ذهب داود بن علي الظاهري إلى أن آخر وقت صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وأن توقيته بغير ذلك منسوخ (^١).
وقد تبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف، لكن السبب الأصلي لاختلاف الفقهاء في المسألة هو اختلاف الأحاديث الواردة فيها (^٢).
ويستدل لمن قال بالنسخ بأدلة منها ما يلي:
أولًا: حديث ابن عباس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين-إلى قوله: -وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلي فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت بين هذين الوقتين» (^٣).
ثانيًا: حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «هذا جبريل ﵇ جاءكم يعلمكم دينكم، -إلى قوله: - ثم صلى العشاء حين ذهب شفق الليل، ثم جاءه الغد فصلى به الصبح حين أسفر قليلًا، ثم صلى به الظهر حين
_________________
(١) انظر قوله في: بداية المجتهد ١/ ١٩١، ١٩٢.
(٢) انظر: بداية المجتهد ١/ ١٩١؛ عقد الجواهر ١/ ٨١.
(٣) سبق تخريجه في المسألة السابقة ص ٤٤٦.
[ ٢ / ٦٨١ ]
كان الظل مثله، ثم صلى العصر حين كان الظل مثليه، ثم صلى المغرب بوقت واحد حين غربت الشمس وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب ساعة من الليل، ثم قال: الصلاة ما بين صلاتك أمس وصلاتك اليوم» (^١).
ثالثًا: عن أبي قتادة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى» الحديث (^٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث ابن عباس، وأبي هريرة -﵄- يدلان على انتهاء وقت العشاء قبل انتصاف الليل، وحديث أبي قتادة -﵁- يدل على امتداد وقت الصلاة إلى وقت التي تليها، وهو عام في جميع الصلوات، فثبت منه أن آخر وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، وهو متأخر عن حديث إمامة جبريل ﵇، فيكون ناسخًا لما يدل عليه حديث ابن عباس وأبي هريرة وغيره﵃من انتهاء وقت صلاة العشاء قبل انتصاف الليل (^٣).
واعترض عليه بما يلي:
أولًا: بأنه لاشك أن حديث أبي قتادة -﵁- بعد حديث إمامة جبريل ﵇، لكن جاء في حديث أبي موسى الأشعري -﵁- تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل، وجاء في غير ما حديث أن النبي -ﷺ- أخر صلاة العشاء إلى نصف
_________________
(١) سبق تخريجه في المسألة السابقة ص ٤٤٧.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٣١٢، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة، ح (٦٨١) (٣١١).
(٣) انظر: بداية المجتهد ١/ ١٩٢.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
الليل، ولا دليل يدل على أن حديث أبي قتادة -﵁- بعد تلك الأحاديث.
ثانيًا: أنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث، وذلك بحمل الأحاديث الدالة على تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل، أو إلى نصف الليل على أنها لبيان وقت الاختيار والأفضل، وحمل حديث أبي قتاة -﵁- على بيان وقت الجواز والضرورة، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى النسخ ولا إلى ترك بعضها (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في آخر وقت صلاة العشاء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن آخر وقت صلاة العشاء ينتهي بطلوع الفجر، إلا أنه يكره تأخيرها إلى طلوع الفجر من غير عذر وضرورة.
وهو قول الحنفية (^٢)،
والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).
والقول بأن آخر وقتها إلى طلوع الفجر مروي عن: ابن عباس وأبي
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٥٧؛ المجموع ٣/ ٣١؛ المغني ٢/ ٢٧.
(٢) انظر: الأصل ١/ ١٤٦؛ ١٥٩؛ المبسوط ١/ ١٤٨، ١٥١؛ مختصر القدوري ص ٢٣؛ الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ٢٢٢، ٢٢٣.
(٣) انظر: التمهيد ١/ ١٢٨؛ الكافي لابن عبد البر ص ٣٥؛
(٤) الأوسط ٢/ ٢٤٣؛ الوجيز وشرحه العزيز ١/ ٣٧٢؛ المجموع ٣/ ٣١؛ روضة الطالبين ص ٨٤.
(٥) انظر: المغني ٢/ ٢٩؛ الكافي ١/ ٢٠٩؛ الشرح الكبير ٣/ ١٦٠؛ الفروع ١/ ٤٣٢؛ الإنصاف ٣/ ١٦١؛ الإقناع ١/ ١٢٨.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
هريرة﵄-، وعطاء، وطاوس، وعكرمة (^١).
القول الثاني: أن آخر وقت العشاء إلى ثلث الليل.
وهو قول للإمام الشافعي (^٢)، وروي ذلك عن عمر، وأبي هريرة﵄-. وقال به عمر بن عبد العزيز (^٣).
وثلث الليل هو آخر الوقت المختار للعشاء في المذهب عند الحنفية (^٤)، والمالكية (^٥)، والشافعية (^٦)، والحنابلة (^٧).
_________________
(١) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ٥٨٢ - ٥٨٤؛ الأوسط ٢/ ٣٤٥، ٣٤٦؛ شرح معاني الآثار ١/
(٢) انظر: الأم ١/ ١٥٦؛ مختصر المزني ص ٢١؛ الأوسط ٢/ ٣٤٣؛ العزيز ١/ ٣٧٢؛ المجموع ٣/ ٣١.
(٣) انظر: الأوسط ٢/ ٣٤٣.
(٤) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٥٧؛ مختصر الطحاوي ص ٢٤؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٩٤؛ المبسوط ١/ ١٥١؛ مختصر القدوري ص ٢٤؛ الهداية ١/ ٢٢٨؛ الاختيار ١/ ٤٠.
(٥) انظر: الإشراف ١/ ٢٠٣؛ الكافي ص ٣٥؛ عقد الجواهر ١/ ١٠٣؛ مواهب الجليل ٢/ ٣٢؛ الشرح الكبير ١/ ٢٩١.
(٦) انظر: التعليقة الكبرى ٢/ ٦٠٩؛ الحاوي ٢/ ٢٥؛ المهذب ١/ ١٨٦؛ التهذيب ٢/ ١٠؛ حلية العلماء ٢/ ١٩؛ العزيز ١/ ٣٧٢؛ المجموع ٣/ ٣٢.
(٧) انظر: المغني ٢/ ٢٧؛ المحرر ١/ ٢٨؛ الشرح الكبير ٣/ ١٥٩؛ الممتع ١/ ٣٤٣؛ شرح الزركشي ١/ ٢٥٥؛ الإنصاف ٣/ ١٥٨.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
القول الثالث: أن آخر وقت العشاء إلى نصف الليل.
وروي ذلك عن عمر -﵁-. وبه قال الثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور، وابن
حزم (^١).
ونصف الليل هو آخر وقت العشاء المختار في قول كل من الحنفية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- هو أن آخر وقت العشاء إلى طلوع الفجر- بما يلي:
أولًا: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أبي قتادة -﵁- عن رسول الله -ﷺ-، وفيه: «إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى».
وهذا عام يدل على امتداد وقت كل صلاة إلى وقت التي تليها، إلا صلاة الفجر فإنها مخصوصة من هذا العموم بالإجماع لظهور وقتها (^٥).
_________________
(١) انظر: الأوسط ٢/ ٣٤٤؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٩٤؛ التمهيد ١/ ١٢٩؛ المحلي ٢/ ١٩٨؛ المغني ٢/ ٢٨.
(٢) انظر: الأصل ١/ ١٤٦؛ شرح معاني الآثار ١/ ١٥٧؛ المبسوط ١/ ١٤٨.
(٣) انظر: التعليقة الكبرى ٢/ ٦٠٩؛ الحاوي ٢/ ٢٥؛ المهذب ١/ ١٨٦؛ حلية العلماء ٢/ ١٨؛ العزيز ١/ ٣٧٢؛ المجموع ٣/ ٣١.
(٤) انظر: المغني ٢/ ٢٨؛ المحرر ١/ ٢٨؛ شرح الزركشي ١/ ٢٥٦؛ الإنصاف ٣/ ١٥٨.
(٥) انظر: التمهيد ١/ ١٢٩؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٣١٢؛ شرح العمدة لابن تيمية ٢/ ١٧٩؛ نيل الأوطار ٢/ ١١.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
ثانيًا: عن أنس بن مالك -﵁- قال: أخر النبي -ﷺ- صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم صلى، ثم قال: «قد صلى الناس وناموا. أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها» (^١).
ثالثًا: عن عائشة﵂- قالت: اعتم (^٢) النبي -ﷺ- ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل حتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى فقال: (إنه لوقتها لو لا أن أشق على أمتي) (^٣).
رابعًا: عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: صلينا مع رسول الله -ﷺ- صلاة العتمة فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل فقال: «خذوا مقاعدكم، فأخذنا مقاعدنا، فقال: إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولو لا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأخرت
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١١٨، كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت العشاء إلى نصف الليل، ح (٥٧٢)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٢٧٧، كتاب المساجد، باب وقت العشاء وتأخيرها، ح (٦٤٠) (٢٢٢).
(٢) أعتم أي دخل في العتمة، والعتمة من الليل بعد غيبوبة الشفق إلى آخر الثلث الأول، وعتمة الليل ظلامه. انظر: مختار الصحاح ص ٣٦٣؛ النظم المستعذب ١/ ٥٣؛ المصباح المنير ص ٣٩٢.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢// ٢٧٦، كتاب المساجد، باب وقت العشاء وتأخيرها، ح (٦٣٨) (٢١٩).
[ ٢ / ٦٨٦ ]
هذه الصلاة إلى شطر الليل» (^١).
ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث هو: أن حديث أبي سعيد -﵁- يدل أن النبي -ﷺ- صلى العشاء بعد مضي شطر الليل، وحديث أنس -﵁- يدل أنه -ﷺ- صلاها بعد مضي نصف الليل، وحديث عائشة -﵂- يدل أنه -ﷺ- صلاها بعد مضي أكثر الليل، فثبت من هذا كله أن آخر وقت العشاء الآخرة إلى أن يمضي الليل كله- وإن كان فعلها في بعض الأوقات أفضل من بعض-، ويؤيد ذلك حديث أبي قتادة -﵁- (^٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن آخر وقت العشاء إلى ثلث الليل- بما يلي:
أولًا: عن أبي موسى الأشعري -﵁- أن رجلًا سأل النبي -ﷺ- عن مواقيت الصلاة، وفيه: «ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول ثم أصبح فدعا السائل فقال: (الوقت بين هذين» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٧٢، كتاب الصلاة، باب وقت العشاء الآخرة، ح (٤٢٢)، والنسائي في سننه ص ٩٢، كتاب المواقيت، باب آخر وقت العشاء، ح (٥٣٨)، وابن ماجة في سننه ص ١٣٢، كتاب الصلاة، باب وقت صلاة العشاء، ح (٦٩٣)، والإمام أحمد في المسند ١٧/ ٥٨، والبيهقي في السنن الكبري ١/ ٥٥٢. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٧٢.
(٢) انظر: الأوسط ٢/ ٣٤٦؛ شرح معاني الآثار ١/ ١٥٨؛ شرح العمدة ٢/ ١٧٩.
(٣) سبق تخريجه في ص ٤٤٣.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
ثانيًا: عن عائشة﵂- قالت: أعتم رسول الله -ﷺ- بالعشاء حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان، فخرج فقال: «ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم. قال: ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول» (^١).
ثالثًا: حديث ابن عباس -﵁- في إمامة جبريل ﵇ بالنبي -ﷺ-، وفيه: «وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلي فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت بين هذين الوقتين» (^٢).
رابعًا: عن عبد الله بن عمر -﵁- قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله -ﷺ- لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل، أو بعده، فلا ندري أشيء شغله في أهله، أو غير ذلك فقال حين خرج: «إنكم تنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولو لا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة» (^٣).
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة هو: أن هذه الأحاديث تدل على أن آخر وقت العشاء هو ثلث الليل؛ لأن جبريل ﵇ لما صلى بالنبي -ﷺ- في
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١١٧، كتاب مواقيت الصلاة، باب النوم قبل العشاء لمن غُلب، ح (٥٦٩)، وأخرجه النسائي بلفظ (.. ثم قال: صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل). سنن النسائي ص ٩٢، كتاب المواقيت، باب آخر وقت العشاء، ح (٥٣٥).
(٢) سبق تخريجه في ص ٤٤٦.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٢٧٦، كتاب المساجد، باب وقت العشاء وتأخيرها، ح (٦٣٩) (٢٢٠).
[ ٢ / ٦٨٨ ]
اليوم الثاني عند ثلث الليل، وذكر أن الوقت (بين هذين) أي بين الشفق وثلث الليل، والنبي -ﷺ- صلاها عند ثلث الليل، وبين أنه وقتها لو لم يكن في ذلك مشقة على الأمة، فثبت أن آخر وقتها ثلث الليل (^١).
واعترض عليه: بأن المراد بذلك بيان الوقت المختار، لا أنه آخر وقت الجواز؛ بدليل الأحاديث المذكورة في دليل القول الأول (^٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-وهو أن آخر وقت العشاء نصف الليل- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: ما سبق ذكره من حديث أنس، وعائشة وأبي سعيد الخدري﵃-.
ثانيًا: حديث عبد الله بن عمرو عن رسول الله -ﷺ- وفيه: «فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل» (^٣).
ووجه الاستدلال منها هو: أن هذه الأحاديث تدل على أن آخر وقتها نصف الليل، وحديث عبد الله بن عمرو -﵁- صريح في ذلك (^٤).
_________________
(١) انظر: الأوسط ٢/ ٣٤٣؛ التمهيد ١/ ١٢٩؛ نيل الأوطار ٢/ ١١.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٥٦، ١٥٧؛ المغني ٢/ ٢٧؛ المجموع ٣/ ٣١.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٢٥٥، كتاب المساجد، باب أوقات الصلوات الخمس، ح (٦١٢) (١٧١).
(٤) انظر: الأوسط ٢/ ٣٤٤؛ بداية المجتهد ١/ ١٩١.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
واعترض عليه: بأنه يمكن أن يكون المقصود بذلك بيان وقت الاختيار والفضيلة، لا أنه وقت جوازها الأخير، بدليل حديث أبي قتادة -﵁- (^١).
الراجح
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به، يظهر لي - والله أعلم بالصواب- أن آخر وقت العشاء الآخرة يمتد إلى طلوع الفجر، ويكره تأخرها لغير عذر، وذلك لما يلي:
أولًا: لحديث أبي قتادة -﵁- فإنه عام يقتضي امتداد وقت كل صلاة إلى وقت الأخرى، إلا أن الفجر مخصوص من ذلك بالإجماع (^٢).
ثانيًا: ولأن في حديث أنس -﵁- أنه -ﷺ- صلى العشاء بعد نصف الليل، وفي حديث عائشة -﵂- أنه -ﷺ- صلى العشاء بعد ما ذهب عامة الليل، وإذا كان خروجه -ﷺ- بعد شطر الليل ونصف الليل، فيكون صلاته بعد نصف الليل ومضي أكثره، ثم إنه -ﷺ- أخبر أن ذلك وقت لها، وإذا كان كذلك ثبت أن وقتها إلى طلوع الفجر، ويؤيد ذلك حديث أبي قتادة -﵁- (^٣).
ثالثًا: أما القول بأن حديث أبي قتادة -﵁- ناسخ للأحاديث الدالة على أن وقتها ثلث الليل أو نصف الليل، فليس هناك دليل يدل على أن حديث أبي
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٥٨؛ المغني ٢/ ٢٨؛ شرح العمدة ٢/ ١٧٧.
(٢) انظر: الأوسط ٢/ ٣٤٦؛ نيل الأوطار ٢/ ١١.
(٣) انظر: الأوسط ٢/ ٣٤٦؛ شرح معاني الآثار ١/ ١٥٨.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
قتادة -﵁- بعد تلك الأحاديث؛ لأن ممن روى ثلث الليل أبو موسى الأشعري -﵁- وهو قدم المدينة سنة سبع من الهجرة، أما الأحاديث التي فيها أنه -ﷺ- أخر صلاة العشاء إلى شطر الليل أو إلى نصف الليل فكل ذلك كانت بالمدينة، لذلك ليس هناك ما يدل على تأخر حديث أبي قتادة -﵁- على تلك الأحاديث.
ثم يمكن الجمع بين هذه الأحاديث وحديث أبي قتادة -﵁-، وذلك بحمل هذه الأحاديث على بيان وقت الأفضل والاختيار، وحمل حديث أبي قتادة -﵁- على بيان آخر الوقت، وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة (^١)، ولذلك لا يبقى أي احتمال للقول بالنسخ.
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٥٦ - ١٥٨؛ التمهيد ١/ ١٢٩؛ العزيز ١/ ٣٧٢؛ المغني ٢/ ٢٧، ٢٨.
[ ٢ / ٦٩١ ]