ذهب داود الظاهري إلى إباحة الصلاة بعد العصر وعند غروب الشمس، وأن الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك منسوخة (^١).
وعكس أبو عوانة فذهب إلى نسخ إباحة الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس (^٢).
وتبين منه ومما يأتي من الأدلة أن سبب الاختلاف في المسألة أمران: القول بالنسخ، وتعارض الآثار الواردة فيها (^٣).
ويستدل لمن قال بنسخ الأحاديث الدالة على النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس بما يلي:
أولًا: عن عائشة﵂- قالت: «ركعتان لم يكن رسول الله
_________________
(١) هذا ما نسبه إليه ابن حزم أي القول بنسخ النهي عن الصلاة بعد العصر، أما ابن حجر فنسب إليه القول بنسخ جميع أحاديث النهي عن الصلاة بعد الفجر وعند الزوال وبعد العصر. لكن الذي يظهر أن قول داود هو كما قال ابن حزم؛ حيث أن ابن عبد البر نسب إليه جواز التطوع بعد العصر، ولم ينسب إليه الجواز مطلقًا، كما أن ابن حجر نفسه نسب إلى ابن حزم القول بنسخ أحاديث النهي مطلقًا، وهو خلاف ما قاله ابن حزم في المحلى. انظر: المحلى ٢/ ٤٨؛ التمهيد ١/ ٣٠٨؛ فتح الباري ٢/ ٧٣، ٧٤؛ تحفة الأحوذي ١/ ٥٦٨. وانظر كذلك بداية المجتهد ١/ ٢٠١.
(٢) انظر: مسند أبي عوانة ١/ ٣٠٠. وبنحو قول أبي عوانة يدل كلام ابن شاهين. انظر: ناسخ الحديث ومنسوخه ص ٣٣١ - ٤٤٩.
(٣) انظر: التمهيد ١/ ٣٠٤؛ بداية المجتهد ١/ ٢٠٠؛ فتح الباري ٢/ ٧٣.
[ ٢ / ٧١٦ ]
-ﷺ- يدعهما سرًا ولا علانيةً: ركعتان قبل الصبح، وركعتان بعد العصر» (^١).
وفي رواية عنها﵂- قالت: «والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله وما لقي الله تعالى حتى ثقل عن الصلاة، وكان يصلي كثيرًا من صلاته قاعدًا، تعني الركعتين بعد العصر، وكان النبي -ﷺ- يصليهما ولا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحب
ما يُخفف عنهم» (^٢).
ثانيًا: عن أم سلمة -﵂- قالت: سمعت النبي -ﷺ- ينهى عنها ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر ثم دخل عليّ وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه قولي له: تقول لك أم سلمة يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين وأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري عنه، ففعلت الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه. فلما انصرف قال: «يا ابنة أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان» (^٣).
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٢١، كتاب مواقيت الصلاة، باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها، ح (٥٩٢)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٤٤٠، كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، ح (٨٣٥) (٣٠٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٢١، كتاب مواقيت الصلاة، باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها، ح (٥٩٠).
(٣) سبق تخريجه في ص ٤٧٠.
[ ٢ / ٧١٧ ]
قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (^١).
رابعًا: حديث أبي ذر -﵁- وفيه: «صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» (^٢).
خامسًا: حديث أنس -﵁- عن النبي -ﷺ- وفيه: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (^٣).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث منها ما يدل بعمومه على جواز الصلاة بعد العصر، وعند غروب الشمس، ومنها ما يدل على أن النبي -ﷺ- صلى ركعتين بعد العصر، وأنه -ﷺ- داوم على ذلك حتى الموت، وهي بعد النهي عن الصلاة بعد العصر، فتكون ناسخة للنهي عن الصلاة بعد العصر (^٤).
واعترض عليه بما يلي:
أولًا: أن النبي -ﷺ- إنما صلى ركعتين بعد العصر، ولم يصل عند غروب الشمس، والنهي عن الصلاة عند الغروب أشد منه عن الصلاة بعد العصر، فلا يصح الاستدلال من الصلاة بعد العصر على نسخ النهي عن الصلاة عند
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٤٥٩.
(٢) سبق تخريجه في ص ٤٧٢.
(٣) سبق تخريجه في ص ٤٦٥.
(٤) انظر: المحلى ٢/ ٥٥، ٧٦؛ بداية المجتهد ١/ ٢٠١؛ فتح الباري ٢/ ٧٣، ٨٠.
[ ٢ / ٧١٨ ]
غروب الشمس (^١).
ثانيًا: أنه قد صح عن النبي -ﷺ- أنه نهى عن الصلاة بعد العصر، وصلاته الركعتين بعد العصر يحتمل أن يكون ذلك من خصائصه -ﷺ-، فلا يصح الاستدلال من ذلك على نسخ النهي عن الصلاة بعد العصر (^٢).
دليل من قال بنسخ جواز الصلاة بعد العصر
أولًا: عن أبي بصرة الغفاري (^٣) -﵁- قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- العصر بالمُخَمَّص (^٤) فقال: «إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد، والشاهد النجم» (^٥).
_________________
(١) انظر: المحلى ٢/ ٧٦؛ المغني ٢/ ٥٣٣، ٥٣٤.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣٠٦؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٦٤٣؛ العزيز ١/ ٤٠٣؛ المجموع ٤/ ٥٨؛ المغني ٢/ ٥٢٩.
(٣) هو: جميل بن بصرة بن أبي بصرة بن وقاص، الغفاري، أبو بصرة، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أبو هريرة -﵁-، وعبيد بن جبر، وغيرهما، وسكن الحجاز ثم تحول إلى مصر، وقيل شهد فتح مصر، وتوفي بها. انظر: تجريد أسماء الصحابة ٢/ ١٥٢؛ الإصابة ٤/ ٢١٦٨؛ التقريب ٢/ ٣٦٢.
(٤) قال النووي في المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٤٣٣: (هو موضع معروف)، وقال الياقوت في معجم البلدان ٤/ ٢٢٠: (المخمص بخاء معجمة، طريق في جبل عَير إلى مكة). وورد في مسند أبي عوانة ١/ ٣٠٠ لفظ: (المحصب) بدل المخمص.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ١٤٠، كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، ح (٨٣٠) (٢٩٢).
[ ٢ / ٧١٩ ]
ثانيًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: «نهى رسول الله -ﷺ- عن صلاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس» (^١).
ثالثًا: عن ابن عباس -﵄- قال: شهد عندي رجال مرضِيُّون وأرضاهم عندي عمر: «أن النبي -ﷺ- نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب» (^٢).
رابعًا: عن أبي سعيد الخدري -﵁- يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» (^٣).
خامسًا: حديث أم سلمة﵂- وفيه: (فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه قولي له: تقول لك أم سلمة يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين وأراك تصليهما) (^٤).
وفي رواية عنها -﵂قالت: (لم أر رسول الله -ﷺ- يصلي بعد العصر قط إلا مرة جاءه ناس بعد الظهر فشغلوه في شيء، ولم يصل بعد الظهر شيئًا حتى صلى العصر، قال: فلما صلى العصر دخل بيتي فصلى
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٤٦٠.
(٢) سبق تخريجه في ص ٤٥٩.
(٣) سبق تخريجه في ص ٤٦٠.
(٤) سبق تخريجه في ص ٤٧٠.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
ركعتين) (^١).
سادسًا: عن عائشة -﵂-: «أن رسول الله -ﷺ- كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال» (^٢).
سابعًا: عن ابن عباس -﵄- قال: (إنما صلى النبي -ﷺ- الركعتين بعد العصر لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما) (^٣).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٢/ ٤٣١، عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة، وهم من رجال الجماعة. وأخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٣٣٣، ولفظه: (إن رسول الله -ﷺ- كان يصليهما بعد الظهر، فشغله القوم، قالت: فما صلاهما قبل ولا بعد).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٢٠٠، كتاب الصلاة، باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة، ح (١٢٨٠). وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص ١٩٩. وقال في الإرواء ٢/ ١٨٩: رجال إسناده ثقات، ولكن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه). والنهي عنها ثابت بدليل حديث أم سلمة وقولها: (سمعتك تنهى عن هاتين)، ويؤكد النهي ما في أول هذا الحديث أن ابن عباس، والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر -﵃- أرسلوا كريبًا إلى عائشة -﵂- وقالوا له: (اقرأ ﵍ منا جميعًا وسلها عن الركعتين بعد العصر، وقل لها: «إنا أخبرنا أنك تصلينهما وقد بلغنا أن النبي -ﷺ- نهى عنهما».
(٣) أخرجه الترمذي في سننه ص ٥٥، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة بعد العصر، ح (١٨٤)، وقال: (حديث ابن عباس حديث حسن. وقد روي غير واحد عن النبي -ﷺ- أنه صلى بعد العصر ركعتين، وهذا خلاف ما روي عنه: أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس. وحديث ابن عباس أصح حيث قال: (لم يعد لهما) وقد روي عن زيد بن ثابت نحو حديث ابن عباس). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٨٧: (وروى الترمذي وابن حبان من حديث ابن عباس-فذكره ثم قال: - وقال الترمذي حديث ابن عباس أصح حيث قال: لم يعد لهما، وقد روي عن زيد بن ثابت نحوه، قلت: هو عند أحمد لكن حديث عائشة أثبت إسنادًا، ولفظها عند مسلم: ثم أثبتها). وقال الشيخ الألباني في ضعيف سنن الترمذي ص ٥٥: (ضعيف الإسناد، وقوله: (ثم لم يعدلهما) منكر).
[ ٢ / ٧٢١ ]
ويستدل منها على النسخ: بأن بعض هذه الأحاديث يدل على أن النبي -ﷺ- نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعضها يدل على أن النبي -ﷺ- صلى بعد العصر ركعتا الظهر حيث شغل عنهما، فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما، وبعضها يدل على أن النبي -ﷺ- كان يصليهما وينهى عنهما. فثبت من ذلك أن نهيه -ﷺ- عن الصلاة بعد العصر ومنها الركعتان ناسخ لجواز ذلك (^١).
واعترض عليه: بأنه إن كان المراد أن التطوع بعد العصر كان مشروعًا، ثم نهى النبي -ﷺ- عن الصلاة بعد العصر، فصار ذلك منسوخًا، فهو صحيح، لكن يحتاج ذلك أولًا إلى إثبات سبقية المشروعية.
وإن كان المراد: أن فعل النبي -ﷺ- للركعتين بعد العصر منسوخ، فهو غير صحيح؛ لقول عائشة﵂-: (والذي ذهب به ما تركهما حتى
_________________
(١) انظر: مسند أبي عوانة ١/ ٣٠٠؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٣٣٣ - ٣٣٩.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
لقي الله) (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الصلاة بعد العصر على أربعة أقوال:
القول الأول: يكره التطوع بعد العصر إلى أن تبدأ الشمس بالغروب، ولا بأس بقضاء
الفوائت وصلاة الجنازة فيه، ولا يجوز الصلاة عند غروب الشمس إلا عصر يومه.
وهو مذهب الحنفية (^٢)، ونحوه قول المالكية إلا أنهم أجازوا عند الغروب قضاء الفوائت (^٣).
القول الثاني: لا تجوز الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وكذلك عند غروبها إلا ما له سبب كقضاء الفائتة وتحية المسجد، ونحوهما فيجوز ذلك.
وهو مذهب الشافعية (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه في دليل من قال بنسخ النهي عن الصلاة بعد العصر. وانظر: بداية المجتهد ١/ ٢٠١.
(٢) انظر: الأصل ١/ ١٤٩، ١٥٠؛ شرح معاني الآثار ١/ ٣٠٦؛ مختصر القدوري ص ٣٢؛ الهداية ١/ ٢٣١، ٢٣٦؛ الاختيار ١/ ٤١؛
(٣) انظر: الإشراف لعبد الوهاب ١/ ٢٨٦، ٢٨٧؛ الكافي ص ٣٦؛ الاستذكار ١/ ١٥٢؛ بداية المجتهد ١/ ٢٠٢؛ جامع الأمهات ص ٨٣؛ مختصر خليل وشرحه مواهب الجليل ٢/ ٥٨، ٦٠.
(٤) انظر: الأم ١/ ٢٦٨؛ مختصر المزني ص ٣٣؛ الحاوي ٢/ ٢٧٤؛ العزيز ١/ ٣٩٦، ٣٩٧؛ المجموع ٤/ ٥٧.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
القول الثالث: تجوز صلاة الجنازة بعد العصر لا عند غروب الشمس، ويجوز قضاء الفائتة، وركعتي الطواف، وإعادة الجماعة بعد العصر وعند غروب الشمس، ولا يجوز التطوع بغيرها لا بعد العصر ولا عند غروب الشمس.
وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (^١).
القول الرابع: يجوز التطوع بعد العصر لا عند غروب الشمس.
ورُوي ذلك عن: علي والزبير، وابنه عبد الله، وعبد الله بن عمر، وتميم الداري (^٢)، والنعمان بن بشير، وأبي أيوب الأنصاري، وعائشة، وأم سلمة﵃-، واختاره ابن حزم (^٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو كراهة التطوع بعد العصر إلى أن تبدأ
_________________
(١) انظر: المغني ٢/ ٥١٥ - ٥٢٣، ٥٢٧؛ الشرح الكبير ٤/ ٢٤٤، ٢٤٧ - ٢٥٣؛ الممتع ١/ ٥٣٤ - ٥٣٩؛ شرح الزركشي ١/ ٣٨٢ - ٣٨٦؛ الإنصاف ٤/ ٢٤٧ - ٢٥٠، ٢٥٣ - ٢٥٦؛ زاد المستقنع ص ١٦.
(٢) هو: تميم بن أوس بن خارجة بن سود، الداري، أبو رُقيّة، كان راهب أهل فلسطين، وقدم المدينة فأسلم سنة تسع، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما، وانتقل إلى الشام بعد مقتل عثمان -﵁- ونزل بيت المقدس، وتوفي به، قيل: مات سنة أربعين. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ٥٨؛ الإصابة ١/ ٢٠٧؛ تهذيب التهذيب ١/ ٤٧٠؛ التقريب ١/ ١٤٣.
(٣) انظر: المحلى ٢/ ٢٩، ٣٣، ٣٤، ٤٠، ٤٢ - ٤٧؛ التمهيد ١/ ٣٠٥، ٣٠٨ - ٣٠٩، الاستذكار ١/ ١٥١ - ١٥٢؛ المغني ٢/ ٥٢٧.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
الشمس بالغروب، وجواز قضاء الفوائت، وصلاة الجنازة فيه، وعدم جواز الصلاة عند غروب الشمس إلا عصر يومه- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: أما كراهة الصلاة بعد العصر فللأحاديث الدالة على النهي عن الصلاة بعد العصر، كحديث ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأبي بصرة الغفاري -﵃-، وغيرهم، وقد سبق جملة من هذه الأحاديث في المسألتين السابقتين، وفي دليل من قال بنسخ جواز الصلاة بعد العصر. وقد جاء فيها النهي عن الصلاة بعد العصر، فدل ذلك على كراهة الصلاة بعد العصر (^١).
ثانيًا: أما جواز قضاء الفوائت وفعل صلاة الجنازة بعد العصر قبل بدأ الشمس في الغروب فلما يلي:
أ- حديث أنس -﵁- عن النبي -ﷺ- وفيه: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (^٢).
ب- الإجماع، فقد أجمع المسلمون على جواز صلاة الجنازة بعد العصر قبل أن تميل الشمس للغروب (^٣).
ثالثًا: أما عدم جواز الصلاة عند غروب الشمس إلا عصر يومه أو قضاء الفوائت، فلما يلي:
_________________
(١) انظر: الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ٢٣٦؛ الإشراف ١/ ٢٨٦.
(٢) سبق تخريجه في ص ٤٦٥.
(٣) انظر: المغني ٢/ ٥١٨.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
أ- أما جواز عصر يومه فلحديث أبي هريرة -﵁-، وفيه: «ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (^١).
ب- أما جواز قضاء الفوائت فلما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أنس -﵁- (^٢).
ج- أما عدم جواز صلاة غير ما ذكر عند غروب الشمس، فلأحاديث النهي، ومنها:
١ - عن عقبة بن عامر -﵁- يقول: «ثلاث ساعات كان رسول الله -ﷺ- ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف للغروب حتى تغرب» (^٣).
٢ - عن عبد الله بن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها» (^٤).
فهذه الأحاديث تدل على أنه لا يجوز الصلاة عند غروب الشمس (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٤٥٩.
(٢) انظر: الإشراف ١/ ٢٨٧.
(٣) سبق تخريجه في ص ٤٦٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١١٩، كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع، ح (٥٨٢)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٤٣٢، كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، ح (٨٢٨) (٢٩٠).
(٥) انظر: الاستذكار ١/ ١٤٦ - ١٤٧؛ الهداية ١/ ٢٣١؛ الاختيار ١/ ٤١.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو عدم جواز الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وكذلك عند غروبها إلا ما له سبب كقضاء الفائتة وتحية المسجد، ونحوهما- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأحاديث السابقة والتي فيها النهي عن الصلاة بعد العصر وعند غروب الشمس.
ثانيًا: حديث أنس -﵁- عن النبي -ﷺ- وفيه: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (^١).
ثالثًا: عن أبي قتادة السلمي -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (^٢).
رابعًا: حديث أم سلمة -﵂- عن النبي -ﷺ- وفيه: «يا ابنة أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان» (^٣).
خامسًا: عن جبير بن مطعم -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «يا بني عبد مناف لا
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٤٦٥.
(٢) سبق تخريجه في ص ٤٧٠.
(٣) سبق تخريجه في ص ٤٧٠.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار» (^١).
ووجه الاستدلال منها: أن الأحاديث التي فيها النهي عن الصلاة بعد العصر وعند غروب الشمس تدل على عدم جواز الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، لكن ليس المراد بها جميع الصلوات، بل التي لا يوجد لها سبب سابق، أما مالها سبب كالصلاة الفائتة، والركعتان لدخول المسجد وركعتا الطواف ونحوها، فالنهي في تلك الأحاديث لا يشملها؛ للأحاديث الواردة فيها، فتكون الصلاة لسبب مخصوصة من ذلك النهي، وبذلك يجمع بين هذه الأحاديث كلها (^٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو جواز صلاة الجنازة بعد العصر لا عند غروب الشمس، وجواز قضاء الفائتة، وركعتي الطواف، وإعادة الجماعة بعد العصر وعند غروب الشمس، وعدم جواز تطوع بغيرها لا بعد العصر ولا عند غروب الشمس- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: أما جواز صلاة الجنازة بعد العصر؛ فلإجماع المسلمين على ذلك، أما عدم جوازها عند غروب الشمس فلحديث عقبة بن عامر -﵁- (^٣).
ثانيًا: أما جواز قضاء الفوائت فلما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٤٧٠.
(٢) انظر: الأم ١/ ٢٦٨؛ الحاوي ٢/ ٢٧٤، ٢٧٥؛ المجموع ٤/ ٥٧.
(٣) انظر: المغني ٢/ ٥١٨.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
حديث أنس -﵁-.
ثالثًا: أما جواز ركعتي الطواف بعد العصر وعند الغروب فلحديث جبير بن مطعم -﵁-، وقد سبق ذكره كذلك.
رابعًا: أما جواز إعادة الجماعة في ذلك الوقت فلحديث أبي ذر -﵁- قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» (^١).
خامسًا: أما عدم جواز الصلوات غير ما ذكر فلأحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر وعند غروب الشمس، وقد سبق بيانها. وهي أحاديث عامة تشمل ذات السبب وغيرها.
ولأنه كما روي عن النبي -ﷺ- أنه صلى الركعتين بعد العصر فقد صح عنه كذلك أنه نهى عن الصلاة بعد العصر، وفعل النبي -ﷺ- يدل على الندب، ونهيه على التحريم، وعند التعارض يقدم التحريم على الندب؛ لأن ترك المحرم أولى من فعل المندوب (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٤٧٢.
(٢) انظر: المغني ٢/ ٥١٥ - ٥٢١، ٥٢٧، ٥٣٣ - ٥٣٥؛ الممتع ١/ ٥٣٥ - ٥٣٧؛ شرح الزركشي ١/ ٣٨١ - ٣٨٥.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع- وهو جواز صلاة التطوع بعد العصر إلى ما قبل الغروب- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأحاديث السابقة في أدلة قول من قال بنسخ النهي عن الصلاة بعد العصر؛ حيث أنها تدل على أن النبي -ﷺ- كان يصلي التطوع بعد العصر، فدل ذلك على الجواز.
ثانيًا: عن علي -﵁-: «أن النبي -ﷺ- نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة» (^١).
ثالثًا: عن زيد بن خالد الجهني -﵁-: (أن عمر رآه يصلي بعد العصر ركعتين- وعمر خليفة- فضربه بالدرة وهو يصلي كما هو، فلما انصرف قال له زيد: يا أمير المؤمنين فوالله لا أدعهما أبدًا بعد إذ رأيت رسول الله -ﷺ- يصليهما، فجلس إليه عمر، وقال: يا زيد بن خالد لو لا أني أخشى أن يتخذهما الناس سلمًا إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما) (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٩٩، كتاب الصلاة، باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة، ح (١٢٧٤)، والنسائي في سننه ص ٩٧، كتاب المواقيت، باب الرخصة في الصلاة بعد العصر، ح (٥٧٣)، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٦٤٤. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ١٩٩.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٠١، وابن حزم في المحلى-واللفظ له- ٢/ ٤١. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٢٢٦: (رواه أحمد والطبراني في الكبير، وإسناده حسن).
[ ٢ / ٧٣٠ ]
فهذه الأدلة تدل على أن الصلاة جائزة بعد العصر ما لم تصفر الشمس ولم تتضيّف للغروب (^١).
واعترض عليه: بأنه لاشك في أن النبي -ﷺ- كان يصلى ركعتين بعد العصر، لكن صح عنه -ﷺ- أنه كان ينهى عن الصلاة بعد العصر، فإما يجمع بين هذه الأحاديث، وذلك بحمل فعل النبي -ﷺ- الركعتين بعد العصر على خصوصيته كما قاله بعض أهل العلم (^٢)، وإما يرجح أحاديث النهي؛ لأن فعل النبي -ﷺ- الركعتين بعد العصر يدل على الجواز والندب، ونهيه يدل على التحريم، وإذا تعارض الندب والتحريم فيقدم التحريم (^٣).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح ما يلي:
أولًا: أن القول بنسخ النهي عن الصلاة بعد العصر وعند غروب الشمس قول ضعيف ومردود، وقد سبق ما يرد به هذا القول، ويضاف إلى ذلك أن الصحابة﵃- لم يختلفوا في النهي عن الصلاة
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣٠١؛ المحلى ٢/ ٣٨ - ٤٧؛ المغني ٢/ ٥٢٧ - ٥٢٨.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣٠٦؛ السنن الكبرى ٢/ ٦٤٣؛ العزيز ١/ ٤٠٣؛ المغني ٢/ ٥٢٩؛ المجموع ٤/ ٥٨.
(٣) انظر: المغني ٢/ ٥٣٤.
[ ٢ / ٧٣١ ]
بعد العصر، وإنما اختلفوا في جواز الركعتين بعد العصر، فمن قال بجواز ذلك رأى أن النهي مختص بوقت الغروب، وأنه يجوز قبل ذلك صلاة ركعتين لثبوت ذلك من فعل النبي -ﷺ-. فكيف يقال بنسخ ما اتفقوا عليه بما اختلفوا فيه؟. على أن صلاة التطوع عند الغروب لم يثبت عن النبي -ﷺ- أنه كان يفعله، وقد ثبت عنه النهي عن الصلاة عند غروب الشمس، لذلك ذهب بعض أهل العلم إلى تحريم التطوع عند الغروب وكراهته قبل ذلك، وأن النهي عند الغروب أشد منه قبل ذلك، لعدم وجود المعارض عند الغروب، بخلاف ما قبله (^١).
كما أن القول بنسخ الصلاة بعد العصر ضعيف؛ لأن عائشة﵂- حكت أن النبي -ﷺ- داوم على الركعتين بعد العصر حتى لقي الله تعالى، فكيف يقال بنسخ ذلك ولا يعلم تاريخ النهي، أما فعله -ﷺ- الركعتين فقد ذكرت عائشة -﵂- أنه -ﷺ- داوم عليها حتى الموت.
ثانيًا: لا يجوز لأحد أن يتحرى الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وكذلك في غيره من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ لنهي النبي -ﷺ- عن ذلك.
ثالثًا: يجوز أن يصلى بعد العصر قبل اصفرار الشمس ما يوجد له سبب؛ لأن النبي -ﷺ- لما فاتته الركعتان بعد الظهر صلاهما بعد العصر.
_________________
(١) انظر: مختصر القدوري ص ٣٢؛ الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ٢٣١ - ٢٣٨؛ المغني ٢/ ٥١٨، ٥٣٣، ٥٣٤.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
رابعًا: تكره صلاة التطوع بعد العصر إذا لم يوجد لها سبب، ويحرم عند الغروب؛ وذلك لأن النهي عن الصلاة عند الغروب أشد، ولم يوجد له ما يعارضه، بخلاف ما بعد العصر، حيث ويوجد ما يعارضه، وهو وإن كان يدل على الجواز إلا أن النهي يقدم عليه لأمرين:
الأول: لأن النهي عن الصلاة بعد العصر ثابت من قول النبي -ﷺ-، وصلاة الركعتين بعد العصر ثبت من فعله -ﷺ-، وعند التعارض يقدم قوله -ﷺ- على فعله؛ لاحتمال تخصيصه -ﷺ- بما فعله (^١).
الثاني: أن أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر عامة، وقد تعارضت مع ما يدل على الجواز والندب، فيقدم ما يدل على النهي على ما يدل على الجواز؛ لأن ترك المحظور أولى من فعل المندوب (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: البلبل في أصول الفقه ص ٢٥٣؛ البحر المحيط للزركشي ٨/ ٢٠٥؛ مذكرة أصول الفقه ص ٣٢٠.
(٢) انظر: المغني ٢/ ٥٣٤.
[ ٢ / ٧٣٣ ]