ذهب قوم إلى نسخ وجوب غسل الجمعة (^١)، وممن صرح به: ابن شاهين (^٢)، وجمال الدين الزيلعي (^٣).
وعكس ابن حزم، فذهب إلى أن الأحاديث التي تدل على وجوب غسل الجمعة ناسخة للأحاديث التي تدل على عدم وجوبه (^٤).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو تعارض الآثار الواردة في المسألة، كما سيتبين من عرض أدلة الأقوال (^٥).
ويستدل لمن قال بنسخ وجوب غسل الجمعة بما يلي:
أولًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا» (^٦).
_________________
(١) انظر: إعلام العالم لابن الجوزي ص ١٤٠؛ التحقيق ١/ ٢١٠؛ الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ٦٦؛ العناية ١/ ٦٦.
(٢) انظر: ناسخ الحديث لابن شاهين ص ١٢٥.
(٣) انظر: نصب الراية ١/ ٨٨.
(٤) انظر: المحلى ١/ ٢٦٢.
(٥) انظر: بداية المجتهد ١/ ٣١٧.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٤٥٩، كتاب الجمعة، باب فضل من أنصت في الخطبة، ح (٨٥٧) (٢٧).
[ ١ / ٥٩٢ ]
فهذا الحديث يدل على جواز الاكتفاء بالوضوء، وعدم وجوب الغسل (^١).
ثانيًا: عن سمرة (^٢) -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت،
ومن اغتسل فالغسل أفضل» (^٣).
_________________
(١) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٤٥٩؛ المغني ٣/ ٢٢٦.
(٢) هو: سمرة بن جندب بن هلال بن حريج، الفزاري، أبو سليمان، حليف الأنصار، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: الشعبي، وابن أبي ليلى، وغيرهما، ونزل البصرة وتوفي بها سنة ثمان وخمسين، وقيل غيرها. انظر: الإصابة ١/ ٧٦٧؛ التقريب ١/ ٣٩٥.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ٦٢، كتاب الطهارة، باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، ح (٣٥٤)، والترمذي في سننه ص ١٣١، كتاب الجمعة، باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة، ح (٤٩٧)، والنسائي في سننه ص ٢٢٦، كتاب الجمعة، باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، ح (١٣٨٠)، وأحمد في المسند ٣٣/ ٢٨٠، والدارمي في سننه ١/ ٤٣٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١١٩، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٤١. وحسنه الترمذي، والنووي، والشيخ الألباني، وقواه البيهقي لكثرة طرقه. انظر: سنن الترمذي ص ١٣١؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٤٤٢؛ صحيح سنن أبي داود ٢/ ١٨٤. وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ١٨٤ بعد ذكر سنده: (وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، لكن الحسن -وهو البصري- مدلس وقد عنعن، وهذا الإسناد وإن كان معلولًا فالحديث صحيح؛ لأن له شواهد كثيرة). وقال ابن حجر في فتح الباري ١/ ٤٤٥: (ولهذا الحديث طرق أشهرها وأقواها رواية الحسن عن سمرة، أخرجها أصحاب السنن الثلاثة وابن خزيمة، وابن حبان، وله علتان: إحداهما: أنه عنعنة الحسن. والأخرى: أنه اختلف عليه فيه، وأخرجه ابن ماجة من حديث أنس، والطبراني من حديث عبد الرحمن بن سمرة، والبزار من حديث أبي سعيد، وابن عدي من حديث جابر كلها ضعيفة).
[ ١ / ٥٩٣ ]
ثالثًا: عن أنس بن مالك -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، يجزئ عنه الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (^١).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ١٩٦، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرخصة في ذلك، ح (١٠٩١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١١٩، ولفظه: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل). وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٩٢: (طريق آخر رواه الطبراني في معجمه الوسط، حدثنا محمد بن عبد الرحمن المروزي، ثنا عثمان بن يحيى الفرساني، ثنا مؤمل بن إسماعيل، ثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس فذكره). والحديث من طريق ابن ماجة ضعفه ابن حجر في فتح الباري ٢/ ٤٤٦، أما من طريق الطبراني فنقل الشيخ الألباني في صحيح سنن ابي داود ٢/ ١٨٩، عن ابن حجر أنه قال: (رواه الطبراني في الأوسط بإسناد أمثل من ابن ماجة، ثم ذكر الشيخ الألباني سند الطبراني ثم قال: (قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات غير محمد بن عبد الرحمن المروزي، وعثمان بن يحيى الفرساني، فإني لم أجد من ترجمهما). أما الحديث من طريق ابن ماجة فقال الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ص ١٩٦: (صحيح دون "يجزئ عنه الفريضة"). وأما من طريق الطحاوي فقال الشيخ الألباني في صحيح سنن ابي داود ٢/ ١٨٨: (وهذا سند صحيح إلى الرقاشي، رجاله كلهم ثقات، معروفون، والربيع بن صبيح ثقة لكنه سيئ الحفظ، لكن قد تابعه -كما ترى- سفيان الثوري، وتابعه أيضًا إسماعيل بن مسلم المكي عن يزيد الرقاشي أخرجه ابن ماجة، وإسماعيل هذا ضعيف فالعمدة على رواية الثوري، ومدار الحديث على يزيد الرقاشي، وهو ضعيف لسوء حفظه لا لتهمته في صدقه، فقد قال الأجري عن المصنف: (هو رجل صالح، سمعت يحيى يقول: رجل صدق) لكنه لم ينفرد به).
[ ١ / ٥٩٤ ]
وفي الحديثين بيان أن الفرض هو الوضوء، وأن الغسل أفضل لما ينال به الفضل، لا على أنه فرض؛ لأن قوله: (فالغسل أفضل) يقتضي اشتراك الوضوء والغسل في أصل الفضل، فيستلزم إجزاء الوضوء (^١).
رابعًا: عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل» فلما جاء الشتاء قلنا: يا رسول الله أمرتنا بالغسل للجمعة، وقد جاء الشتاء، ونحن نجد البرد؟ قال: «من اغتسل فبها ونعمت، ومن لم يغتسل فلا حرج» (^٢).
خامسًا: عن علي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «نسخ الأضحى كل
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١١٩؛ المغني ٣/ ٢٢٦؛ فتح الباري ٢/ ٤٤٥.
(٢) قال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٨٨: (ومما يدل على أن هذا الحديث ناسخ لأحاديث الوجوب ما رواه ابن عدي في الكامل من حديث الفضل بن المختار عن أبان بن أبي عياش -فذكره ثم قال: - إلا أن هذا سند ضعيف يشد بغيره). وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٤٣، ولفظه: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من جاء إلى الجمعة فليغتسل» فلما جاء الشتاء فاشتد علينا، فشكونا ذلك إلى رسول الله -ﷺ- فقال: «من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل». قال الذهبي في المهذب في اختصار السنن الكبير للبيهقي ١/ ٢٩٤: (وإسناده ضعيف).
[ ١ / ٥٩٥ ]
ذبح، ورمضان كل صوم، وغسل الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة» (^١).
وجه الاستدلال منها على النسخ
ويستدل منها على النسخ: بأنهم كانوا يأتون من أعمالهم فيعرقون، وتكون منهم الروائح، فأمرهم بالغسل، ثم قال: «من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل».
ويدل على تأخير جواز ترك الغسل على الأمر به حديث أنس -﵁-: «من اغتسل فبها ونعمت، ومن لم يغتسل فلا حرج» وحديث علي -﵁-: «نسخ الأضحى كل ذبح، ورمضان كل صوم، وغسل الجنابة كل غسل» (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٤٠، وقال: (وهذا حديث غريب، وإن كان المسيب بن شريك ليس عندهم بالقوي، ولكن أجمع أكثر الناس على أن الأحاديث التي ذكرنا في الغسل منسوخة وإن فرض الغسل هو من الجنابة والحيض والنفاس). وأخرجه الدارقطني في سننه ٤/ ٢٨٠، وقال: (خالفه المسيب بن واضح عن المسيب هو ابن شريك، وكلاهما ضعيفان، والمسيب بن شريك متروك) ثم ساقه من طريق عقبة بن اليقظان ثم قال: (عقبة بن يقظان متروك أيضًا). وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٤٣٩، وقال: (خالفه المسيب بن واضح عن المسيب بن شريك وكلاهما ضعيف، والمسيب بن شريك متروك). وأخرج الجزء الأخير منه الجصاص في أحكام القرآن ١/ ١٦١، مرفوعًا وموقوفًا، وقال عن الموقوف: (حسن السند). لكن في سنده المسيب بن شريك، وقد تقدم كلام ا لدارقطني وغيره عليه. وقال ابن حجر في الفتح ٩/ ٥٨٩: (أخرجه الدارقطني من حديث علي، وفي سنده ضعف).
(٢) انظر: ناسخ الحديث لابن شاهين ص ١٢٥ - ١٢٦، ١٣٩ - ١٤٠؛ إعلام العالم بعد رسوخه ص ١٤٠؛ التحقيق ١/ ٢١١؛ نصب الراية ١/ ٨٨.
[ ١ / ٥٩٦ ]
واعترض عليه: بأنه لا تاريخ يدل على أن الأحاديث التي تدل على جواز ترك الغسل متأخرة عن الآمرة به، إلا حديث أنس، وحديث علي، وهما ضعيفان، والضعيف لا ينسخ القوي (^١).
ويستدل لمن قال بأن الأحاديث الآمرة بالغسل هي الناسخة للتي تدل على جواز ترك الغسل بما يلي:
أولًا: عن أبي سعيد الخدري -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (^٢).
ثانيًا: عن ابن عمر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» (^٣).
ثالثًا: عن عمر -﵁- أنه قال: ألم تسمعوا رسول الله -ﷺ- يقول: «إذا جاء أحدكم إلى
الجمعة فليغتسل» (^٤).
_________________
(١) انظر: إعلام العالم لابن الجوزي ص ١٤١؛ التحقيق ١/ ٢١١؛ نصب الراية ١/ ٨٨؛ فتح الباري ٢/ ٤٤٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٧٤، كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة، ح (٨٧٩)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٤٤٨، كتاب الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة، ح (٨٤٦) (٥).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٧٤، كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة، ح (٨٧٧)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٤٤٧، كتاب الجمعة، باب صلاة الجمعة وما يتعلق بها من أحكام، ح (٨٤٤) (٢).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٤٤٨، كتاب الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة، ح (٨٤٥) (٤).
[ ١ / ٥٩٧ ]
رابعًا: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده» (^١).
خامسًا: عن طاوس قلت لابن عباس -﵁- ذكروا أن النبي -ﷺ- قال: «اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، وإن لم تكونوا جنبًا، وأصيبوا من الطيب» قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري) (^٢).
ويستُدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على وجوب غسل الجمعة، فتكون ناسخة للأحاديث التي تدل على أن غسل الجمعة ليس فرضا؛ لأن تلك الأحاديث جاءت موافقة لما كان الأمر عليه قبل قوله ﵇: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» وهذا القول منه ﵊ شرع وارد، وحكم زائد، فيكون ناسخا للحالة الأولى (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٧٧، كتاب الجمعة، باب هل على من يشهد الجمعة غسل من النساء والصبان وغيرهم؟، ح (٨٩٧)، ومسلم في صحيحه-واللفظ له-٢/ ٤٥١، كتاب الجمعة، باب الطيب والسواك يوم الجمعة، ح (٨٤٩) (٩). وفي رواية النسائي وغيره عن جابر نحو هذا الحديث وزاد فيه: «وهو يوم الجمعة» انظر: سنن النسائي ص ٢٢٦، كتاب الجمعة، باب إيجاب الغسل يوم الجمعة، ح (١٣٧٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٧٥، كتاب الجمعة، باب الدهن للجمعة، ح (٨٨٤)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٤٥٠، كتاب الجمعة، باب الطيب والسواك يوم الجمعة، ح (٨٤٨) (٨).
(٣) انظر: المحلى ١/ ٢٦٢.
[ ١ / ٥٩٨ ]
واعترض عليه: بأن من قال بنسخ وجوب غسل الجمعة معه ما يدل على قوله ذلك-وإن كان فيه ضعفًا- أما القول بنسخ جواز ترك الغسل بدليل أنه الحالة التي كان عليه الأمر قبل الوجوب فهذا لا يدل على تأخير وجوب غسل الجمعة على الترك منه؛ لاحتمال أن يكون جواز الترك بعد الأمر به لوجود ما يدل عليه (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في حكم غسل الجمعة على قولين:
القول الأول: أن غسل الجمعة سنة مستحب، وليس بواجب.
وهو قول أهل المذاهب الأربعة (^٢)، وجمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم (^٣)، حتى قال ابن عبد البر: (وقد أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب، وفي ذلك ما يكفي ويغني
_________________
(١) راجع وجه الاستدلال على نسخ وجوب الغسل.
(٢) انظر: (الأصل ١/ ٧٧؛ شرح معاني الآثار ١/ ١٢٠؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٥٨؛ بدائع الصنائع ١/ ٦٠٤؛ الهداية ١/ ٩٥؛ الدر المختار ١/ ٢٧٦) (التمهيد ٤/ ٢٤؛ الاستذكار ٢/ ١٧؛ بداية المجتهد ١/ ٣١٧؛ جامع الأمهات ص ١٢٥) (مختصر المزني ص ٤٣؛ التنبيه للشيرازي ص ٢٢؛ المجموع ٢/ ١٦١؛ المنهاج وشرحه مغني المحتاج ١/ ٢٩٠) (المغني ٣/ ٢٢٤؛ الشرح الكبير ٥/ ٢٦٨؛ شرح الزركشي ١/ ٤٧٣؛ الإنصاف ٥/ ٢٦٨؛ منار السبيل ١/ ٣٩).
(٣) انظر: سنن الترمذي ص ١٣١؛ التمهيد ٤/ ٢٤؛ بداية المجتهد ١/ ٣١٧؛ المجموع ٢/ ١٦١؛ المغني ٣/ ٢٢٥.
[ ١ / ٥٩٩ ]
عن الإكثار، ولا يجوز على الأمة بأسرها جهل معنى السنة، ومعنى الكتاب، وهذا مفهوم عند ذوي الألباب) (^١).
القول الثاني: أن غسل الجمعة واجب.
وهو رواية عن الإمام أحمد (^٢)، وقال به ابن حزم، ونسبه إلى عمر بن الخطاب، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود -﵃- وعطاء، وغيره (^٣).
الأدلة
ويُستدل للقول الأول-وهو استحباب غسل الجمعة لا وجوبه-بأدلة -إضافة على ما سبق في دليل قول من قال بنسخ وجوب غسل الجمعة-منها ما يلي:
أولًا: عن عائشة -﵂- قالت: كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: «لو اغتسلتم» (^٤).
وفي رواية عنها﵂-: كان أصحاب رسول الله -ﷺ- عمال أنفسهم فكان يكون لهم أرواح، فقيل لهم: «لو اغتسلتم) (^٥).
_________________
(١) التمهيد ٤/ ٢٤.
(٢) انظر: المغني ٣/ ٢٢٥؛ الشرح الكبير ٥/ ٢٦٩؛ الإنصاف ٥/ ٢٦٨.
(٣) انظر: المحلى ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٧٨، كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، ح (٩٠٣)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٤٤٩، كتاب الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة، ح (٨٤٧).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٤٠٩، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، ح (٢٠٧١).
[ ١ / ٦٠٠ ]
والحديث يدل على أن رسول الله -ﷺ- إنما كان ندبهم إلى الغسل، ولم يجعل ذلك عليهم حتمًا؛ لأن معنى قوله: (لو اغتسلتم) أي لكان أفضل وأكمل، فد ذلك على الندب دون الوجوب (^١).
ثانيًا: عن عكرمة أن ناسًا من أهل العراق جاؤوا فقالوا: يا ابن عباس أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل، كان الناس مجهودين يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقًا مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله -ﷺ- في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله -ﷺ- تلك الريح قال: «أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه» قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العرق) (^٢).
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١١٧؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٤٤٨.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٦٢، كتاب الصلاة، باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، ح (٣٥٣)، وأحمد في المسند ٤/ ٢٤١؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١١٧؛ والحاكم في المستدرك ١/ ٤١٦؛ والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٤١. وصححه الجاكم على شرط البخاي، ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال ابن حجر في فتح الباري ٢/ ٤٤٦: (وإسناده حسن، لكن الثابت عن ابن عباس خلافه-كماسيأتي قريبًا- وعلى تقدير الصحة فالمرفوع منه ورد بصيغة الأمر الدالة على الوجوب، وأما نفي الوجوب فهو موقوف لأنه من استنباط ابن عباس). وكذلك حسنه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٦٢.
[ ١ / ٦٠١ ]
وهذا يدل على أن الأمر بالغسل من رسول الله -ﷺ- لم يكن للوجوب عليهم، بل إنما كان لعلة ثم ذهبت تلك العلة، فذهب الغسل (^١).
ثالثًا: عن ابن عمر -﵁- أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ جاء رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي -ﷺ- فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شُغلت فلم انقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد على أن توضأت. فقال: والوضوءُ أيضًا وقد علمت «أن رسول الله -ﷺ- كان يأمر بالغسل» (^٢).
رابعًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان، فعرّض به عمر فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت، ثم أقبلت. فقال عمر: والوضوء أيضًا، ألم تسمعوا رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١١٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٧٤، كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة، ح (٨٧٨)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٤٤٨، كتاب الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة، ح (٨٤٥) (٣).
[ ١ / ٦٠٢ ]
يقول: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» (^١).
والحديث يدل على أن عثمان -﵁- لم يغتسل، وأقره عمر -﵁- وحاضروا الجمعة، ولو كان واجبًا لما تركه، ولألزموه به، فثبت من ذلك أنهما قد علما أن أمر الرسول -ﷺ- بالغسل على الاختيار والاستحباب دون الوجوب (^٢).
فهذه الأدلة تدل على عدم وجوب غسل الجمعة، والأحاديث التي جاء فيها الأمر بالغسل تحمل على الاستحباب؛ جمعًا بين هذه الأحاديث كلها (^٣).
دليل القول الثاني:
ويستدل للقول الثاني-وهو وجوب غسل الجمعة- بالأدلة التي سبقت في دليل قول من قال بنسخ جواز ترك غسل الجمعة.
ووجه الاستدلال منها: أن بعض تلك الأحاديث فيه لفظ الوجوب، وبعضها فيه الأمر بالغسل يوم الجمعة، وهو كذلك للوجوب، فثبت من ذلك أن غسل الجمعة واجب (^٤).
واعترض عليه: بأن الأمر للوجوب لكن صرفه عن ذلك إلى الندب
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٣٩٧.
(٢) انظر: سنن الترمذي ص ١٣١؛ معالم السنن للخطابي ١/ ٢١٠؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٤٤٠؛ التمهيد ٤/ ٢٣؛ التحقيق ١/ ٢١٠؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٤٤٨؛ شرح الزركشي ١/ ٤٧٤.
(٣) انظر: التمهيد ٤/ ٢٤؛ الهداية ١/ ٦٦؛ المجموع ٢/ ١٦٢؛ المغني ٣/ ٢٢٧.
(٤) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١١٦؛ المحلى ١/ ٢٥٥؛ التحقيق ١/ ٢٠٩.
[ ١ / ٦٠٣ ]
الأحاديث التي تدل على عدم الوجوب.
أما لفظ الوجوب، فإنه قد يراد بالواجب الواجب في الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة، كما يقال: حقك علي واجب، دون وجوب الفرض، ويدل لذلك أنه قرنه بما لا يجب؛ حيث جاء في بعض طرق أبي سعيد -﵁- أنه قال: أشهد على رسول الله قال: «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيبًا إن وجد» (^١).
فدل أن المراد بذلك وجوب سنة وواجب الأخلاق والنظافة، لا وجوب فرض (^٢).
وأعترض عليه: بأنه تأويل على خلاف الظاهر بمعارض مرجوح (^٣).
الراجح
بعد عرض الأقوال والأدلة يظهر لي -والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولًا: أن القول بنسخ وجوب غسل الجمعة له وجه واحتمال، إلا أن في الأحاديث الدالة على ذلك ضعفًا.
ثانيًا: إن الأحاديث الواردة في الأمر بالغسل للجمعة أقوى وأصح
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٧٤، كتاب الجمعة، باب الطيب للجمعة، ح (٨٨٠).
(٢) انظر: معالم السنن للخطابي ١/ ٢١١؛ التمهيد ٤/ ٢٦؛ التحقيق ١/ ٢١٠؛ فتح الباري ٢/ ٤٤٥.
(٣) انظر: فتح الباري ٢/ ٤٤٥.
[ ١ / ٦٠٤ ]
وأصرح في الدلالة، بالنسبة إلى الأحاديث الدالة على جواز ترك الغسل، إلا أن فيها أحاديث صحيحة؛ لذلك يكون القول بالجمع بين هذه الأحاديث أولى، وذلك بحمل الأحاديث الآمرة على الاستحباب والسنية، وحمل ما يدل على الترك على الجواز، ولا تنافي بين ذلك، وما دام يمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها، وبذلك يكون قول الجمهور هو الراجح.
ثالثًا: يتأكد غسل الجمعة في حق من يكون عامل نفسه، يعمل بيديه ويتعرق، فيلزمه الاغتسال لئلا يتأذى الناس، وخاصة في المساجد التي لا يوجد فيها مكيفات، ويكون الموسم موسم شدة الحر، وذلك بدليل حديث عائشة وابن عباس -﵄-.
والله أعلم.
[ ١ / ٦٠٥ ]