قد ورد النسخ في الشريعة الإسلامية، ومعرفته أمر مُهِمُّ وضروري، ولمعرفته لا بد من معرفة شروطه (^١).
وأهم هذه الشروط ما يلي:
أولًا: أن يكون النسخ بدليل شرعي، فلا يكون ارتفاع الحكم بموت المكلف أو جنونه نسخًا، بل سقوط تكليف (^٢).
ثانيًا: أن يكون المنسوخ حكمًا شرعيًا، أي ثبت بدليل الشرع ثم رفع، وبهذا يخرج ما كان ثابتًا بالعادة والبراءة الأصلية، فإن رفع ذلك لا يسمى نسخًا بل ابتداء شرع (^٣).
ثالثًا: أن لا يكون الحكم السابق مقيدًا بوقت، أما لو كان كذلك فلا
_________________
(١) للشرط لغة معان، منها: العلامة، وإلزام الشيء والتزامه. انظر: مختار الصحاح ص ٢٩٤؛ المصباح المنير ص ٢٥٤؛ القاموس المحيط ص ٦٠٥ - ٦٠٦. والشرط اصطلاحًا: هو ما لا يلزم من وجوده لذاته وجود ولا عدم، ولكنه يلزم من عدمه عدم المشروط. مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص ٤٠. وانظر: التعريفات للجرجاني ص ١٢٥؛ التعريفات الفقهية ص ١٢١؛ أصول الفقه الإسلامي للزحيلي ١/ ٩٩.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٥٣؛ البحر المحيط ٥/ ٢١٦؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٥.
(٣) انظر: الاعتبار ص ٥٣؛ نواسخ القرآن ١/ ١٣٧؛ البحر المحيط ٥/ ٢١٦؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٥.
[ ١ / ٩٠ ]
يكون انقضاء وقته الذي قُيّد به نسخًا له (^١).
ومثاله: النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، فلا يكون النهي عن النوافل في هذا الوقت المخصص ناسخًا لما قبل ذلك من الجواز؛ لأن التأقيت يمنع النسخ (^٢).
رابعًا: أن يكون الحكم في الناسخ متناقضًا لحكم المنسوخ. بحيث لا يمكن العمل بهما جميعًا، فإن كان العمل بهما جميعًا ممكنًا لم يكن أحدهما ناسخًا للآخر (^٣).
خامسًا: أن يكون الحكم المنسوخ متقدمًا وثابتًا قبل ثبوت الحكم الناسخ، ويكون الحكم الناسخ متأخرًا عنه، ويُعلم ذلك بطريقين:
أحدهما: أن يرد في النص ما يدل على تأخر أحد الحكمين على الآخر، فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ٥٣؛ البحر المحيط ٥/ ٢١٧؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٥.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٥٣.
(٣) انظر: نواسخ القرآن ١/ ١٣٥.
(٤) سورة البقرة، الآية (١٨٧).
[ ١ / ٩١ ]
يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (^١).
الثاني: أن يعلم المتأخر عن المتقدم بطريق التاريخ، كأن يصرح الراوي أن هذا الحكم كان قبل هذا الحكم (^٢).
سادسًا: أن يكون الناسخ منفصلًا عن المنسوخ، متراخيًا عنه، فإن كان مقترنًا ومتصلًا كالشرط والاستثناء، فإن ذلك لا يسمى نسخًا بل تخصيصًا (^٣).
سابعًا: أن يكون الطريق الذي ثبت به الناسخ مثل الطريق الذي ثبت به المنسوخ أو أقوى منه، فإن كان أضعف منه ودونه، فإنه لا يجوز أن يكون ناسخًا للأقوى؛ لأن الضعيف لا يزيل القوي (^٤).
ثامنًا: أن يكون مما يصح ويجوز نسخه، فلا يدخل النسخ أصل التوحيد؛ لأن الله سبحانه بأسمائه وصفاته لم يزل ولا يزال. وكذلك لا يدخل النسخ
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية (٦٦).
(٢) انظر: نواسخ القرآن ١/ ١٣٦؛ الاعتبار ص ٥٦. وسيأتي تفصيل معرفة المتأخر من المتقدم في مطلب طرق معرفة النسخ في المبحث الثاني.
(٣) انظر: الاعتبار ص ٥٣؛ البحر المحيط ٥/ ٢١٦؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٥.
(٤) انظر: نواسخ القرآن ١/ ١٣٧؛ البحر المحيط ٥/ ٢١٧؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٥. وفيه خلاف سيأتي بيانه في مطلب أنواع النسخ وأقسامه في المبحث الثاني.
[ ١ / ٩٢ ]
الأخبار وكل ما لا يكون إلا على
صفة واحدة (^١).
تاسعًا: أن يكون الناسخ والمنسوخ من الكتاب أو السنة، فلا يكون النسخ بغيرهما (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: البحر المحيط ٥/ ٢١٧؛ إرشاد ا لفحول ٢/ ٥٥.
(٢) انظر: نواسخ القرآن ١/ ١٣٧.
[ ١ / ٩٣ ]