ذهب بعض أهل العلم إلى أن الصلاة لا يقطعها مرور شيء بين يدي المصلي، وأن الأحاديث التي تدل على قطعها بمرور الكلب والحمار والمرأة إذا لم يكن بين يدي المصلي سترة فإنها قد نسخت.
وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (^١)، وابن عبد البر (^٢)، وأبو إسحاق الجعبري (^٣).
وادعى ابن حزم عكس ذلك؛ حيث ذهب إلى نسخ ما يدل على عدم قطع الصلاة بمرور الكلب والحمار والمرأة بين يدي المصلي (^٤).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أ هل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الآثار الواردة في المسألة، والاختلاف في المراد بالقطع المذكور فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (^٥).
ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على قطع الصلاة بمرور الكلب والحمار والمرأة بين يدي المصلي إذا لم يكن أمامه سترة بما يلي:
أولًا: عن عائشة﵂- ذكر عندها ما يقطع الصلاة الكلب
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٠، ٤٦٣. وكذلك صرح به ابن عابدين في حاشيته ٢/ ٣٤٣.
(٢) انظر: التمهيد ٤/ ١٢١.
(٣) انظر: رسوخ الأحبار ص ٢٨٦.
(٤) انظر: المحلي ٢/ ٣٢٦، ٣٢٧.
(٥) انظر: التمهيد ٤/ ١٢٠، ١٢١؛ بداية المجتهد ١/ ٣٤٨؛ فتح الباري ١/ ٧٤١.
[ ٢ / ٩٨٥ ]
والحمار والمرأة، فقالت عائشة: (شبهتمونا بالحمر والكلاب، والله لقد رأيت النبي -ﷺ- يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذيَ النبي -ﷺ- فانسل من عند رجليه) (^١).
وفي رواية عنها -﵂- قالت: (لقد كان رسول الله -ﷺ- يقوم فيصلي من الليل وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله) (^٢).
ثانيًا: عن ميمونة -﵂- قالت: (كان رسول الله -ﷺ- يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد، قالت: وكان يصلي على الخُمْرَة (^٣) (^٤).
ثالثًا: عن ابن عباس -﵁- قال: (أقبلت راكبًا على حمار أتان (^٥)، وأنا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٠٨، كتاب الصلاة، باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء، ح (٥١٤)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٧٠، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، ح (٥١٢) (٢٧٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٠٨، كتاب الصلاة، باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء، ح (٥١٥).
(٣) الخمرة: هي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده من حصير، أو نسيجة خوص، ونحوه من النبات. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٥٣١.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٨٣، كتاب الصلاة، باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد، ح (٣٧٩)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٧١، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، ح (٥١٣) (٢٧٣).
(٥) الأتان الأنثى من الحمير. انظر: مختار الصحاح ص ٤؛ المصباح المنير ص ٣.
[ ٢ / ٩٨٦ ]
يومئذٍ قد ناهزت (^١) الاحتلام ورسول الله -ﷺ- يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت فأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك عليّ أحد) (^٢).
وفي رواية عنه -﵁-: (أنه أقبل يسير على حمار ورسول الله -ﷺ- قائم بمنى في حجة الوداع يصلي بالناس، فسار الحمار بين يدي بعض الصف ثم نزل عنه فصف مع الناس) (^٣).
وفي رواية ثالثة عنه -﵁- أنه قال: (جئت أنا وغلام من بني هاشم على حمار، فمررنا بين يدي النبي -ﷺ- وهو يصلي، فنزلنا عنه وتركنا الحمار يأكل من بقل الأرض أو قال نبات الأرض، فدخلنا معه في الصلاة، فقال رجل: أكان بين يديه عَنَزَة (^٤)؟ قال: لا) (^٥).
_________________
(١) ناهزت الاحتلام أي داناه، يقال: ناهز الصبي البلوغ إذا داناه. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٨١٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٠٤، كتاب الصلاة، باب سترة الإمام سترة من خلفه، ح (٤٩٣)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٦٥، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، ح (٥٠٤) (٢٥٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٩٠٨، كتاب المغازي، باب حجة الوداع، ح (٤٤١٢)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٦٥، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، ح (٥٠٤) (٢٥٥).
(٤) العنزة عصًا أقصر من الرمح، ولها زُجّ من أسفلها. انظر: مختار الصحاح ص ٤٠٢؛ المصباح المنير ص ٣٥٢.
(٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٦٦: (رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح). وأخرج نحوه النسائي في سننه ص ١٢٥، كتاب القبلة، باب ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع إذا لم يكن بين يدي المصلي سترة، ح (٧٥٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٥٩، وابن عبد البر في التمهيد ٥/ ٤٦، وانظر كذلك السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٣٩٣. وقال الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٨٢: (وروى البزار في مسنده حدثنا بشر بن آدم، ثنا أبو عاصم عن ابن جريج، أنبأ عبد الكريم أن مجاهدًا أخبره عن ابن عباس قال: (أتيت أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله -ﷺ- بعرفة وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره، ويحول بيننا وبينه).
[ ٢ / ٩٨٧ ]
رابعًا: عن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- صلى بالناس فمر بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله سبحان الله، فلما سلم رسول الله -ﷺ- قال: «من المسبح آنفًا سبحان الله؟» قال: أنا يا رسول الله، إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة، قال: «لا يقطع الصلاة شيء» (^١).
خامسًا: عن الفضل بن عباس (^٢) -﵁- قال: (أتانا رسول الله -ﷺ- ونحن في
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٣٦٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٣٩٤. وقال ابن حجر في الدارية ١/ ١٧٨: (وإسناده حسن). وضعفه ابن الجوزي وقال: (ففيه صخر بن عبد الله قال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالأباطيل، عامة ما يرويه منكر أو من موضوعاته). ورد عليه ابن عبد الهادي فقال: (وصخر بن عبد الله بن حرملة الراوي عن عمر بن عبد العزيز لم يتكلم فيه ابن عدي ولا ابن حبان، بل ذكره ابن حبان في الثقات. وقال النسائي: هو صالح. وإنما ضعف ابن عدي صخر بن عبد الله الكوفي المعروف بالحاجبي). انظر: التحقيق مع التنقيح ١/ ٤٤٦.
(٢) هو: الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، الهاشمي، أسن ولد العباس -﵁-، غزا مع النبي -ﷺ- مكة وحنينًا، وشهد معه حجة الوداع، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أخوه عبد الله، وأبو هريرة، وغيرهما، وتوفي في خلافة أبي بكر -﵁-، وقيل بعدها. انظر: الإصابة ٣/ ١٥٨٦.
[ ٢ / ٩٨٨ ]
بادية لنا ومعه عباس، فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى ذلك) (^١).
سادسًا: عن أم سلمة -﵂- قالت: كان النبي -ﷺ- يصلي في حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد الله (^٢) أو عمر (^٣) بن أبي سلمة، فقال بيده،
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ١١٦، كتاب الصلاة، باب من قال: الكلب لا يقطع الصلاة، ح (٧١٨). وأخرج نحوه النسائي في سننه ص ١٢٥، كتاب القبلة، باب ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع إذا لم يكن بين يدي المصلي سترة، ح (٧٥٣)، وعبد الرزاق في المصنف ٢/ ٢٨، وأحمد في المسند ٣/ ٣١٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٠، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٣٩٥. قال المنذري في مختصر سنن أبي داود ١/ ٣٥٠: (وذكر بعضهم أن في إسناده مقالًا، وقال: إنه لم يذكر فيه نعت الكلب، وقد يجوز أن يكون الكلب ليس بأسود). وقال النووي في المجموع ٣/ ١٦١: (رواه أبو داود بإسناد حسن). وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب ٥/ ١١١: (قلت: أعله ابن حزم بالانقطاع؛ لأن عباسًا لم يدرك عمه الفضل، وهو كما قال، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله). وانظر كذلك تمام المنة ص ٣٠٥. وقال الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص ١١٦: (ضعيف)، وقال في ضعيف سنن النسائي ص ١٢٥: (منكر).
(٢) هو: عبد الله بن أبي سلمة -عبد الله- بن عبد الأسد، بن هلال المخزومي، ربيب النبي -ﷺ-. انظر: الإصابة ٢/ ١٤٨٧، ١٤٩٤.
(٣) هو: عمر بن أبي سلمة-عبد الله-بن عبد الأسد بن هلال، المخزومي، ربيت النبي -ﷺ-، وأمه أم سلمة أم المؤمنين﵂ولد بالحبشة قبل الهجرة بسنتين، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابنه محمد، وعروة، وغيرهما، وتوفي بالمدينة سنة ثلاث وثمانين. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ٣٩٨، الإصابة ٢/ ١٣٠٩.
[ ٢ / ٩٨٩ ]
فرجع، فمرت زينب بنت أم سلمة فقال بيده هكذا فمضت، فلما صلى قال: «هن أغلب» (^١).
سابعًا: عن أبي أمامة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يقطع الصلاة شيء» (^٢).
ثامنًا: عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم، فإنما هو شيطان» (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ١٧٤، كتاب الصلاة، باب ما يقطع الصلاة، ح (٩٤٨)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢٥٨. قال البوصيري في زوائد ابن ماجة ص ١٥٢: (هذا إسناد ضعيف، وقع في بعض النسخ عن أمه بدل عن أبيه، واعتمد المزي ذلك فأخرج الحديث في ترجمة أم محمد بن قيس عن أم سلمة، ولم يسمها، وأبوه أيضًا لا يعرف). وقال الشيخ الألباني في تمام المنة ص ٣١١: (إسناده ضعيف، فيه من لا يعرف، ولذلك ضعفه ابن القطان والبوصيري).
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٦٥: (رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن). وأخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٢٦٨. وقال ابن حجر في الدراية ١/ ١٧٨: عن إسناد الدارقطني: (ضعيف). وانظر التعليق المغني على سنن الدارقطني ١/ ٢٦٨.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ١١٦، كتاب الصلاة، باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء، ح (٧١٩)، والدارقطني في سننه ١/ ٢٦٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٣٩٥. قال المنذري في مختصر سنن أبي داود ١/ ٣٥٠: (وفي إسناده مجالد وهو ابن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي، وقد تكلم فيه غير واحد، وأخرج له مسلم حديثًا مقرونًا بجماعة من أصحاب الشعبي). ونحو هذا كلام الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٧٦، وقال ابن حجر في الدراية ١/ ١٧٨: (وفي إسناده مجالد وهو لين). وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص ١١٦. وذكر في تمام المنة ص ٣٠٦، أن مجالد بن سعيد ليس بالقوي، وأنه قد اضطرب في رواية هذا الحديث. كما ذكر أن الحديث ضعفه ابن حزم والنووي.
[ ٢ / ٩٩٠ ]
تاسعًا: عن علي وعثمان﵄- قالا: (لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوهم عنكم ما استطعتم) (^١).
عاشرًا: عن ابن عمر -﵁- أنه كان يقول: (لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي) (^٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث عائشة وميمونة وأم سلمة -﵅- يدل على أن مرور المرأة بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، وحديث ابن عباس وأنس -﵄يدلان على أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع عليه صلاته كذلك، وحديث الفضل بن عباس -﵁- يدل على أن مرور الكلب بين يدي المصلي لا يقطع عليه صلاته أيضًا، وبقية
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢٥٠، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٣٩٥. وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٧٤١: (وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن علي وعثمان وغيرهما نحو ذلك موقوفًا).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ١٤٦، ونحوه عبد الرزاق في المصنف ٢/ ٣٠، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢٥١، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٣٩٥. وسنده صحيح. وانظر: فتح الباري ١/ ٧٤١.
[ ٢ / ٩٩١ ]
الأحاديث تدل على أن الصلاة لا يقطعها شيء.
ثم هذه الأحاديث متأخرة فتكون ناسخة للأحاديث التي تدل على أن الصلاة يقطعها المرور بين يدي المصلي إذا كان المار من المرأة أو الحمار أو الكلب، ويدل على تأخرها ما يلي:
أ- إن من بين هذه الأحاديث حديث ابن عباس -﵁- وهو كان في حجة الوداع، وهي في سنة عشر وفي آخر حياة النبي -ﷺ- فدل ذلك على تأخره (^١).
ب- ولأن من بين ذلك حديث عائشة وميمونة﵄-، وفيهما كذلك ما يدل على التأخر عن الأحاديث الدالة على القطع؛ لكون صلاته -ﷺ- عندهن ولم يزل على ذلك حتى مات خصوصًا مع عائشة﵂- مع تكرر قيامه كل ليلة، ثم إن حديثهما على أصل الإباحة، فيدل ذلك على التأخر (^٢).
ج-إن الأحاديث التي فيها أن الصلاة لا يقطعها شيء متأخرة؛ لأن من بينها حديث أنس
-﵁-، وفيه قول عياش بن أبي ربيعة -﵁-: (إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة) فهذا يدل أن أحاديث قطع الصلاة بمرور الحمار وغيره كان أولًا، وقول النبي -ﷺ-: «لا يقطع الصلاة شيء»، كان بعد ذلك، ويؤكد ذلك ما روي عن عدد من الصحابة -﵃أنهم قالوا بعد وفات النبي -ﷺ-: (لا يقطع الصلاة شيء) مع أن بعضًا منهم قد روى عن النبي -ﷺ-
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ٢١٧؛ رسوخ الأحبار ص ٢٨٦؛ نيل الأوطار ٣/ ١١.
(٢) انظر: التمهيد ٤/ ١٢١؛ فتح الباري ١/ ٧٤٢؛ نيل الأوطار ٣/ ١١.
[ ٢ / ٩٩٢ ]
الأحاديث الدالة على قطع الصلاة بمرور الكلب والحمار والمرأة بين يدي المصلي، فيدل ذلك على ثبوت النسخ عندهم (^١).
ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على عدم قطع الصلاة بالكلب والحمار والمرأة بما يلي:
أولًا: عن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل (^٢)، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود» قلت (^٣): يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله -ﷺ- كما سألتني فقال: «الكلب الأسود شيطان» (^٤).
ثانيًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل» (^٥).
ثالثًا: عن عبد الله بن مغفل -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يقطع الصلاة المرأة
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٠ - ٤٦٣؛ سبل السلام ١/ ٢٧١؛ نيل الأوطار ٣/ ١٣.
(٢) آخرة الرحل هي الخشبة التي يستند إليها الراكب من كور البعير. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٤٣.
(٣) القائل هو عبد الله بن الصامت الراوي عن أبي ذر -﵁-.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١٦٩، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، ح (٥١٠) (٢٦٥).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١٦٩، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، ح (٥١١) (٢٦٦).
[ ٢ / ٩٩٣ ]
والكلب والحمار» (^١).
رابعًا: عن ابن عباس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض» (^٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة تدل على قطع الصلاة بمرور من ذكر فيها بين يدي المصلي، فتكون ناسخة للأحاديث الدالة على عدم قطع الصلاة بشيء؛ لأن تلك الأحاديث موافقة لما كانوا عليه قبل ورود الأحاديث الدالة على القطع، فتكون الأحاديث الدالة على القطع بعدها (^٣).
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث ليس فيها ما يدل على تأخرها على الأحاديث التي يُستدل منها على عدم القطع، ومجرد كونها أنها جاءت على خلاف الأصل لا تدل على تأخرها، مع أن الأحاديث الدالة
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ١٧٤، كتاب الصلاة، باب ما يقطع الصلاة، ح (٩٥١)، وأحمد في المسند ٢٧/ ٣٥٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٥٨، وابن حبان في صحيحه ص ٧٠٥. وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ص ١٧٤: (صحيح).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ١١٤، كتاب الصلاة، باب ما يقطع الصلاة، ح (٧٠٣)، والنسائي في سننه ص ١٢٥، كتاب القبلة، باب ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع إذا لم يكن بين يدي المصلي سترة، ح (٧٥١)، وابن ماجة في سننه-واللفظ له- ص ١٧٤، كتاب الصلاة، باب ما يقطع الصلاة، ح (٩٤٩)، وأحمد في المسند ٥/ ٢٩٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٥٨، وابن حبان في صحيحه ص ٧٠٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٣٨٩. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ١١٤.
(٣) انظر: المحلى ٢/ ٣٢٦، ٣٢٧.
[ ٢ / ٩٩٤ ]
على عدم القطع معها ما يدل على تأخرها كما سبق (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في قطع الصلاة بمرور شيء أمام المصلي على ثلاثة أقوال مشهورة:
القول الأول: أن الصلاة لا يقطعها ولا يبطلها مرور شيء بين يدي المصلي سواء كان ذلك كلبًا أو حمارًا أو امرأة أو غير ذلك.
وهو قول جمهور الفقهاء (^٢)، منهم: الحنفية (^٣)،
والمالكية (^٤)، والشافعية (^٥).
ورُوي ذلك عن: عثمان، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وحذيفة، وعائشة﵃-. وبه قال ابن المسيب، وعروة، وعبيدة، والشعبي، وسفيان الثوري، وأبو ثور، وداود، وابن جرير الطبري (^٦).
القول الثاني: أن الصلاة لا يقطعها ولا يبطلها مرور شيء بين يدي
_________________
(١) راجع وجه الاستدلال من تلك الأحاديث على النسخ.
(٢) انظر: التمهيد ٤/ ١٢١؛ بداية المجتهد ١/ ٣٤٧؛ المجموع ٣/ ١٦٠؛ البناية ٢/ ٥٠٥.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٣؛ بدائع الصنائع ١/ ٥٥١؛ الهداية مع شرحه فتح القدير ١/ ٤٠٤؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٤٣.
(٤) انظر: الإشراف ١/ ٢٦٥؛ التمهيد ٥/ ٣٤؛ بداية المجتهد ١/ ٣٤٧؛ مواهب الجليل ٢/ ٢٣٧.
(٥) انظر: التنبيه للشيرازي ص ٤٩؛ العزيز ٢/ ٥٦؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٧٠؛ المجموع ٣/ ١٦٠؛ روضة الطالبين ص ١٣٢؛ مغني المحتاج ١/ ٣٠١.
(٦) انظر: مصنف عبد الرزاق ٢/ ٢٨ - ٣٢؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٥٠ - ٢٥١؛ التمهيد ٤/ ١٢١؛ الاعتبار ص ٢١٧.
[ ٢ / ٩٩٥ ]
المصلي إلا الكلب الأسود البهيم (^١).
وهو مذهب الحنابلة (^٢)، وروي نحوه عن عائشة﵂- ومجاهد، وهو قول إسحاق بن راهوية (^٣).
القول الثالث: أن الصلاة يقطعها ويبطلها إذا مر بين يدي المصلي المرأة أو الحمار أو الكلب.
وهو رواية عن الإمام أحمد (^٤)، وروي نحوه عن ابن عمر، وأنس﵄- والحسن البصري، وقال به بعض الظاهرية، منهم ابن حزم (^٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول بأدلة منها-وهي أصحها-ما استُدل به للقول بنسخ ما يدل على قطع الصلاة بمرور الكلب، والحمار، والمرأة؛ فإنها تدل
_________________
(١) البهيم هو الذي لا يخالط لونه لون سواه. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ١٦٩؛ المغني ٣/ ٩٧.
(٢) انظر: المغني ٣/ ٩٧؛ الشرح الكبير ٣/ ٦٤٨؛ الفروع ٢/ ٢٥٨؛ شرح الزركشي ١/ ٤٢٥؛ الإنصاف ٣/ ٦٤٨.
(٣) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٥٢؛ معالم السنن ١/ ٣٤٥؛ المغني ٣/ ٩٧؛ نيل الأوطار ٣/ ١١.
(٤) وخص الكلب بالأسود. انظر: المغني ٣/ ٩٧؛ الشرح الكبير ٣/ ٦٥٠؛ الفروع ٢/ ٢٥٨؛ الإنصاف ٣/ ٦٥٢.
(٥) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٥٢؛ معالم السنن ١/ ٣٤٥؛ المحلى ٢/ ٣٢٠؛ نيل الأوطار ٣/ ١٠.
[ ٢ / ٩٩٦ ]
على أن مرور المرأة، والكلب، والحمار
وغير ذلك بين يدي المصلي لا يبطل صلاته ولا يقطعها.
ثم قال بعضهم: إن هذه الأدلة أقوي وأرجح، كما أن معها ما يدل على تأخرها، لذلك فهي مقدمة على ما يدل على قطع الصلاة إذا مر بين يدي المصلي الكلب والحمار والمرأة (^١).
وقال بعضهم: يجمع بين هذه الأدلة وبين ما يدل على قطع الصلاة، بأن المراد بعدم القطع أي أن ذلك لا يبطلها. وأما ما يدل على القطع فالمراد بها نقص الخشوع والذكر للشغل بها والالتفات إليها (^٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أن الصلاة لا يقطعها إلا الكلب الأسود- بأدلة منها ما ذكر في دليل من قال بنسخ ما يدل على عدم قطع الصلاة بشيء.
ووجه الاستدلال منها: أن هذه الأدلة تدل على قطع الصلاة بمرور من ذكر فيها بين يدي المصلي، لكن تُرك العمل به في المرأة والحمار، أما في المرأة فلحديث عائشة، الذي سبق ذكره في دليل القول بنسخ ما يدل على قطع الصلاة بالكلب والحمار والمرأة. وأما في الحمار فلحديث ابن عباس -﵁- الذي سبق ذكره كذلك في دليل القول بنسخ ما يدل على قطع الصلاة بالمرأة
_________________
(١) هذا ما قاله بعض الحنفية، وبعض المالكية. انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٥٩ - ٤٦٣؛ التمهيد ٤/ ١٢١؛ البناية ٢/ ٥٠٩.
(٢) هذا ما اختاره الشافعية. انظر: المجموع ٣/ ١٦١؛ فتح الباري ١/ ٧٤١.
[ ٢ / ٩٩٧ ]
والحمار والكلب، أما القطع بالكلب فلا معارض له، لأن ما روي في ذلك ففي كلها ضعف لا تقوى على معارضة ما يدل على أنه يقطع الصلاة، لذلك يجب العمل به، ثم الكلب وإن ذكر في بعض الأحاديث مطلقًا إلا أنه يقيده حديث أبي ذر -﵁- وغيره بالأسود (^١).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن الصلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة- بما سبق في دليل القول بنسخ ما يدل على عدم قطع الصلاة بشيء؛ حيث إنها صريحة في قطع الصلاة بمرور من
ذكر في تلك الأحاديث (^٢).
قالوا: وأما ما يخالف هذه الأحاديث فإما غير صحيح أو غير صريح لذلك لا يعارض به هذه الأحاديث (^٣).
واعترض عليه: بأن الأحاديث التي اُستدل منها على عدم قطع الصلاة وبطلانها بمرور أي شيء بين يدي المصلي، بعضها أحاديث صحيحة كحديث عائشة وابن عباس في المرأة والحمار، وهما قد استدلا بذلك على عدم قطع الصلاة بهما، وأما الأحاديث الباقية فليست كلها ضعيفة بل من أهل العلم من صحح بعضها أو حسنها، وهي بمجموعها تفيد أن لها أصلًا تصلح للاحتجاج بها، ثم ما صح عن عدد من الصحابة
_________________
(١) انظر: المغني ٣/ ١٠٠؛ الشرح الكبير ٣/ ٦٤٩؛ شرح الزركشي ١/ ٤٢٥.
(٢) انظر: المغني ٣/ ١٠٠؛ الشرح الكبير ٣/ ٦٤٩؛ شرح الزركشي ١/ ٤٢٥.
(٣) انظر: المغني ٣/ ٩٧؛ الشرح الكبير ٣/ ٦٥٠؛ زاد المعاد ١/ ٣٠٦.
[ ٢ / ٩٩٨ ]
-﵃- موقوفًا يؤكدها ويقويها (^١).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الأحاديث الواردة في قطع الصلاة بمرور المرأة والحمار والكلب بين يدي المصلي صحيحة وصريحة، لذلك لو أعاد أحد الصلاة من مرور شيء ممن ذكر فيها بين يديه فيكون قد أحسن؛ عملًا بظاهر هذه الأحاديث، وخروجًا من خلاف أهل العلم.
إلا أن صلاته صحيحة ولا يبطلها مرور شيء بين يديه، وذلك لما يلي:
أولًا: لأن القول بأن الأحاديث الدالة على قطع الصلاة بمرور الكلب والمرأة والحمار منسوخة له وجه؛ لأن تلك الأحاديث ذكر فيها قطع الصلاة بمرور الكلب والمرأة والحمار، ثم حديث ابن عباس -﵁- في مرور الحمار بين يدي بعض الصف أو أمام النبي -ﷺ- وهو يصلي ولم يقطع صلاتهم وقول ابن عباس -﵁- أنه لم ينكر ذلك عليه أحد، يدل أن القطع والإنكار كان أولًا، وأن عدم الإنكار وعدم قطع الصلاة بذلك متأخر عن ذلك، فهذا ما يفهم من كلام ابن عباس -﵁- واستدلاله بعدم الإنكار عليه.
كما أن قول عياش بن أبي ربيعة -﵁-: إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة، وقول النبي -ﷺ- له: «لا يقطع الصلاة شيء» يدل أن عدم قطع
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٥٩ - ٤٦٣؛ التمهيد ٤/ ١٢١؛ المجموع ٣/ ١٦١.
[ ٢ / ٩٩٩ ]
الصلاة بشيء كان بعد قطع الصلاة ببعض الأشياء، فيكون عدم القطع ناسخًا ومتأخرًا عن القطع على مقتضى هذا الحديث (^١).
ثانيًا: ولأن الأحاديث الدالة على عدم قطع الصلاة بمرور شيء أمام المصلي أخذ بمدلولها أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم (^٢)، وهو يدل على ثبوت أصل ذلك عندهم.
ثالثًا: ولأنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث، وذلك بحمل الأحاديث الدالة على عدم قطع الصلاة بمرور شيء على عدم البطلان، وحمل الأحاديث الدالة على القطع على نقص الخشوع، كما نقل ذلك عن الإمام الشافعي وغيره (^٣).
أما ادعاء نسخ الأحاديث الدالة على عدم قطع الصلاة بشيء، فلا وجه له، ولا يوجد ما يدل على تأخرها على ما يخالفها، كما سبق بيانه.
والله أعلم.
_________________
(١) وقد سبق أن ابن حجر حسن سنده.
(٢) انظر: سنن الترمذي ص ٩٣؛ التمهيد ٤/ ١٢١؛ المجموع ٣/ ١٦٠.
(٣) انظر: المجموع ٣/ ١٢١؛ فتح الباري ١/ ٧٤١.
[ ٢ / ١٠٠٠ ]