ذهب الطحاوي إلى أن القنوت بعد الركوع قد نسخ (^١).
وليس للقول بالنسخ أثر بارز في اختلاف الفقهاء في المسألة، وإنما السبب في اختلافهم فيها هو اختلاف الآثار الواردة فيها، والاختلاف في المفهوم من تلك الآثار، كما سيظهر ذلك من عرض الأقوال والأدلة.
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن ابن عمر -﵁- أنه سمع رسول الله -ﷺ- إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر يقول: «اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا» بعد ما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) (^٢).
ثانيًا: عن محمد بن سيرين قال: سُئل أنس بن مالك -﵁-: أقنت النبي -ﷺ- في الصبح؟ قال: نعم. فقيل: أو قنت قبل الركوع؟ قال: «قنت
_________________
(١) قال في شرح معاني الآثار ١/ ٢٤٦ - بعد ذكر ما روي عن ابن عمر -﵁- في القنوت-: (فقد ثبت بما روينا عنه نسخ قنوت رسول الله -ﷺ- بعد الركوع). وقال في ص ٢٤٨ - بعد ذكر ما روي عن أنس -﵁- في القنوت-: (فلم يثبت لنا عن أنس عن النبي -ﷺ- في القنوت قبل الركوع شيء، وقد ثبت عنه النسخ للقنوت بعد الركوع).
(٢) سبق تخريجه في ص ٥٦٠.
[ ٢ / ٨٧٢ ]
بعد الركوع يسيرًا» (^١).
وفي رواية عنه -﵁- قال: «أن رسول الله -ﷺ- قنت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه» (^٢).
وفي رواية أخرى عنه -﵁-: (ثم تركه بعد الركوع) (^٣).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث ابن عمر وأنس -﵄يدلان على أن النبي -ﷺ- قنت بعد الركوع، ثم نزول الآية وقول أنس -﵁-: (ثم تركه) يدلان على نسخ تلك القنوت، فيثبت من ذلك أن القنوت بعد الركوع قد نسخ (^٤).
وكأن هذا القول ودليله مبني على نسخ القنوت في المكتوبات، وقد سبق حقيقة ذلك وما اعترض عليه، وما هو الراجح، وذلك في المسألة قبل السابقة، وفي ذلك كفاية، لذلك فلا داعي لإعادته.
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في القنوت هل هو قبل الركوع أو بعده على
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٩٧، كتاب الوتر، باب القنوت قبل الركوع وبعده، ح (١٠٠١)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٣٠٦، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة، ح (٦٧٧) (٢٩٨).
(٢) سبق تخريجه في ص ٥٦٢.
(٣) هذا إحدى روايات النسائي، أخرجه في سننه ص ١٧٦، كتاب التطبيق، باب اللعن في القنوت، ح (١٠٧٧).
(٤) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٤٦، ٢٤٨.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
قولين:
القول الأول: أن محل القنوت قبل الركوع.
وهو قول الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي موسى الأشعري، والبراء، وأنس، وأبي بن كعب﵃-، وعمر بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابن المبارك، وإسحاق بن راهوية (^٣).
القول الثاني: أن محل القنوت بعد الركوع.
وهو قول الشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥)، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبيّ -﵃- (^٦).
_________________
(١) انظر: الأصل ١/ ١٦٤؛ مختصر القدوري ص ٢٩؛ بدائع الصنائع ١/ ٦١٢؛ الهداية ١/ ٤٢٨؛ فتح القدير ١/ ٤٢٨.
(٢) انظر: الإشراف ١/ ٢٥٧؛ الكافي ص ٤٤؛ جامع الأمهات ص ٩٥؛ مختصر خليل مع شرحه مواهب الجليل ٢/ ٢٤٤؛ التاج والإكليل ٢/ ٢٤٤.
(٣) انظر: مختصر قيام الليل وقيام رمضان، للمروزي ص ٣١٨؛ المغني ٢/ ٥٨٢؛ المجموع ٣/ ٣٣٧؛ البناية ٢/ ٥٨٠.
(٤) انظر: مختصر المزني ص ٢٧؛ الحاوي ٢/ ١٥٤؛ العزيز ١/ ٥١٥؛ المجموع ٣/ ٣٣٦.
(٥) انظر: المغني ٢/ ٥٨١؛ المحرر ١/ ٨٨؛ الشرح الكبير ٤/ ١٢٦؛ الفروع ٢/ ٣٦٢؛ الإنصاف ٤/ ١٢٥.
(٦) انظر: مختصر قيام الليل وقيام رمضان، للمروزي ص ٣١٧؛ السنن الكبرى ٢/ ٢٩٥؛ المغني ٢/ ٥٨١؛ المجموع ٣/ ٣٣٦.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أن محل القنوت قبل الركوع- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: عن عاصم (^١) قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت فقال: قد كان القنوت. قلت: قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله. قال: فإن فلانًا أخبرني عنك أنك قلت: بعد الركوع، فقال: كذب، (إنما قنت رسول الله -ﷺ- بعد الركوع شهرًا، أُراه كان بعث قومًا يقال لهم: القراء، زهاء سبعين رجلًا إلى قوم مشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله -ﷺ- عهد، فقنت رسول الله -ﷺ- شهرًا يدعو عليهم) (^٢).
وفي رواية: سأل رجل أنسًا عن القنوت أبعد الركوع أو عند فراغ من القراءة؟ قال: (لا، بل عند فراغ من القراءة) (^٣).
ثانيًا: عن أبي هريرة -﵁- (أن رسول الله -ﷺ- كان إذا أراد أن يدعو
_________________
(١) هو: عاصم بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، ثقة، روى عن أنس، وعبد الله بن سرجس، وغيرهما، وروى عنه شعبة، والثوري، وغيرهما، وتوفي بعد سنة أربعين ومائة. انظر: تهذيب التهذيب ٥/ ٤٠؛ التقريب ١/ ٤٥٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٩٨، كتاب الوتر، باب القنوت قبل الركوع وبعده، ح (١٠٠٢)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٣٠٦، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة، ح (٦٧٧) (٣٠١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه من رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس ص ٨٤٢، كتاب المغازي، باب غزوة رجيع ورعل وذكوان، ح (٤٠٨٨).
[ ٢ / ٨٧٥ ]
على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع) (^١).
فإن مفهومه أنه -ﷺ- في غير النازلة يقنت قبل الركوع (^٢).
ثالثًا: عن أُبيّ بن كعب -﵁- (أن رسول الله -ﷺ- كان يوتر بثلاث ركعات، كان يقرأ في الأولى ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية ب ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة ب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويقنت قبل الركوع، فإذا فرغ قال عند فراغه: «سبحان الملك
القدوس» ثلاث مرات، يطيل في آخرهن) (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٥٦٧.
(٢) انظر: فتح الباري ٨/ ٨٥.
(٣) أخرجه النسائي في سننه ص ٢٧٨، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، ح (١٦٩٩)، وابن ماجة في سننه ص ٢١١، كتاب الصلاة، باب ما جاء في القنوت قبل الركوع وبعده، ح (١١٨٢)، ومحمد بن نصر في قيام الليل-مختصر قيام الليل ص ٣١٣ -، والدارقطني في سننه ٢/ ٣١، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٥٧. وذكره أبو داود في سننه-معلقًا- ص ٢٢٢، بعد حديث رقم (١٤٢٧)، وأعله بأن جماعة رووه بدون ذكر القنوت. وقال ابن حجر في التلخيص ٢/ ١٨: (أبو داود، والنسائي وابن ماجة، وأبو علي بن السكن في صحيحه، ورواه البيهقي من حديث أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس، وضعفها كلها، وسبق إلى ذلك: ابن حنبل وابن خزيمة وابن المنذر، قال الخلال عن أحمد: لا يصح فيه عن النبي -ﷺ- شيء ولكن عمر كان يقنت). وصححه الشيخ الألباني فقال في الإرواء ٢/ ١٦٧ - بعد ذكر سنده من طريق النسائي وابن ماجة والضياء المقدسي-: (قلت: وهذا سند جيد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير علي بن ميمون، وهو ثقة كما في التقريب) ثم ذكر له متابعًا من طريق الدارقطني والبيهقي ثم قال: (قلت: فصح بذلك الإسناد) ثم ذكر له إسنادًا آخر، وطريقًا أخرى ثم قال: (وهذا إسناد صحيح أيضًا). وذكر تعليل أبي داود للحديث ثم قال: (وهذا الإعلال ليس بشيء؛ لاتفاق الجماعة من الثقات على رواية هذه الزيادة، فهي مقبولة، ولذلك صحح الحديث غير واحد من العلماء، ومن أعله فلا حجة له). ثم ذكر أنه يقويه الشواهد التي أشار إليها ابن حجر، ويقويه كذلك حديث أنس لما سئل عن القنوت فقال: (قبل الركوع). وكذلك صححه في صحيح سنن ابن ماجة ص ٢١٠.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
رابعًا: عن الحسن بن علي بن أبي طالب -﵁- قال: علمني رسول الله -ﷺ- أن أقول إذا فرغت من قراءتي في الوتر: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، تباركت وتعاليت، لا منجأ منك إلا إليك» (^١).
خامسًا: عن ابن عباس -﵁- قال: «أوتر النبي -ﷺ- بثلاث قنت فيها قبل الركوع» (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن منده- بهذا اللفظ- في كتاب التوحيد ٢/ ١٩١. ويوجد له متابعة ذكره ابن حجر في التلخيص ١/ ٢٤٩، لذلك قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٢/ ١٦٩: (ولهذا مالت نفسي إلى ترجيح هذا اللفظ بعد ثبوت هذه المتابعة).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٥٩، وأبو نعيم في الحلية كما في نصب الراية ٢/ ١٢٤، والدارية ١/ ١٩٤. وفي سنده عطاء بن مسلم الحلبي، قال البيهقي: (وهو ضعيف) وكذلك ضعفه أبو داود، وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال أحمد: مضطرب الحديث. وعن يحيى ين معين في رواية: ليس به بأس وآحاديثه منكرات. ووثقه ابن معين في رواية وكذلك الفضل بن موسى ووكيع. وقال ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرًا. انظر: تهذيب التهذيب ٧/ ١٨٤؛ التقريب ١/ ٦٧٥؛ الجوهر النقي لابن التركماني ٣/ ٥٩. ثم قال ابن التركماني بعد ذكر من وثقه: (فهؤلاء ثلاثة أكابر وثقوه، فأقل أحواله أن تكون روايته شاهدة لما تقدم من حديث أبيّ وابن مسعود).
[ ٢ / ٨٧٧ ]
سادسًا: عن عبد الله -﵁-: «أن النبي -ﷺ- كان يقنت في الوتر قبل الركوع» (^١).
سابعًا: عن علقمة: (أن ابن مسعود وأصحاب النبي -ﷺ- كانوا
_________________
(١) قال ابن الجوزي في التحقيق ١/ ٥٣٢: (الحديث الثاني: قال الخطيب: أنبأ أبو الحسن … -فذكره-). وفي سنده شريك بن عبد الله النخعي القاضي، قال ابن حجر في التقريب ١/ ٤١٧: (صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا). وأخرج نحوه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٩٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٥٩، من طريق أبان بن أبي عياش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. قال البيهقي بعد ذكر الحديث: (ورواه سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش، ومدار الحديث عليه، وأبان متروك). وقال ابن التركماني في الجوهر النقي ردًا على البيهقي: (قد تابعه على ذلك الأعمش. قال البيهقي في الخلافيات: أنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب بن يوسف المعدل عن أصل كتابه، ثنا أحمد بن الخليل البغدادي، ثنا أبو النضر، ثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله "أن النبي -ﷺ- قنت في الوتر قبل الركعة". ثم قال: هذا غلط، والمشهور رواية الجماعة عن الثوري، عن أبان. قلت-يعني ابن التركماني-: الحسن بن يعقوب عدل في نفس الإسناد، وبقية رجاله ثقات، فيحمل على أن الثوري رواه عن الأعمش وأبان كلاهما عن إبراهيم، وهذا أولى مما فعله البيهقي من التغليط).
[ ٢ / ٨٧٨ ]
يقنتون في الوتر قبل الركوع) (^١).
فهذه الأدلة تدل على أن القنوت محله قبل الركوع (^٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن القنوت محله بعد الركوع- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأحاديث التي سبق ذكرها في القنوت في الفجر والمكتوبات؛ حيث إنها تفيد أن النبي -ﷺ- قنت فيها قبل الركوع، ويقاس على ذلك القنوت في الوتر (^٣).
ثانيًا: عن الحسن بن علي -﵁- قال: علمني رسول الله -ﷺ- في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت» (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٩٧. وذكر ابن حجر في الدراية ١/ ١٩٤، أن إسناده حسن. وقال الشيخ الألباني في الإرواء ٢/ ١٦٦: (وهذا سند جيد، وهو على شرط مسلم).
(٢) انظر: بدائع الصنائع ١/ ٦١٣؛ نصب الراية ٢/ ١٢٣؛ فتح القدير ١/ ٤٢٨؛ إرواء الغليل ٢/ ١٦٥ - ١٦٩.
(٣) راجع هذه الأحاديث في المسألة قبل السابقة. وانظر: مختصر قيام الليل ص ٣١٧، ٣١٨؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٩٢، ٣/ ٥٦؛ المغني ٢/ ٥٨٢؛ المجموع ٣/ ٣٣٧.
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ١٨٨، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٥٦، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، إلا أن محمد بن جعفر بن أبي كثير قد خالف إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة في إسناده). وقال البيهقي: (تفرد بهذا اللفظ أبو بكر بن شيبة الخزامي، وقد روينا في قنوت صلاة الصبح بعد الركوع ما يوجب الاعتماد عليه، وقنوت الوتر قياس عليه). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٢٤٨ - بعد ذكر رواية الحاكم-: (تنبيه: ينبغي أن يتأمل قوله في هذا الطريق: إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود، فقد رأيت في الجزء الثاني من فوائد أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران الأصبهاني تخريج الحاكم له، قال: ثنا محمد بن يونس المقري، قال: ثنا الفضل بن محمد البيهقي، ثنا أبو بكر بن شيبة المدني الحزامي، ثنا ابن أبي فديك عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة بسنده، ولفظه: (علمني رسول الله -ﷺ- أن أقول في الوتر قبل الركوع)، فذكره وزاد في آخره: (لا منجأ منك إلا إليك). وانظر: إرواء الغليل ٢/ ١٦٨، ١٦٩.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
ثالثًا: ما روي (أن عليًا -﵁- كان يقنت في الوتر بعد الركوع) (^١).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم- ما يلي:
أولًا: أن القول بنسخ القنوت بعد الركوع ضعيف بل لا يصح، وكأن القول به مبني على القول بنسخ القنوت في المكتوبات، وقد سبق
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٩٦، ومحمد بن نصر في قيام الليل-مختصر قيام الليل- ص ٣١٧، وذكر الشيخ الألباني تخريجه في الإرواء ٢/ ١٦٦، ثم قال: (قلت: وهذا سند ضعيف؛ لأن عطاء بن السائب كان اختلط، ولعل هذا الاختلاف في الرواية إنما هو من اختلاطه) إلى أن قال: (والخلاصة أن الصحيح الثابت عن الصحابة هو القنوت قبل الركوع في الوتر، وهو الموافق للحديث الآتي …).
[ ٢ / ٨٨٠ ]
رده وبيان ما هو الراجح.
ثانيًا: أنه يجوز القنوت قبل الركوع وبعده، لما روى أنس -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يقنت بعد الركعة وأبو بكر -﵁- وعمر -﵁- حتى كان عثمان -﵁- قنت قبل الركعة ليدرك الناس» (^١).
وفي رواية عنه -﵁- أنه سُئل عن القنوت في صلاة الصبح فقال: (كنا نقنت قبل الركوع وبعده) (^٢).
لكن الراجح في النوازل هو القنوت بعد الركوع؛ وذلك لأن
_________________
(١) أخرجه محمد بن نصر في قيام الليل-مختصر قيام الليل- ص ٣١٧، وقال الشيخ الألباني في الإرواء ٢/ ١٦١: (أخرجه ابن نصر في قيام الليل بإسناد صحيح).
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٢١١، كتاب الصلاة، باب ما جاء في القنوت قبل الركوع وبعده، ح (١١٨٣). وقال البوصيري في زوائد ابن ماجة ص ١٨١: (وإسناد طريق ابن ماجة صحيح، رجاله ثقات). وقال الشيخ الألباني في الإرواء ٢/ ١٦١: (أخرجه ابن ماجة وإسناده صحيح أيضًا كما قال البوصيري في الزوائد، لكن قوله: (قبل الركوع) شاذ لعدم وروده في الطرق المتقدمة، لكن له أصل في طريق أخرى-وهي الآتية- مطلقًا دون تقييد بصلاة الصبح، وكذلك رواه السراج في مسنده من طريق عبد الوهاب بن عطاء أنا حميد قال: سئل أنس بن مالك عن القنوت قبل الركوع أم بعده؟ قال: (كل ذلك كنا نفعل). وعن شعبة عن حميد قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «قد كان قبل وبعد، يعني القنوت قبل الركوع وبعده). وقال ابن حجر في الفتح ٢/ ٦٠٥: (ومجموع ما جاء عن أنس من ذلك أن القنوت للحاجة بعد الركوع لا خلاف عنه في ذلك، وأما لغير الحاجة فالصحيح عنه أنه قبل الركوع، وقد اختلف عمل الصحابة في ذلك، والظاهر أنه من الاختلاف المباح).
[ ٢ / ٨٨١ ]
أكثر من نقل ذلك عن الصحابة ذكر أن النبي -ﷺ- فعله بعد الركوع، وقد سبق جملة من تلك الأحاديث في المسألة السابقة وفي التي قبلها.
أما القنوت في الوتر فالراجح أن محله قبل الركوع، وقد سبق ما يدل على ذلك في أدلة القول الأول، وهي أدلة بعضها صريح في ذلك، وهي بمجموعها تصلح للاحتجاج بها.
أما أدلة القول الثاني في القنوت في الوتر بعد الركوع فقد سبق عند تخريجها ما يدل على أنها لا تصلح للاحتجاج بها، ولا تقوى على معارضة أدلة القول الأول الدالة على أن القنوت في الوتر قبل الركوع.
والله أعلم.
[ ٢ / ٨٨٢ ]