لا خلاف في استحباب الطهارة لذكر الله تعالى (^١).
وذهب الطحاوي، وابن حزم إلى نسخ الأحاديث الدالة على كراهة ذكر الله تعالى على غير وضوء بالأحاديث الدالة على جواز ذلك (^٢).
وقد تبين منه أن القول بالنسخ في المسألة أحد أسباب اختلاف أهل العلم فيها، وذلك لأن بعض أهل العلم ممن قال بجواز ذكر الله تعالى بغير وضوء صار إلى قوله هذا لما رأى أن الأحاديث الدالة على الكراهة وعدم جواز ذكر الله بغير وضوء منسوخة بالأحاديث الدالة على جواز ذكر الله تعالى بغير وضوء.
ولكن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلاف ظواهر الأحاديث الواردة في المسألة في جوازها وكراهتها (^٣).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن عائشة﵂- قالت: «كان النبي -ﷺ- يذكر الله
_________________
(١) انظر: المحلى ١/ ١٠٠؛ الهداية وشرحه العناية ١/ ٢٥١، ٢٥٢؛ منتقى الأخبار مع شرحه نيل الأوطار ١/ ٢١١؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ١/ ٢٨٣.
(٢) ونسبه ابن رشد إلى الجمهور. انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٨٩، ٩٠؛ المحلى ١/ ١٠٠؛ بداية المجتهد ١/ ٨٩.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٨٥، ٨٧، ٩٠؛ المحلى ١/ ١٠١؛ بداية المجتهد ١/ ٨٨، ٨٩؛ نيل الأوطار ١/ ٢١١.
[ ١ / ٣٩٠ ]
تعالى على كل أحيانه» (^١).
ثانيًا: عن عبادة بن الصامت (^٢) -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «من تعارّ (^٣) من الليل فقال: لا
إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته» (^٤).
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة عليك بليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٧٧، كتاب الحيض، باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها، ح (٣٧٣) (١١٧).
(٢) هو: عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم، الخزرجي الأنصاري، أبو الوليد المدني، أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرًا وما بعدها، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: جابر، وأبو أمامة، وغيرهما، وتوفي سنة أربع وثلاثين، وقيل بعدها. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ٢٩٤؛ التهذيب ١/ ٥٩٩؛ التقريب ١/ ٤٧.
(٣) تعارَّ أي هب من نومه، واستيقظ. انظر: لسان العرب ٢/ ٣٥؛ مجمع بحار الأنوار ١/ ٢٦٦.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٢٢٧، كتاب التهجد، باب فضل من تعار من الليل فصلى، ح (١١٥٤).
[ ١ / ٣٩١ ]
كسلان» (^١).
رابعًا: عن علي -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبًا» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٢٢٤، كتاب التهجد، باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل، ح (١١٤٢)، ومسلم في صحيحه ٤/ ٩٧، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الحث على صلاة الوقت وإن قلت، ح (٧٧٦) (٢٠٧).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٣٩، كتاب الطهارة، باب الجنب يقرأ القرآن، ح (٢٢٩)، والترمذي في سننه -واللفظ له- ص ٤٧، كتاب الطهارة، باب في الرجل يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنبًا، ح (١٤٦)، والنسائي في سننه ص ٤٩، كتاب الطهارة، باب حجب الجنب عن قراءة القرآن، ح (٢٦٥) و(٢٦٦)، وابن ماجة في سننه ص ١١٦، كتاب الطهارة، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، ح (٥٩٤)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٩٩، والإمام أحمد في المسند ٢/ ٦١، ٧٠، ٢٠٤، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ١٠٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٨٧، والدارقطني في سننه ١/ ١١٩، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٥٣، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٤٣. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وقال الحاكم: (حديث صحيح الإسناد). ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ١/ ١٣٩: (وصححه الترمذي وابن السكن وعبد الحق والبغوي في شرح السنة، وروى ابن خزيمة بإسناده عن شعبة قال: هذا الحديث ثلث رأس مالي، وقال الدارقطني: قال شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه) ثم قال: (وقال الخطابي: كان أحمد يوهن هذا الحديث، وقال النووي في الخلاصة: خالف الترمذي الأكثرون فضعفوا هذا الحديث). وقال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٢/ ٢٤١: (ضعيف). ثم ذكر كلام الأئمة في عبد الله بن سلمة أحد رواة الحديث ثم قال في ٢/ ٢٤٢: (وخالف هؤلاء الأئمة آخرون، فقال الترمذي: (حديث حسن صحيح) وقال الحاكم (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي، وصححه ابن السكن وعبد الحق والبغوي في شرح السنة كما في التلخيص الحبير للحافظ ابن حجر، وتوسط في (الفتح) فقال: (رواه صحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان وضعف بعضهم أحد رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة) هذا رأي الحافظ في الحديث ولا نوافقه عليه).
[ ١ / ٣٩٢ ]
خامسًا: عن علقمة بن الفغواء (^١) -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- إذا أهراق الماء إنما نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]» (^٢).
سادسًا: عن ابن عباس -﵁- يقول: كنا عند النبي -ﷺ- فجاء من الغائط، وأُتي بطعام فقيل له: ألا توضأ؟ فقال: «لِمَ، أَ أُصلى فأتوضأ؟» (^٣).
ويستدل منها على النسخ: بأن الأحاديث الدالة على جواز ذكر الله
_________________
(١) هو علقمة بن الفغواء - بفاء مفتوحة ومعجمة ساكنة- ويقال: ابن أبي الفغواء- بن عبيد بن عمرو، الخزاعي دليل رسول الله -ﷺ- إلى تبوك، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابنه عبد الله. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ٣٩١؛ الإصابة ٢/ ١٢٩١؛ رجال تفسير الطبري جرحا وتعديلا ص ٣٩٧.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٨٨، والطبري في جامع البيان ٤/ ٢٩٠٢. وفي سنده جابر الجعفي وهو ضعيف. قال ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٢: (وهو حديث غريب جدًا، وجابر هذا هو ابن زيد الجعفي ضعفوه).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٧٩، كتاب الحيض، باب جواز أكل المحدث الطعام وأنه لا كراهة في ذلك، ح (٣٧٤) (١١٩).
[ ١ / ٣٩٣ ]
تعالى بغير وضوء متأخرة عن الأحاديث التي تدل على كراهة ذكر الله تعالى بغير وضوء، فتكون منسوخة بها، ويدل على تأخرها ما يلي:
أولًا: حديث علقمة -﵁- فإنه يدل على أن النبي -ﷺ- كان قبل نزول آية الوضوء إذا كان محدثًا لا يكلم ولا يرد السلام، حتى نسخ الله ﷿ ذلك بهذه الآية، فأوجب الطهارة على من أراد الصلاة خاصة (^١).
ثانيًا: أن ابن عباس وابن عمر﵄رويا عن النبي -ﷺ- أنه لم يرد السلام في حال الحدث، ثم ثبت عنهما أنهما كانا يقرآن القرآن وهما على غير وضوء.
فعن سعيد بن جبير قال: (كان ابن عباس وابن عمر يقرأان القرآن وهما على غير وضوء) (^٢).
فهذا يدل على أنهما ما فعلا ذلك إلا وقد ثبت النسخ عندهما (^٣).
ثالثًا: أن حديث عبادة بن الصامت -﵁- عن رسول الله -ﷺ- يدل على إباحة ذكر الله تعالى بعد الانتباه من النوم في الليل وقبل الوضوء، وهي فضيلة، والفضائل لا تنسخ؛ لأنها من نعم الله على عباده، فدل ذلك على تأخر حديث عبادة -﵁- على الأحاديث الدالة على كراهة ذكر الله تعالى بغير
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٨٨، ٨٩.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١/ ٣٣٨، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٩٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار-واللفظ له- ١/ ٨٩.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٨٩.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وضوء، فتكون منسوخة به (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في جواز ذكر الله تعالى على غير وضوء على قولين:
القول الأول: أنه يجوز ذكر الله تعالى على غير وضوء.
وهو قول الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).
وروي ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين، منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وسلمان الفارسي -﵃- وسعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري، وإبراهيم
_________________
(١) انظر: المحلى ١/ ١٠١.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٨٦، ٨٧، ٩٠؛ البدائع ١/ ١٤١؛ الهداية ١/ ٢٥١؛ المحيط البرهاني ١/ ٧٩؛ العناية شرح الهداية للبابرتي ١/ ٢٥٢؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ١/ ٢٨٣.
(٣) انظر: بداية المجتهد ١/ ٨٨؛ جامع الأمهات ص ٦٢؛ مواهب الجليل ١/ ٣٤٢؛ التاج والإكليل ١/ ٣٤٢.
(٤) انظر: الأم ١/ ١١٧؛ العزيز ١/ ١٨٥؛ روضة الطالبين ١/ ١٩٧؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٥٣.
(٥) انظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق ٢/ ٣٤٤؛ المغني ١/ ٢٠٠؛ الشرح الكبير ٢/ ١١٠؛ الفروع ١/ ٢٦١؛ الإنصاف ٢/ ١١١.
[ ١ / ٣٩٥ ]
النخعي، وسعيد بن جبير، وابن سيرين (^١).
وقال النووي: أجمع المسلمون على ذلك (^٢).
القول الثاني: أنه لا يجوز ذكر الله تعالى على غير وضوء.
وذهب إلى ذلك قوم من أهل العلم (^٣).
الأدلة:
ويستدل للقول الأول-وهو جواز ذكر الله تعالى على غير وضوء- بالأدلة التي سبقت في دليل القول بالنسخ.
ووجه الاستدلال منها:
أما وجه الاستدلال من حديث عائشة﵂- فلأنه يشمل ما إذا كان طاهرًا وما إذا كان محدثًا؛ لأنه من جملة الأحيان (^٤).
وأما حديث عبادة بن الصامت وأبي هريرة -﵄فهما يدلان صراحة على إباحة ذكر الله تعالى بعد الانتباه من النوم في الليل وقبل الوضوء (^٥).
_________________
(١) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ٣٣٥ - ٣٤١؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٩٨، ٩٩؛ شرح معاني الآثار ١/ ٨٧.
(٢) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٥٣.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٨٥؛ بداية المجتهد ١/ ٨٨.
(٤) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٥٣؛ نيل الأوطار ١/ ٢١١.
(٥) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٨٧؛ المحلى ١/ ١٠١.
[ ١ / ٣٩٦ ]
وأما حديث علي -﵁- فهو يدل على جواز قراءة القرآن على غير وضوء، والقرآن أفضل الذكر (^١).
أما حديث علقمة بن الفغواء وابن عباس -﵄- فهما يدلان على أن الوضوء إنما يراد للصلاة خاصة (^٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو عدم جواز ذكر الله تعالى على غير وضوء- بما يلي:
أولًا: عن أبي جهيم (^٣) -﵁- قال: «أقبل النبي -ﷺ- من نحو
بئر جمل (^٤) فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي -ﷺ- حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (^٥).
_________________
(١) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ١٠٤؛ نيل الأوطار ١/ ٢١١.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٨٩، ٩١؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٥٥.
(٣) هو: أبو جهيم- بالتصغير- عبد الله بن الحارث بن الصمة بن عمر الأنصاري، وقيل اسمه: الحارث بن الصمة، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: بشير بن سعيد الحضرمي، ومسلم بن سعيد، وعبد الله بن يسار، وغيرهم. انظر: تجريد أسماء الصحابة ٢/ ١٥٦؛ الإصابة ٤/ ٢١٨٦؛ تهذيب التهذيب ١٢/ ٥٣.
(٤) بئر جمل هو اسم موضع بالمدينة. انظر: معجم البلدان ١/ ٢٣٩؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٥٠.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٧٢، كتاب التيمم، باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة، ح (٣٣٧)، ومسلم في صحيحه ٣/ ١٧٤، كتاب الحيض، باب التيمم، ح (٣٦٩) (١١٤).
[ ١ / ٣٩٧ ]
ثانيًا: عن ابن عمر -﵁- «أن رجلًا مرَّ ورسول الله -ﷺ- يبول فسلم فلم يرد عليه» (^١).
ثالثًا: عن المهاجر بن قنفذ (^٢) -﵁- أنه أتى النبي -ﷺ- وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: «إني كرهت أن أذكر الله ﷿ إلا على طهر» أو قال: «على طهارة» (^٣).
رابعًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: «مرَّ رجل على النبي -ﷺ- وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه، فلما فرغ ضرب بكفيه الأرض فتيمم ثم رد عليه
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٧٥، كتاب الحيض، باب التيمم، ح (٣٧٠) (١١٥).
(٢) هو: المهاجر بن قنفذ بن عمير بن جدعان التيمي القرشي، أسلم قديمًا، وقيل: يوم الفتح، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أبو ساسان حضين بن المنذر الرقاشي، ولاه عثمان -﵁- شرطته، وتوفي بالبصرة. انظر: تجريد أسماء الصحابة ٢/ ٩٨؛ الإصابة ٣/ ١٨٩٥؛ تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٨٧.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ٨، كتاب الطهارة، باب أيرد السلام وهو يبول، ح (١٧)، والنسائي في سننه ص ١٥، كتاب الطهارة، باب رد السلام بعد الوضوء، ح (٣٨) وابن ماجة في سننه-ولفظه: (قال أتيت النبي -ﷺ- وهو يتوضأ فسلمت عليه فلم يرد عليّ السلام فلما فرغ من وضوئه قال: (إنه لم يمنعني من أن أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء) سنن ابن ماجة ص ٧٩، كتاب الطهارة، باب الرجل يسلم عليه وهو يبول، ح (٣٥٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٨٥. قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ١/ ٩٢: (وصححه الحاكم والذهبي والنووي).
[ ١ / ٣٩٨ ]
السلام» (^١).
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث إن منها ما يدل على أن النبي -ﷺ- كان يكره ذكر الله تعالى إلا على طهر. ومنها ما يدل على أن النبي -ﷺ- لم يرد السلام حتى تيمم ثم رد السلام، فثبت من ذلك عدم جواز ذكر الله تعالى إلا على طهر (^٢).
ويعترض عليه: بأنه يمكن حمل هذه الأحاديث على الاستحباب بدليل أحاديث الجواز، وجمعًا بين الأدلة كلها. كما أن أدلة الجواز تحتمل كونها ناسخة لها، لما معها ما يدل على تأخرها (^٣).
الراجح
بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولًا: أنه يجوز ذكر الله تعالى بغير وضوء، وذلك:
أ- لورود أحاديث كثيرة صحيحة، تدل على جواز ذكر الله تعالى بغير
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٨٠، كتاب الطهارة، باب الرجل يسلم عليه وهو يبول، ح (٣٥١). قال البوصيري في زوائد سنن ابن ماجة ص ٨٢: (هذا إسناد ضعيف لضعف مسلمة بن علي. قال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث. وقال الحاكم: يروي عن الأوزاعي والزبيدي المنكرات والموضوعات).
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٨٥، بداية المجتهد ١/ ٨٩؛ نيل الأوطار ١/ ٢١١.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٨٨، ٨٩؛ المحلى ١/ ١٠٠؛ منتقى الأخبار مع شرحه نيل الأوطار ١/ ٢١١.
[ ١ / ٣٩٩ ]
وضوء (^١).
وقد نقل النووي إجماع الأمة على ذلك (^٢).
ب-ولأن القول به فيه يسر على عباد الله، وتيسير لتكثيرهم من ذكر الله وتلاوة كتابه، وكلا الأمرين مرغب فيه شرعًا، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (^٤).
ثانيًا: إن القول بأن الأحاديث الدالة على كراهة ذكر الله بغير وضوء منسوخة بالأحاديث الدالة على الجواز، له وجه؛ لأن حديث علقمة بن الفغواء يدل على ذلك، وهو وإن كان ضعيفًا إلا أن حديث ابن عباس يؤيده، وهما بمجموعهما يدلان على أن الوضوء إنما يلزم للصلاة خاصة لا للذكر والطعام وما شابههما (^٥).
والله أعلم.
_________________
(١) راجع بعض هذه الأحاديث في دليل القول بالنسخ. وانظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٥٤.
(٢) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٥٤.
(٣) سورة البقرة، الآية (١٨٥).
(٤) سورة الأحزاب الآية (٤١، ٤٢).
(٥) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٨٩، ٩١؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٥٥.
[ ١ / ٤٠٠ ]