقديم اليدين على الركبتين لقال: (فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير) لكن بين اللفظين فرقًا، فإن النهي في قوله: (كما يبرك البعير) نهي عن الكيفية وليس المراد النهي عن البروك على ما يبرك عليه البعير وإلا لقال: (فلا يبرك على ما يبرك عليه
_________________
(١) راجع تخريج الحديثين والكلام عليهما.
(٢) انظر: زاد المعاد ١/ ٢٢٤؛ تهذيب سنن أبي داود ١/ ٤٠٠؛ نيل الأوطار ٢/ ٢٥٤؛ الشرح الممتع ٣/ ١٥٦.
[ ٢ / ٨٩٢ ]
البعير) ولكان نهيًا على ما يسجد عليه (^١).
قالوا وعلى هذا المعنى فالجملة الثانية وهي: (وليضع يديه قبل ركبتيه) مما انقلب على بعض الرواة أصله ومتنه، ولعله: (وليضع ركبتيه قبل يديه)، وقد روي عن أبي هريرة -﵁- كذلك ففي رواية عنه مرفوعًا: (إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل) (^٢).
فيكون الحديث على هذا المعنى موافقًا لحديث وائل بن حجر لا مخالفًا، ويكون دليلًا للقول الأول لا للثاني (^٣).
فهذا احتمال يتطرق إلى هذا الحديث.
والاحتمال الآخر وهو ما استدل منه أصحاب القول الثاني، هو أن معنى قوله: (فلا يبرك كما يبرك البعير) النهي عن بروك كبروكه، وهو أن البعير إذا برك فأول ما يقع منه على الأرض ركبتاه اللتان في يديه، فيقتضي ذلك أن لا يخر المصلى على ركبتيه، بل عليه أن يتلقى الأرض بكفيه، وبذلك يكون الشطر الأول من الحديث متفقًا مع الشطر الثاني (وليضع يديه قبل ركبتيه)، ويكون المصلي بذلك مخالفًا لما يفعله البعير عند بروكه (^٤).
الحديث الثاني هو حديث ابن عمر -﵁-، وهو صحيح إلا أنه مختلف
_________________
(١) انظر: تهذيب سنن أبي دواد ١/ ٤٠٠؛ الشرح الممتع ٣/ ١٥٦.
(٢) سبق تخريجه في دليل القول بالنسخ. وانظر: زاد المعاد ١/ ٢٢٦،
(٣) انظر: الشرح الممتع ٣/ ١٥٥.
(٤) نظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٥٤؛ المحلى ٣/ ٤٤؛ إرواء الغليل ٢/ ٧٩؛ صفة صلاة النبي -ﷺ- ص ١٤١.
[ ٢ / ٨٩٣ ]
في رفعه ووقفه، ورجح ابن المنذر والبيهقي الوقف (^١)، ثم روي عن نافع عن ابن عمر (أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه) (^٢).
فتبين مما سبق أن أدلة القول الأول صريحة فيما يراد بها، إلا أن فيها ضعفًا، لكن هي بمجموعها تصلح للاحتجاج بها وتفيد أن لها أصلًا (^٣)، ويدعمها عمل بعض الصحابة كعمر
وابن مسعود -﵃- (^٤).
أما أدلة القول الثاني فهي أصح وأقوى إسنادًا، إلا أنها يتطرق إليها من الاحتمالات ما يضعف الاستدلال بها (^٥).
لذلك يكون العمل بالطريقتين جائزًا، وما قاله أصحاب القول الأول راجحًا.
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: الأوسط ٣/ ١٦٦؛ السنن الكبرى ٢/ ١٤٤.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢٣٦، وفي سنده ابن أبي ليلى، قال الشيخ الألباني في الإرواء ٢/ ٧٧ - بعد ذكرهذه الرواية-: (وهذا منكر؛ لأن ابن أبي ليلى-واسمه محمد بن عبد الرحمن-سيء الحفظ، وقد خالف في مسنده الدراوردي وأيوب السختياني).
(٣) انظر: التحقيق ١/ ٤٠٠؛ سبل السلام ١/ ٣٦١ - ٣٦٢؛ نيل الأوطار ٢/ ٢٥٤.
(٤) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٦؛ شرح معاني الآثار ١/ ٢٥٦؛ زاد المعاد ١/ ٢٢٩.
(٥) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٥٥؛ مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٤٩؛ سبل السلام ١/ ٣٦١؛ نيل الأوطار ٢/ ٢٥٤.
[ ٢ / ٨٩٤ ]