ذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث ترك الوضوء من مس الذكر منسوخ، فيجب على من مس ذكره أن يتوضأ وضوءه للصلاة (^١).
وممن صرح بالنسخ: أبو القاسم الطبراني (^٢)، وابن حبان البستي (^٣)،
_________________
(١) نقله ابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٢٦٧، والاستذكار ١/ ٢٩٠، عن ابن السكن. وأشار إليه الخطابي في معالم السنن ١/ ١٣٢، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢١٣. وانظر كذلك: التحقيق لابن الجوزي ١/ ١٥٨؛ المجموع للنووي ٢/ ٣٦؛ الشرح الكبير للمقدسي ٢/ ٢٩؛ شرح العمدة لابن تيمية ١/ ٣٠٧؛ كشاف القناع ١/ ١٥٤؛ التلخيص لابن حجر ١/ ١٢٥؛ فتاوى اللجنة الدائمة ٥/ ٢٨٦.
(٢) هو: سليمان بن أحمد بن أيوب، أبو القاسم الطبراني، الإمام الحافظ، سمع أبا عبد الرحمن النسائي، وهاشم بن مرثد الطبراني، وغيرهما، وحدث عنه أبو خليفة الجمحي، وابن عقدة، وغيرهما، ومن مؤلفاته المعاجم الثلاثة-الكبير والأوسط والصغير- وتوفي سنة ستين وثلاثمائة. انظر: تذكرة الحفاظ ٣/ ٩١٢؛ البداية والنهاية ١١/ ٢٥٣؛ شذرات الذهب ٣/ ٣٠. وانظر قوله في: المعجم الكبير ٨/ ٤٠٢.
(٣) هو: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان أبو حاتم التميمي الدارمي البستي، من شيوخه ابن خزيمة، وزكريا الساجي، وحدث عنه: ابن منده، وأبو عبد الله الحاكم، وغيرهما، وكان من الفقهاء وحفاظ الآثار، ومن مؤلفاته المسند الصحيح يعني به كتاب الأنواع والتقاسيم، وتوفي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٩٢ - ١٠٢؛ معجم البلدان ١/ ٣٢٨. وانظر قوله في: صحيح ابن حبان ص ٤٠٣.
[ ١ / ٤٤٧ ]
والبغوي (^١)، وابن حزم (^٢)، والحازمي (^٣)، وابن العربي (^٤)، وابن قدامة (^٥).
وتبين منه أن القول بالنسخ في هذه المسألة أحد أسباب الاختلاف، عند أهل العلم، ولكن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلاف ظواهر الآثار الواردة في المسألة، كما سيظهر ذلك من أدلة الأقوال. كما أن الاختلاف-عند بعض أهل العلم- في صحة الأحاديث الواردة في المسألة سبب آخر للاختلاف فيها (^٦).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن بسرة بنت صفوان (^٧) -﵂- أنها سمعت رسول
_________________
(١) انظر: المصابيح للبغوي-مع كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح- ١/ ١٨٧.
(٢) انظر: المحلى ١/ ٢٢٣.
(٣) انظر: الاعتبار للحازمي ص ١٥٤.
(٤) انظر: عارضة الأحوذي ١/ ١١٨.
(٥) هو: عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، أبو محمد، أحد الأئمة الأعلام، سمع من والده، وأبي المكرم ابن هلال، وغيرهما، ومن مؤلفاته: المغني، وتوفي يوم عيد الفطر سنة عشرين وستمائة. انظر: الذيل على طبقات الحنابلة ٢/ ١٣٣؛ شذرات الذهب ٥/ ٨٨. وانظر قوله في: المغني ١/ ٢٤٢.
(٦) انظر: بداية المجتهد ١/ ٨١.
(٧) هي: بسرة بنت صفوان بن نوفل بن أسد، القرشية الأسدية، من المهاجرات المبايعات، وروت عن النبي -ﷺ- وروى عنها: مروان بن الحكم، وعروة بن الزبير، وغيرهما. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٢٤٥؛ أسد الغابة ٦/ ٤٠؛ الكاشف ٣/ ٤٢١؛ الإصابة ٤/ ٢٤٤٣؛ التهذيب ١٢/ ٣٥٥.
[ ١ / ٤٤٨ ]
الله -ﷺ- يقول: «من مس ذكره فليتوضأ» (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٣٢، كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، ح (١٨١)، والترمذي في سننه -ولفظه: (من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ) - ص ٣٠، كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، ح (٨٢)، والنسائي في سننه ص ٣٥، كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، ح (١٦٣)، وابن ماجة في سننه ص ٩٨، كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، ح (٤٧٩)، ومالك في الموطأ ١/ ٦٢، والشافعي في الأم ١/ ٦٧، وعبد الرزاق في المصنف ١/ ١١٣، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٥٠، وأحمد في المسند ٤٥/ ٢٦٥، والدارمي في سننه ١/ ١٩٩، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٦٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٧١، وابن حبان في صحيحه ص ٤٠٠، والدارقطني في سننه ١/ ١٤٦، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٣، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٠٤. وعلل هذا الحديث بأنه: (من رواية عروة عن مروان عن بسرة، وأن رواية من رواه عن عروة عن بسرة منقطعة؛ فإن مروان حدث به عروة فاستراب عروة بذلك، فأرسل مروان حرسيه إلى بسرة فعاد إليه بأنها ذكرت ذلك، فرواية من رواه عن عروة عن بسرة منقطعة، والواسطة بينه وبينها إما مروان وهو مطعون في عدالته، أو حرسيه وهو مجهول) التلخيص الحبير ١/ ١٢٢. وانظر: شرح معاني الآثار ١/ ٧١ - ٧٣؛ نصب الراية ١/ ٥٥. وأجيب:
(٢) بأن عروة سمعه من بسرة، ففي رواية ابن حبان والحاكم والبيهقي: (قال عروة: فسألت بسرة فصدقته) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ٦٤؛ صحيح ابن حبان ص ٤٠١؛ المستدرك ١/ ٢٣١؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٠٥؛ نصب الراية ١/ ٥٥؛ التلخيص الحبير ١/ ١٢٢.
(٣) أن عروة رواه عن مروان قبل خروجه على عبد الله بن الزبير، وقد قال ابن حزم في المحلى ١/ ٢٢١: (مروان ما نعلم له جرحة قبل خروجه على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير ﵄، ولم يلقه عروة قط إلا قبل خروجه على أخيه لا بعد خروجه، هذا مما لا شك فيه).
(٤) أن مروان من رجال الكتب الستة غير مسلم، فقد أخرج له البخاري في الصحيح وأصحاب السنن الأربعة في سننهم، ونُقل عن عروة بن الزبير أنه قال: كان مروان لا يتهم في الحديث. انظر: تهذيب التهذيب ١٠/ ٨٤؛ التقريب ٢/ ١٧١. ولذلك صححه الأئمة وممن صححه: الإمام أحمد، ويحيى بن معين، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، والحازمي، والنووي، والذهبي. وقال الإمام البخاري: إنه أصح شيء في الباب. وكذلك صححه الشيخ الألباني. انظر: سنن الترمذي ص ٣١؛ سنن الدارقطني ١٦٤؛ المستدرك للحاكم ١/ ٢٣٣؛ التمهيد ٢/ ٢٦٦؛ المجموع ٢/ ٣٠، ٣٥؛ التلخيص الحبير ١/ ١٢٢؛ نيل الأوطار ١/ ١٩٧؛ إرواء الغليل ١/ ١٥٠.
[ ١ / ٤٤٩ ]
ثانيًا: عن أم حبيبة -﵂- قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» (^١).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٩٨، كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، ح (٤٨١)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٥٠، والطحاوي في شرح معاني الاثار ١/ ٧٥، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٠٧، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٠٨. وأعله البخاري ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وهشام بن عمار والطحاوي: بأن مكحولًا لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان، فهو منقطع. انظر: سنن الترمذي ص ٣١؛ شرح معاني الآثار ١/ ٧٥؛ نصب الراية ١/ ٥٧؛ التلخيص الحبير ١/ ١٢٤. وخالفهم دحيم فأثبت سماع مكحول عن عنبسة، قال ابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٢٦٧: (قد صح عند أهل العلم سماع مكحول من عنبسة ابن أبي سفيان، ذكر ذلك دحيم وغيره). وانظر: التلخيص الحبير ١/ ١٢٤. وصححه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وابن السكن-وقال: لا أعرف له علة-. وكذلك صححه الشيخ الألباني. انظر: سنن الترمذي ص ٣١؛ التمهيد ٢/ ٢٦٦، ٢٦٧؛ التلخيص الحبير ١/ ١٢٤؛ إرواء الغليل ١/ ١٥١.
[ ١ / ٤٥٠ ]
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء» (^١).
_________________
(١) أخرجه الشافعي في الأم ١/ ٦٧، -ولفظه: (إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينه شيء فليتوضأ) وأخرجه الإمام أحمد في المسند-واللفظ له- ١٤/ ١٣٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٧٤، وابن حبان في صحيحه ص ٤٠٢، والدارقطني في سننه ١/ ١٤٧، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٣٣، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٠٢، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٠٧، وابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٢٦٨. وفي طريق الإمام الشافعي، وأحمد بن حنبل، والطحاوي، والدارقطني، وابن شاهين، والبيهقي يزيد بن عبد الملك، عن سعيد بن أبي سعيد، ويزيد ضعيف. انظر: التمهيد ٢/ ٢٦٨؛ التلخيص الحبير ١/ ١٢٦. أما في طريق ابن حبان والحاكم وابن عبد البر ففيه نافع بن أبي نعيم، عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة، قال ابن حبان في صحيحه ص ٤٠٢: (احتجاجنا في هذا الخبر بنافع بن أبي نعيم دون يزيد بن عبد الملك النوفلي؛ لأن يزيد بن عبد الملك النوفلي تبرأنا من عهدته في كتاب الضعفاء). وقال ابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٢٦٨: (كان هذا الحديث لا يعرف إلا ليزيد ين عبد الملك النوفلي هذا، وهو مجتمع على ضعفه حتى رواه عبد الرحمن بن القاسم -صاحب مالك-عن نافع بن أبي نعيم القارئ، وهو إسناد صالح إن شاء ا لله). وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن عبد البر، والذهبي. وقال ابن السكن: هو أجود ما روي في هذا الباب. انظر: المستدرك ١/ ٢٣٣؛ التمهيد ٢/ ٢٦٨؛ التلخيص الحبير ١/ ١٢٦؛ نيل الأوطار ١/ ١٩٩. ونافع بن أبي نعيم هو أبو رويم أحد القراء السبعة، ومقرئ أهل المدينة، قال أحمد: (كان يؤخذ عنه القرآن وليس بشيء في الحديث). ووثقه ابن معين، وقال ابن المديني: لا بأس به. وقال السنائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: ولم أر في أحاديثه شيئا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به. انظر: ميزان الإعتدال ٤/ ٢٤٢.
[ ١ / ٤٥١ ]
رابعًا: عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا مس أحدكم ذكره فعليه الوضوء» (^١).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٩٨، كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، ح (٤٨٠)، والشافعي في الأم ١/ ٦٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٧٤، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٩٧، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢١٢، وابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٢٦٧. وأعل الحديث:
(٢) بالإنقطاع، فقد اختلف في انقطاعه ووصله، فرواه عبد الله بن نافع موصولًا، فذكره عن جابر عن النبي -ﷺ-. أما غيره فرووه منقطعًا موقوفًا على محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، ولا يذكرون فيه جابرًا. قال الشافعي في الأم ١/ ٦٧ - ٦٨: (وسمعت غير واحد من الحفاظ يرويه ولا يذكر فيه جابرًا). وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٧٤: (هذا الحديث كل من رواه عن ابن أبي ذئب من الحفاظ يقطعه، ويوقفه على محمد بن عبد الرحمن -ثم ذكره موقوفًا على محمد بن عبد الرحمن ثم قال: - فهؤلاء يوقفون هذا الحديث على محمد بن عبد الرحمن، ويخالفون فيه ابن نافع، وهو عندكم حجة عليه، وليس هو بحجة عليهم، فكيف تحتجون بحديث منقطع في هذا وأنتم لا تثبتون المنقطع؟). لكن قد يقال: بأن معن بن عيسى تابع عبد الله بن نافع في ذكر جابر. قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ٧/ ٢١٢: (وتابع عبد الله بن نافع على ذكر جابر فيه معن بن عيسى).
(٣) كما أعل الحديث بعقبة بن عبد الرحمن الحجازي، فقد قال ابن المديني: شيخ مجهول. وقال ابن عبد البر: ليس بمشهور بحمل العلم. وقال الذهبي: لا يعرف. وقال ابن حجر: مجهول. إلا أن ابن حبان ذكره في الثقات. انظر: التمهيد ٢/ ٢٦٧؛ ميزان الإعتدال ٣/ ٨٦؛ زوائد ابن ماجة ص ٩٩؛ تهذيب التهذيب ٧/ ٢١٢؛ التقريب ص ٦٨١. والحديث هذا قال عنه يحيى بن معين، والبخاري: لا يصح. انظر: التمهيد ٢/ ٢٦٦؛ ميزان الإعتدال ٣/ ٨٦؛ تهذيب التهذيب ٧/ ٢١٢. وقال البوصيري في زوائد ابن ماجة ص ٩٩: (هذا إسناد ضعيف). وقال ابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٢٦٧: (وهذا إسناد صالح). وقال الضياء المقدسي: لا أعلم بإسناده بأسًا. انظر التلخيص الحبير ١/ ١٢٤. وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ص ٩٨: (صحيح بما قبله) يعني حديث بسرة.
[ ١ / ٤٥٢ ]
خامسًا: عن عبد الله بن عمرو -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من
[ ١ / ٤٥٣ ]
مس ذكره فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» (^١).
سادسًا: عن طلق بن علي (^٢) -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «من مس ذكره فليتوضأ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ١١/ ٦٤٨، وابن الجارود في المنتقى ص ٢١، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٧٥، والدارقطني في سننه ١/ ١٤٧، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٠٠، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢١٠، والحازمي في الاعتبار ص ١٤٥. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٥٠: (رواه أحمد وفيه بقية بن الوليد وقد عنعنه وهو مدلس). لكن الحديث من غير طريق الإمام أحمد والطحاوي صرح فيه بقية بن الوليد بالتحديث، فلا يرد إشكال التدليس عليه. وقد صححه البخاري، والحازمي، والشيخ الألباني. انظر: الاعتبار ص ١٤٥، ١٤٩؛ التلخيص الحبير ١/ ١٢٤؛ إرواء الغليل ١/ ١٥٢.
(٢) هو: طلق بن علي بن عمرو، ويقال: ابن علي بن المنذر، الحنفي السحيمي، له صحبة ووفادة ورواية، وشارك مع النبي -ﷺ- في بناء مسجده، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابنه قيس، وابنته خلدة، وغيرهما. انظر: الكاشف ٢/ ٤١؛ الإصابة ٢/ ٩٥٤.
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٨/ ٤٠٢، والحازمي في الاعتبار ص ١٥٤. وصححه الطبراني، وذكره الهيثمي في المجمع ١/ ٢٥٠، ولم يتكلم فيه بشيء. وقال ابن عبد الهادي في المحرر ص ٩٩: (وإسناده لا يثبت). وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٦٢: (سنده ضعيف، فإن حماد بن محمد وشيخه أيوب ضعيفان). وفي سنده أيوب بن عتبة وقد ضعفه كل من: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والجوزجاني، وابن عمار، وعمرو بن علي، ومسلم، والنسائي، ويعقوب بن سفيان، وابن عبد البر، وابن حجر. وقال البخاري وابن خراش: ضعيف جدًا. وقال الذهبي: ضعفوه لكثرة مناكيره. وعن أحمد في رواية: ثقة إلا أنه لا يقيم حديث يحيى بن أبي كثير. وقال أبو حاتم: أما كتبه فصحيحة ولكن يحدث من حفظه فيغلط. انظر: التمهيد ٢/ ٢٧؛ ميزان الإعتدال ١/ ٢٩٠؛ المغني في الضعفاء ١/ ١٤٨؛ تهذيب التهذيب ١/ ٣٧١؛ التقريب ١/ ١١٨. وفي سنده كذلك حماد بن محمد وهو كذلك ضعيف. انظر: ميزان الإعتدال ١/ ٥٩٩؛ المغني في الضعفاء ١/ ٢٨٨.
[ ١ / ٤٥٤ ]
سابعًا: عن طلق -﵁- قال: قدمنا على نبي الله -ﷺ- فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ فقال: «هل هو إلا مُضغَة (^١) منه» أو قال: «بَضعَة (^٢) منه» (^٣).
_________________
(١) المضغة القطعة من اللحم. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٦٦٤؛ مختار الصحاح ص ٥٥١.
(٢) البضعة بفتح الباء-وقد تكسر- القطعة من اللحم. انظر: النهاية ١/ ١٣٩؛ المصباح المنير ص ٥٠.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ٣٢، كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك، ح (١٨٢)، والترمذي في سننه ص ٣١، كتاب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر، ح (٨٥)، والنسائي في سننه ص ٣٥، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من ذلك، ح (١٦٥)، وابن ماجة في سننه-ولفظه: فقال: (ليس فيه وضوء إنما هو منك) ص ٩٩، كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك، ح (٤٨٣)، ومحمد في الموطأ ص ٣٥، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٥٢، وأحمد في المسند ٢٦/ ٢١٤، ٢٢٠، وابن الجارود في المنتقى ص ٢٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٧٦، وابن حبان في صحيحه ص ٤٠٢، والطبراني في الكبير ٨/ ٤٠١، والدارقطني في سننه ١/ ١٤٩، والبيهقي قي السنن الكبرى ١/ ٢١٢. وفي سنده قيس بن طلق بن علي، وقد ضعفه أحمد بن حنبل في رواية عنه، ويحيى بن معين في رواية عنه. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: ليس ممن تقوم به حجة. وقال الشافعي: قد سألنا عن قيس بن طلق فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره. وقال ابن معين في رواية: ثقة. وكذلك وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أحمد في رواية: ما أعلم به بأسًا. وفي رواية ثالثة: غيره أحسن منه. وقال ابن قطان: يقتضي أن يكون خبره حسنًا لا صحيحًا. وقال ابن حجر: صدوق. وقال الشيخ الألباني: وقد تكلم بعضهم في قيس بن طلق بغير حجة نعلمها، وقد وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان، وحسن له الترمذي وصحح له الحاكم. انظر: سؤالات أبي داود للإمام أحمد في جرح الرواة وتعديلهم ص ٣٥٥؛ ميزان الاعتدال ٣/ ٣٩٧؛ المغني في الضعفاء ٢/ ٢٢٢؛ تهذيب التهذيب ٨/ ٣٤٥؛ التقريب ٢/ ٣٤؛ صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٣٣. وحديث طلق -﵁- هذا ضعفه الشافعي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، والبيهقي، وابن الجوزي. وصححه عمرو بن علي الفلاس وقال: (هو عندنا أثبت من حديث بسرة). وقال ابن المديني: (هو عندنا أحسن من حديث بسرة) وكذلك صححه الطحاوي وقال: (صحيح مستقيم الإسناد غير مضطرب) وصححه أيضا ابن حبان والطبراني، وابن حزم. وقال الترمذي: (وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب). وقال ابن حجر: (صحيح أو حسن). وقال الشيخ الألباني: (إسناده صحيح) وكذلك قال: (سنده صحيح رجاله كلهم ثقات). انظر: سنن الترمذي ص ٣١؛ شرح معاني الآثار ١/ ٧٦؛ المعجم الكبير ٨/ ٤٠٢؛ التحقيق لابن الجوزي ١/ ١٥٧؛ المحرر لابن عبد الهادي ص ٩٩؛ فتح الباري ١/ ٢٣١؛ التلخيص الحبير ١/ ١٢٥؛ صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٣٣.
[ ١ / ٤٥٥ ]
ويستدل منها على نسخ ترك الوضوء من مس الذكر على الوجوه الآتية:
أولًا: لأن من بين هذه الأدلة في إيجاب الوضوء من مس الذكر رواية بسرة بنت صفوان -﵂- وقد أسلمت عام الفتح، ومنها رواية أبي هريرة -﵁- وهو قد أسلم سنة سبع من الهجرة، فدل ذلك على أن خبر بسرة وأبي هريرة -﵄- متأخر على خبر ترك الوضوء من مس الذكر؛ لأنه من رواية طلق بن علي -﵁- وهو قد سمع هذا الخبر من رسول الله -ﷺ- حينما قدم وفدًا على رسول الله -ﷺ-، وهو يبني المسجد، وبناء المسجد كان أول سنة من سني الهجرة، فدل ذلك على أن خبر بسرة وأبي هريرة -﵄- كان بعد خبر طلق بسنين، وإنما يؤخذ بآخر الأمرين (^١).
قال ابن حبان: (إن طلق بن علي رجع إلى بلده بعد ما وفد على رسول الله -ﷺ- في أول سنة من سني الهجرة- إلى أن قال: - ولا يعلم رجوعه إلى
_________________
(١) انظر: صحيح ابن حبان ص ٤٠٣؛ معالم السنن للخطابي ١/ ١٣٣؛ مصابيح السنة -مع مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح- ١/ ٢٧٨؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢١٣؛ التمهيد ٢/ ٢٦٧؛ الاستذكار ١/ ٢٩٠؛ الاعتبار ص ١٥٣، ١٥٤؛ عارضة الأحوذي لابن العربي ١/ ١١٨؛ المغني ١/ ٢٤٢؛ الشرح الكبيرللمقدسي ٢/ ٢٩؛ شرح العمدة لابن تيمية ١/ ٣٠٨؛ كشاف القناع ١/ ١٥٤.
[ ١ / ٤٥٧ ]
المدينة بعد ذلك، فمن ادعى
رجوعه بعد ذلك فعليه أن يأتي بسنة مصرحة ولا سبيل له إلى ذلك) (^١).
ويعترض عليه بما يلي:
أولًا: إن القول بأن بسرة -﵂- أسلمت عام الفتح فيدل ذلك على تأخر خبرها، ففيه نظر؛ لأن غير واحد من أهل العلم قد صرح بأن بسرة من المهاجرات، حتى قال الإمام الشافعي: لها سابقة وهجرة قديمة (^٢).
ومعلوم أنه لا هجرة بعد الفتح.
ثانيًا: ويعترض على القول بأن من الذين رووا الوضوء من مس الذكر أبو هريرة -﵁- وقد أسلم سنة سبع، وقدوم طلق كان في السنة الأولى حين كان النبي -ﷺ- والمسلمون يبنون المسجد، وأنه لا يوجد دليل على أنه رجع بعد ذلك إلى المدينة، يعترض عليه بما يلي:
أولًا- أنه قد ذكر غير واحد من أهل العلم أن المسجد النبوي بُني في عهد الرسول -ﷺ- غير مرة، وأن البناء الثاني كان بعد فتح خيبر (^٣).
_________________
(١) صحيح ابن حبان ص ٤٠٣.
(٢) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٢٤٥؛ الاعتبار ص ١٥٠؛ أسد الغابة ٦/ ٤٠؛ الإصابة ٤/ ٢٤٤٣؛ تهذيب التهذيب ١٢/ ٣٥٥.
(٣) انظر: وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى للسمهودي ١/ ٢٣٢، ٣٣٨؛ عمارة المسجد النبوي منذ إنشائه حتى نهاية العصر المملوكي، للدكتور محمد هزاع الشهري، ص ٥١؛ تاريخ معالم المدينة المنورة قديمًا وحديثًا، للسيد أحمد ياسين ص ٥٦؛ الدر الثمين في معالم دار الرسول الأمين، لغالي محمد الأمين الشنقيطي ص ٢٧.
[ ١ / ٤٥٨ ]
ولذلك روي عن أبي هريرة -﵁- أنه شارك في بناء المسجد النبوي، فعن أبي هريرة -﵁- أنهم كانوا يحملون اللبن إلى بناء المسجد ورسول الله -ﷺ- معهم، قال: فاستقبلت رسول الله -ﷺ- وهو عارض لبنة على بطنه، فظننت أنها قد شقت عليه، فقلت: ناولنيها يا رسول الله، فقال: (خذ غيرها يا أبا هريرة، فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة) (^١).
كما روي أن عبد الله بن عمرو، وأبوه (^٢) -﵄- شاركا في بناء المسجد.
فعن عبد الله بن عمرو -﵁- أنه قال لأبيه: وقد قتلنا هذا الرجل، وقد قال
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ١٤/ ٥١٢، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١٢: (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح). وفي سنده المطلب بن عبد الله بن حنطب راويه عن أبي هريرة -﵁- قال البخاري في التاريخ الصغير ص ١٧: (لا يعرف للمطلب سماع من أبي هريرة) ويدل كلام ابن أبي حاتم أن روايته عن أبي هريرة مرسلة. انظر: تهذيب الكمال ٢٨/ ٨٣. وقال السمهودي في وفاء الوفاء ١/ ٣٣٨، بعد ذكر هذا الحديث: (قلت: وهذا في البناء الثاني؛ لأن أبا هريرة لم يحضر البناء الأول؛ لأن قدومه عام فتح خيبر).
(٢) هو: عمرو بن العاص بن الوائل، القرشي السهمي، أبو عبد الله، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابنه عبد الله، وعروة بن الزبير، وغيرهما، وولاه النبي -ﷺ- على جيش ذات السلاسل، وولي إمرة مصر لمعاوية، وتوفي سنة ثلاث وأربعين، -وقيل غير ذلك-. انظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٤٧؛ شذرات الذهب ١/ ٥٣.
[ ١ / ٤٥٩ ]
رسول الله -ﷺ- فيه ما قال. قال: أي الرجل؟ قال: عمار بن ياسر، أما تذكر يوم بنى رسو الله -ﷺ- المسجد فكنا نحمل لبنة لبنة، وعمار كان يحمل لبنتين لبنتين فمرّ على رسول الله فقال: «تحمل لبنتين لبنتين وأنت ترحض (^١) الحديث (^٢).
فعمرو بن العاص -﵁- شارك في بناء المسجد النبوي، وهو أسلم بعد فتح خيبر على ما قاله غير واحد من أهل العلم، وقيل: أسلم سنة خمس (^٣).
وليس في حديث طلق -﵁- أن حضوره كان في السنة الأولى من الهجرة، بل فيه ذكر حضوره بناء المسجد، فيحتمل أن يكون حضر البناء الأول، ويحتمل أن يكون حضر البناء الثاني.
_________________
(١) الرحض: العرق الذي يغسل الجلد لكثرته. النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٦٤٤؛ مجمع بحار الأنوار ٢/ ٣٠٦.
(٢) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٢/ ٥٥٢. وحديث حمل عمار بن ياسر لبنتين لبنتين في بناء المسجد رواه البخاري في صحيه ص ٩٦، كتاب الصلاة، باب التعاون في بناء المسجد، ح (٤٤٧). قال السمهودي في وفاء الوفاء ١/ ٢٣٢ بعد ذكر هذا الحديث: (قلت: وهو يقتضي أن هذا القول لعمار كان في البناء الثاني للمسجد؛ لأن إسلام عمرو كان في الخامسة).
(٣) انظر: الإصابة ٢/ ١٣٤١؛ تهذيب التهذيب ٨/ ٤٧؛ التقريب ١/ ٧٣٨؛ شذرات الذهب ١/ ٥٣. وذكر السمهودي في وفاء الوفاء ١/ ٢٣٢: أن عمرو بن العاص -﵁- أسلم في الخامسة.
[ ١ / ٤٦٠ ]
ثانيًا- أنه قد روي عن طلق -﵁- أحاديث تدل على أنه كان في المدينة في غير العام الأول من الهجرة، ومن ذلك:
١ - عن طلق بن علي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فإن أغمي عليكم فأتموا العدة» (^١).
وصوم رمضان فرض في السنة الثانية إجماعًا (^٢).
٢ - عن طلق بن علي -﵁- قال: جلسنا عند النبي -ﷺ- فجاء وفد عبد القيس فقال: «ما لكم قد اصفرت ألوانكم وعظمت بطونكم وظهرت عروقكم؟» قال: قالوا: أتاك سيدنا فسألك عن شراب كان لنا موافقًا فنهيته
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٢٦/ ٢١٨، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٣٨، والطبراني في الكبير ٨/ ٣٩٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٥٠. وفي سنده محمد بن جابر السحيمي، ضعفه ابن معين، والنسائي، ويعقوب بن سفيان، والعجلي. وقال البخاري: ليس بالقوي. وقال هو وكذلك الإمام أحمد: له مناكير. وقال الذهلي: لا بأس به. وقال عمرو بن علي: صدوق كثير الوهم متروك الحديث. وقال أبو حاتم: ساء حفظه في الآخرة وذهبت كتبه. وقال ابن حجر: صدوق ذهبت كتبه فساء حفظه، وخلط كثيرًا، وعمي فصار يلقن، ورجحه أبو حاتم على ابن لهيعة. انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٤٩٦؛ المغني في الضعفاء ٢/ ٢٧٤؛ تهذيب التهذيب ٩/ ٧٥؛ التقريب ٢/ ٦١. لكن الحديث له شاهد صحيح من حديث ابن عمر وأبي هريرة -﵃-. انظر: صحيح البخاري ص ٣٧٦، ٣٧٧، ح (١٩٠٦) و(١٩٠٩).
(٢) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ١/ ٢٤٢؛ المجموع ٦/ ١٦٣؛ فتح الباري ٤/ ٢٩٠؛ الإنصاف ٧/ ٣٢٣؛ الدر المختار ٣/ ٢٩٦.
[ ١ / ٤٦١ ]
عنه، وكنا بأرض مُحِمَّة، قال: «فاشربوا ما طاب لكم» (^١).
٣ - عن طلق -﵁- قال: كنا جلوسًا عند نبي الله -ﷺ- فجاء صحار عبد القيس (^٢) فقال: يا رسول الله ما ترى في شراب نصنعه من ثمارنا؟ قال: فأعرض عنه النبي -ﷺ- حتى سأله ثلاث مرات، ثم قام بنا النبي -ﷺ- فصلى، فلما قضى الصلاة قال: «من السائل عن المسكر؟ يا أيها السائل عن المسكر لا تشربه ولا تسقه أحدًا من المسلمين، فوالذي نفس محمد بيده ما شربه قط رجل ابتغاء لذة سكره يسقيه الله خمرًا يوم القيامة» (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٥/ ٨٢، والطبراني في المعجم الكبير ٨/ ٤٠٣. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٦٨: (رواه الطبراني وفيه عجيبة بن عبد الحميد، قال الذهبي: لا يكاد يعرف، وبقية رجاله ثقات). وكلام الذهبي هذا ذكره في الميزان ٣/ ٦١، وفي المغني في الضعفاء ٢/ ٥٣. لكن قال يحيى بن معين فيه: (ثقة). كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٧/ ٤٢. وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: الثقات لابن حبان ٧/ ٣٠٧.
(٢) هو: صحار بن العباس، - ويقال: ابن عياش- بن شراحيل بن منقذ بن حارثة، ابن عبد القيس العبدي الديلي، أبو عبد الرحمن، صحابي، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابناه: عبد الرحمن، وجعفر، وغيرهما، وسكن البصرة ومات بها. انظر: أسد الغابة ٢/ ٣٩١؛ تجريد أسماء الصحابة ١/ ٢٦٣؛ الإصابة ٢/ ٨٨٧.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٥/ ٦٦، والطبراني في الكبير ٨/ ٤٠٤، وقال ابن حجر في الإصابة ٢/ ٨٨٩: (أخرج أحمد في كتاب الأشربة الذي وقع لنا من طريق أبي القاسم البغوي عنه قال: حدثنا عبد الصمد حدثنا ملازم بن عمرو السحيمي حدثنا سراج بن عقبة عن عمته خلدة بنت طلق قالت: حدثني أبي طلق أنه كان عند رسول الله جالسًا فجاء صحار عبد القيس فقال: يا رسول الله ما ترى في شراب نصنعه بأرضنا من ثمارنا …) الحديث. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٧٣: (رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات).
[ ١ / ٤٦٢ ]
وهذان الحديثان يدلان على أن طلق -﵁- كان عند رسول الله -ﷺ- حين قدوم وفد عبد القيس، ووفد عبد القيس قدم على رسول الله -ﷺ- عام الفتح قبل خروج النبي -ﷺ- إلى مكة (^١).
وقيل: كان قدوم وفد عبد القيس سنة تسع (^٢).
وذكر ابن حجر أنه كان لهم وفادتان: إحداهما قبل الفتح، وثانيتهما كانت في سنة الوفود (^٣).
ثالثًا: أن طلق بن علي -﵁- كان في وفد بني حنيفة، والمعروف أن وفد
_________________
(١) انظر: الطبقات الكبرى ١/ ٣١٤؛ شرح النووي لصحيح مسلم ١/ ١٥٢؛ الإصابة ٢/ ٨٨٨، وقد ذكر ابن حجر في ترجمة صحار بن العباس -وهو صحار عبد القيس- أن ابن شاهين روى من طريق حسين بن محمد … عن صحار بن العباس ومزيدة بن مالك في نفر من عبد القيس قالوا: كان الأشج أشج عبد القيس … إلى أن قال: - ثم خرج في ستة عشر رجلًا من أهل هجر … -وذكر منهم صحار بن العباس- فقدموا المدينة … وكان قدومهم عام الفتح، وشخص النبي -ﷺ- إلى مكة ففتحها ..).
(٢) قال ابن هشام في السيرة النبوية ٢/ ٥٥٩: (ذكر سنة تسع وتسميتها سنة الوفود. ثم قال في ص ٥٧٥: (قدوم الجارود في وفد عبد القيس: قال ابن إسحاق وفد على رسول الله -ﷺ- الجارود بن عمرو بن حنش، أخو عبد القيس …) وانظر كذلك: تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون ص ٢٣٧، ٢٤٣.
(٣) انظر: فتح الباري ٧/ ٧٣٨، والرحيق المختوم للمباركفوري ص ٤٤٥.
[ ١ / ٤٦٣ ]
بني حنيفة قدم على رسول الله -ﷺ- سنة تسع (^١).
رابعًا: إن الأحاديث المروية عن طلق -﵁- في أحدهما أنه حضر بناء المسجد النبوي، وفي الحديث الثاني عنه روايته مرفوعًا في مس الذكر (هل هو إلا بضعة منك) وهما حديثان مستقلان، فيحتمل أن يكون سمع هذا الحديث (هل هو إلا بضعة منك) حين بناء المسجد النبوي، ويحتمل أن يكون سمعه من النبي -ﷺ- في غير ذاك الوقت، وليس هناك حديثًا يدل على أنه سمعه من النبي -ﷺ- عند بناء المسجد إلا حديثًا رواه البيهقي، ولفظه: (عن طلق -﵁- قال: قدمت على النبي -ﷺ- وهو يبني المسجد، فقال: (اخلط الطين فإنك أعلم بخلطه) فسألته أو سأله رجل فقال: أرأيت الرجل يتوضأ ثم يمس ذكره، فقال: (إنما هو منك) (^٢).
لكن هذا الحديث ضعيف؛ لضعف أحد رواته (^٣). ثم يظهر بالمقارنة بين الروايات أن هذا الحديث حديث مدرج (^٤) من بعض الرواة؛ حيث جعل
_________________
(١) انظر: السيرة لابن هشام ٢/ ٥٧٦؛ الطبقات الكبرى لابن سعد ١/ ٣١٦؛ فتح الباري ٧/ ٧٤٠؛ تهذيب سيرة ابن هشام ص ٢٤٤.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢١٣.
(٣) وهو محمد بن جابر، وقد سبق كلام أهل العلم فيه في حديث: (إذا رأيتم الهلال فصوموا). وانظر كذلك الجوهر النقي لابن التركماني ١/ ٢١٣.
(٤) الحديث المدرج في الاصطلاح: ما غير سياق إسناده أو أدخل في متنه ما ليس منه بلا فصل. تيسير مصطلح الحديث ص ١٠٢. والمراد به هنا مدرج المتن، وهو: ما أدخل في متنه ما ليس منه بلا فصل. تيسير مصطلح الحديث ص ١٠٣. وانظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٢٦؛ وتقريب النواوي مع تدريب الراوي ١/ ٢٧١؛ تنقيح الأنظار لمحمد بن إبراهيم الوزير ص ١٧٠.
[ ١ / ٤٦٤ ]
الحديثين حديثًا واحدًا (^١).
فثبت مما تقدم:
١ - أن طلق بن علي -﵁- قدم المدينة غير مرة.
٢ - أن طلق بن علي -﵁- شارك في بناء المسجد النبوي، لكن لا يوجد ما يصرح بأن ذلك كان في البناء الأول.
٣ - لا يثبت ما يدل على أن سماعه لحديث: (هل هو إلا بضعة منك) كان عند مشاركته
في بناء المسجد النبوي، بل حديث: (هل هو إلا بضعة منك) حديث مستقل، وحديث مشاركته في بناء المسجد حديث مستقل، وليس هما حديثًا واحدًا (^٢).
خامسًا: أن أهل العلم ذكروا أن التاريخ لا يُعلم بتقدم إسلام الرواي، وتقدم أخذه، وأن ذلك لا يكون دليلًا على النسخ (^٣).
ثانيًا: - من وجوه الاستدلال على النسخ- إن حديث إيجاب الوضوء
_________________
(١) انظر للمقارنة بين الروايتين-الرواية في بناء المسجد، والرواية في عدم الوضوء من مس الذكر- حتى يظهر أن رواية البيهقي مدرجة، ما يلي: سنن أبي داود ص ٣٢، وسنن الترمذي ص ٣١، وسنن النسائي ص ٣٥، وسنن ابن ماجة ص ٩٩، وصحيح ابن حبان ص ٤٠٢، ٤٠٣، والمعجم الكبير للطبراني ٨/ ٣٩٦ - ٤٠٢، وسنن الدارقطني ١/ ١٤٩.
(٢) يظهر ذلك بالرجوع إلى تخريج الحديثنين.
(٣) انظر: نيل الأوطار ١/ ١٩٨؛ الشرح الممتع ١/ ٢٣٤.
[ ١ / ٤٦٥ ]
من مس الذكر ناسخ لحديث سقوط الوضوء منه؛ لأن إيجاب الوضوء منه إنما هو مأخوذ من جهة الشرع لا مدخل فيه للعقل؛ لاجتماعه مع سائر الأعضاء، فمحال أن يقال: إنما هو بضعة منك والشرع قد ورد بإيجاب الوضوء منه، وجائز أن يجب منه الوضوء بعد ذلك القول شرعًا حادثًا؛ لأنه يحدث من أمره لعباده ما يشاء (^١).
ويعترض عليه بما يلي:
١ - بأنه لا يمكن كذلك القول بنسخ حديث طلق (هل هو إلا بضعة منك)؛ لأنه معلول بعلة لا يمكن أن تزول، وإذا ربط الحكم بعلة لا يمكن أن تزول فإن الحكم لا يمكن أن يزول؛ لأن الحكم يدور مع علته، والعلة هي كون ذكر الإنسان بضعة منه (^٢).
٢ - بأنه كان من المحال أن يقال: (إنما هو بضعة منك) والشرع كان ورد بإيجاب الوضوء منه، لكن لو حمل الوضوء الوارد منه في الشرع على الندب والاستحباب فليس بمحال أن يقال بعد ذلك: (إنما هو بضعة منك)؛ وذلك لذكر بيان الجواز، وأن الأمر الأول كان للندب والاستحباب لا الوجوب.
٣ - أن للمخالف أن يعكس فيقول: قول الصحابي في حديث طلق: (ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ) يشعر بأنه كان بلغه أن النبي -ﷺ-
_________________
(١) انظر: التمهيد ٢/ ٢٧٠؛ الاستذكار ١/ ٢٩٥؛ المحلى ١/ ٢٢٣.
(٢) انظر: الشرح الممتع ١/ ٢٣٣.
[ ١ / ٤٦٦ ]
شرع فيه الوضوء، فأراد أن يستيقن ذلك، وإلا فالعقل لا يهتدي إلى أن مس الذكر يناسب نقض الوضوء، فعلى ذلك
يكون حديث طلق في عدم الوضوء من مس الذكر آخر الأمرين (^١).
ثالثًا: - من وجوه النسخ- ولأن طلق بن علي -﵁- روي عنه حديث الوضوء من مس الذكر، وكذلك روي عنه حديث ترك الوضوء من مس الذكر، فيشبه أن يكون سمع أولًا حديث ترك الوضوء من مس الذكر، ثم سمع حديث الوضوء منه، فوافق حديث بسرة وأبي هريرة وغيرهما﵃- ممن روى عن النبي -ﷺ- الأمر بالوضوء من مس الذكر، فيكون قد سمع الناسخ والمنسوخ (^٢).
ويعترض عليه بما يلي:
١ - بأن حديث الوضوء من مس الذكر من رواية طلق بن علي -﵁- ضعيف فلا يصح منه الاستدلال على النسخ (^٣).
٢ - بأن للمخالف أن يعكس فيقول: حديث طلق -﵁- في عدم الوضوء من مس الذكر هو المتأخر؛ لأن قول الرجل: (ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ) فيه دلالة على أنه كان قد بلغه أن النبي -ﷺ- شرع فيه الوضوء، فأراد أن يستيقن ذلك، وإلا فالمستقر عندهم أن الأحداث إنما كانت من الخارج النجس؛ لأن العقل لا يهتدي إلى أن مس الذكر يناسب نقض الوضوء، فعلى هذا يكون حديث طلق -﵁- في عدم نقض الوضوء من مس
_________________
(١) انظر: اللباب في الجمع بين السنة والكتاب للمنبجي ١/ ١٢٣.
(٢) انظر: المعجم الكبير للطبراني ٨/ ٤٠٢؛ الاعتبار ص ١٥٤.
(٣) انظر الكلام عليه في ص ٣٠٠.
[ ١ / ٤٦٧ ]
الذكر هو آخر الأمرين (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الوضوء من مس الذكر على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا ينقض الوضوء بمس الذكر، ولا يجب الوضوء منه.
وهو مذهب الحنفية (^٢). وروي ذلك عن أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، و
عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن حصين، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل (^٣)، وأنس بن مالك -﵃-.
وهو رواية عن سعد بن أبي وقاص (^٤)، وأبي هريرة، وابن عباس -ضي الله عنهم- (^٥).
_________________
(١) انظر: اللباب للمنبجي ١/ ١٢٣.
(٢) انظر: الأصل ١/ ٤٦؛ موطأ محمد ص ٣٥؛ المبسوط ١/ ٧١؛ بدائع الصنائع ١/ ١٣٢؛ فتح القدير ١/ ٥٤؛ الدر المختار ١/ ٢٤٩؛ حاشية ابن عابدين ١/ ٢٥٠.
(٣) هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن المدني، كان من نجباء الصحابة، وشهد العقبة، وبدرًا والمشاهد، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما، وتوفي بالطاعون سنة ثماني عشرة، وقيل سنة سبع عشرة. انظر: الكاشف ٣/ ١٣٥؛ التهذيب ١٠/ ١٧٠.
(٤) هو: سعد بن مالك بن أهيب بن عبد مناف القرشي الزهري أبو إسحاق، ابن أبي وقاص، أسلم قديمًا، وهو أحد العشرة المبشرون بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما، وتوفي سنة خمس وخمسين، وقيل غير ذلك. انظر: الكاشف ١/ ٣٨٠؛ الإصابة ١/ ٧١٢؛ التهذيب ٣/ ٤٢٢.
(٥) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١١٧ - ١٢٠؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٥١ - ١٥٢؛ الأوسط ١/ ١٩٨ - ٢٠٠؛ شرح معاني الآثار ١/ ٧٨؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٢١٥ - ٢١٧؛ التمهيد ٢/ ٢٧٢؛ الاستذكار ١/ ٢٩٤؛ الاعتبار ص ١٤٢؛ المجموع ٢/ ٣٥؛ المغني ١/ ٢٤١.
[ ١ / ٤٦٨ ]
وهو قول سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وسفيان الثوري، والحسن بن حي، وعبيد الله بن الحسن، وابن المنذر.
وهو رواية عن سعيد بن المسيب، والحسن وعكرمة، وابن معين (^١)، والشعبي (^٢).
القول الثاني: أنه يجب الوضوء من مس الذكر، وأنه ينقض الوضوء به.
وهو مذهب المالكية (^٣)، والشافعية (^٤)،
والحنابلة (^٥).
_________________
(١) هو: يحيى بن معين بن عون بن زياد، أبو زكريا، المري البغدادي الغطفاني مولاهم، الحافظ، إمام المحدثين، وإمام الجرح والتعديل، روى عن: هشيم، وابن المبارك، وغيرهما، وروى عنه: البخاري، ومسلم، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. انظر: الكاشف ٣/ ٢٣٥؛ التهذيب ١١/ ٢٤٥.
(٢) انظر: الموطأ لمحمد ص ٣٦ - ٣٨؛ مصنف عبد الرزاق ١/ ١٢٠؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٥٢؛ الأوسط ١/ ٢٠٢ - ٢٠٤؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٢١٦ - ٢١٧؛ الاستذكار ١/ ٢٩٤؛ الاعتبار ص ١٤٢؛ المجموع ٢/ ٣٥.
(٣) انظر: الأوسط ١/ ١٩٦؛ المعونة ١/ ٤٧؛ الاستذكار ١/ ٢٩٣؛ بداية المجتهد ١/ ٨٠؛ عقد الجواهر ١/ ٤٦؛ جامع الأمهات ص ٥٧؛ مختصر خليل مع شرحه مواهب الجليل ١/ ٤٣٤؛ التاج والإكليل ١/ ٤٣٣.
(٤) انظر: الأم ١/ ٦٨؛ مختصر المزني ص ١٠؛ العزيز ١/ ١٦٢؛ روضة الطالبين ص ٣٤؛ المجموع ٢/ ٣١، ٣٥؛ المنهاج مع شرحه مغني المحتاج ١/ ٣٥.
(٥) انظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق ٢/ ٢٩٧، ٨١٧؛ المغني ١/ ٢٤٠؛ الكافي ١/ ٩٥؛ الممتع ١/ ٢٠٨؛ الشرح الكبير ٢/ ٢٨؛ الفروع ١/ ٢٢٧؛ الإنصاف ٢/ ٢٦.
[ ١ / ٤٦٩ ]
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي أيوب
الأنصاري، وزيد بن خالد (^١)، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وأم حبيبة، وبسرة بنت صفوان - ﵃ -.
وهو رواية عن سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وأبي هريرة (^٢) -﵃-.
وبه قال عطاء بن أبي رباح، وطاوس، وعروة، وسليمان بن يسار، وأبان بن عثمان (^٣)، والزهري، ومجاهد، ومكحول (^٤)، وجابر بن زيد، وأبو العالية،
_________________
(١) هو: زيد بن خالد الجهني، صحابي، شهد الحديبية، وكان صاحب لواء جهينة يوم الفتح، ورى عن النبي -ﷺ-، ورى عنه أبو سلمة، وعطاء بن يسار، وغيرهما، وتوفي سنة ثمان وسبعين، وقيل غير ذلك. انظر: الكاشف ١/ ٢٦٥؛ الإصابة ١/ ٦٤٦؛ التهذيب ٣/ ٣٥٧.
(٢) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١١٢ - ١٢١؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٥٠ - ١٥١؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٢١٨؛ التهميد ٢/ ٢٧٠ - ٢٧١؛ الاستذكار ١/ ٢٩١؛ الاعتبار ص ١٤٣؛ المجموع ٢/ ٣٥.
(٣) هو: أبان بن عثمان بن عفان، الإمام الفقيه، أبو سعد، الأموي المدني، سمع أباه، وزيد بن ثابت، وغيرهما، وحدث عنه الزهري، وأبو الزناد، وغيرهما، وتوفي سنة خمس ومائة، وقيل غير ذلك. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٥١؛ البداية والنهاية ٩/ ٢٠٩.
(٤) هو: مكحول الشامي مفتي أهل دمشق وعالمهم، أبو عبد الله، ثقة فقيه مدلس، روى عن أنس بن مالك، وأبي أمامة، وغيرهما، ورى عنه: سليمان بن موسى، والأوزاعي، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث عشرة ومائة، وقيل غير ذلك. انظر: ميزان الاعتدال ٤/ ١٧٧؛ التهذيب ١٠/ ٢٥٩.
[ ١ / ٤٧٠ ]
والأوزاعي، والليث، وهشام بن عروة (^١)، وابن جريج (^٢)، وإسحاق بن راهوية، وأبو ثور، وداود الظاهري، وابن جرير
الطبري، وابن حزم.
وهو رواية عن سعيد بن المسيب، والحسن، وعكرمة، والشعبي، وابن معين (^٣).
القول الثالث: أنه يستحب الوضوء من مس الذكر ولا يجب.
وهو قول للإمام مالك، اختاره بعض أصحابه (^٤)، ورواية عن الإمام أحمد (^٥)، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٦).
_________________
(١) هو: هشام بن عروة بن الزبير الأسدي أبو المنذر، روى عن أبيه، وعن عمه عبد الله، وغيرهما، وروى عنه: شعبة، ومالك بن أنس، وغيرهما، وكان ثقة فقيهًا، وتوفي سنة ست وأربعين ومائة، وقيل غير ذلك. انظر: الكاشف ٣/ ١٩٧؛ التهذيب ١١/ ٤٤.
(٢) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم، أبو الوليد المكي، أحد الفقهاء والأعلام، روى عن الزهري، ومجاهد، وغيرهما، وروى عنه: الأوزاعي، والليث، وغيرهما، وتوفي سنة تسع وأربعين ومائة، وقيل بعدها. انظر: الكاشف ٢/ ١٨٥؛ التهذيب ٦/ ٣٥٢.
(٣) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١١٣ - ١٢١؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٥٠ - ١٥١؛ الأوسط ١/ ١٩٥ - ١٩٦؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٢١٦ - ٢١٧؛ التمهيد ٢/ ٢٦٦ - ٢٧١؛ الاستذكار ١/ ٢٩٢؛ الاعتبار ص ١٤٣؛ المجموع ٢/ ٣٥؛ المغني ١/ ٢٤٠.
(٤) انظر: النوادر والزيادات ١/ ٥٤؛ التمهيد ٢/ ٢٦٩، ٢٧١، ٢٧٣. وذكر ابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٢٧٣: ان ذلك تحصيل مذهب مالك.
(٥) انظر: المغني ١/ ٢٤١؛ الكافي ١/ ٩٥؛ الشرح الكبير ٢/ ٢٧؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٤١؛ الإنصاف ٢/ ٢٧.
(٦) وهو كذلك اختيار الشيخ محمد بن صالح العثمين. انظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٢٢، ٢٤١؛ الاختيارات الفقهية ص ١٦؛ الإنصاف ٢/ ٢٧؛ الشرح الممتع ١/ ٢٣٤؛ مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١١/ ٢٠٣.
[ ١ / ٤٧١ ]
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن مس الذكر ليس بناقض للوضوء- بما يلي:
أولًا: عن طلق -﵁- قال: قدمنا على نبي الله -ﷺ- فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ فقال: «هل هو إلا مُضغَة منه» أو قال: «بَضعَة منه» (^١).
ثانيًا: عن أبي أمامة -﵁- قال: سُئل رسولُ الله -ﷺ- عن مس الذكر؟ فقال: «إنما هو حذية (^٢) منك» (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه في دليل القول بالنسخ.
(٢) الحذية: القطعة، قيل: هي بالكسر ما قطع من اللحم طولا. انظر: النهاية ١/ ٣٥٠؛ مجمع بحار الأنوار ١/ ٤٦٤.
(٣) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٩٩، كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك، ح (٤٨٤)، وعبد الرزاق في المصنف ١/ ١١٧، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٥٢، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٩٦. وفي سنده جعفر بن الزبير، قال شعبة: كان يكذب. وقال البخاري، والنسائي، والدارقطني: متروك. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال البوصيري: اتفقوا على ترك حديثه واتهموه. انظر: التحقيق ١/ ١٥٨؛ ميزان الاعتدال ١/ ٤٠٦؛ نصب الراية ١/ ٦٩؛ زوائد ابن ماجة ص ١٠١. وهذا الحديث قال عنه ابن الجوزي والزيلعي: ضعيف. وقال الشيخ الألباني: ضعيف جدًا. انظر: التحقيق ١/ ١٥٧؛ نصب الراية ١/ ٦٩؛ ضعيف سنن ابن ماجة ص ٩٩.
[ ١ / ٤٧٢ ]
ثالثًا: عن عصمة بن مالك الخطمي (^١) -﵁- أن رجلًا قال: يا رسول الله إني احتككت في الصلاة فأصابت يدي فرجي، فقال النبي -ﷺ-: «وأنا أفعل ذلك» (^٢).
رابعًا: عن عائشة -﵂- قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «ما أبالي إياه مسست أو أنفي» (^٣).
وجه الاستدلال من هذه الأدلة
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث إنها تدل على أن الذكر
_________________
(١) هو عصمة بن مالك بن أمية بن ضبيعة الخطمي، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه عبيد الله بن موهب. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ٣٨١؛ الإصابة ٢/ ١٢٦١.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير ١٧/ ١٧٨، والدارقطني في سننه-واللفظ له- ١/ ١٤٩. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٤٩: (رواه الطبراني في الكبير وفيه الفضل بن المختار وهو منكر الحديث ضعيف جدًا). والفضل بن المختار قال عنه أبو حاتم: هو مجهول وأحاديثه منكرة، يحدث بالأباطيل. وقال الرازي: منكر الحديث جدًا. وقال ابن عدي: أحاديثه منكرة، عامتها لا يتابع عليها. انظر: التحقيق ١/ ١٥٨؛ ميزان الاعتدال ٣/ ٣٥٨؛ المغني في الضعفاء ٢/ ١٩٦؛ نصب الراية ١/ ٦٩. وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٦٩: (وهو حديث ضعيف أيضًا).
(٣) قال الهيثمي في مجمع الزائد ١/ ٢٤٩: (عن سيف بن عبد الله الحميري قال: دخلت أنا ورجال معي على عائشة فسألنا عن الرجل يمسح فرجه فقالت: سمعت رسول الله -ﷺ- فذكر الحديث ثم قال: -رواه أبو يعلى من رواية رجل من أهل اليمامة، عن حسين بن فادع عن أبيه عن سيف، وهؤلاء مجهولون، وهو أقل ما يقال فيهم).
[ ١ / ٤٧٣ ]
جزء من أجزاء البدن، وكما أن مس بقية أعضاء البدن لا يوجب الوضوء ولا ينقضه فكذلك الذكر (^١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو وجوب الوضوء من مس الذكر- بالأدلة السابقة في دليل القول بالنسخ.
ووجه الاستدلال منها على وجوب الوضوء من مس الذكر وأنه ينقض الوضوء به هو:
أن هذه الأدلة فيها الأمر بالوضوء من مس الذكر والفرج، وفي بعضها التصريح بوجوب الوضوء من ذلك، فثبت بذلك وجوب الوضوء من مس الذكر، وأن الوضوء ينقض به (^٢).
واعترض عليه بما يلي:
أولًا: بأن الأمر للوجوب إذا لم يكن هناك ما يصرفه عنه، وهنا يوجد ما يدل على أنه ليس للوجوب، وهو ما ورد من الأحاديث الدالة على عدم
_________________
(١) انظر: موطأ محمد ص ٣٥؛ المبسوط ١/ ٧١؛ الاستذكار ١/ ٢٩٥؛ المحيط البرهاني ١/ ٧٦؛ المغني ١/ ٢٤١؛ فتح القدير ١/ ٥٥.
(٢) انظر: صحيح ابن حبان ص ٤٠٢؛ المعونة للقاضي عبد الوهاب ١/ ٤٧؛ بداية المجتهد ١/ ٨١؛ العزيز ١/ ١٦٣؛ المجموع ٢/ ٣٥؛ المغني ١/ ٢٤١؛ الشرح الكبير ٢/ ٢٨؛ الممتع ١/ ٢٠٨.
[ ١ / ٤٧٤ ]
نقض الوضوء من مس الذكر (^١).
وأما ورود ذلك بلفظ (فقد وجب عليه الوضوء) فلعله من تعبير بعض الرواة؛ حيث إن الأكثر رروه بلفظ: (فليتوضأ) فلعل بعض الرواة فهم منه أنه للوجوب فعبر بلفظ: (فقد وجب عليه الوضوء) (^٢).
ثانيًا: بأنه يمكن أن يكون المراد بالوضوء في هذه الأحاديث غسل اليد؛ فإنه يسمى كذلك وضوءا، وبذلك يجمع بين الأحاديث (^٣).
وأجيب عنه بما يلي:
١ - بأن الوضوء إذا ورد في الشريعة مطلقًا، فإنما يراد به الوضوء الشرعي، لا غسل اليد (^٤).
٢ - أنه يرده ورود الحديث بلفظ: (من مس ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة) (^٥).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٤١؛ الشرح الممتع ١/ ٢٣٣؛ مجموع الفتاوى لابن العثيمين ١١/ ٢٠٣.
(٢) راجع تخريج حديث أبي هريرة -﵁- فقد رواه أحمد، وابن شاهين في رواية، وابن عبد البر، بلفظ: (فقد وجب عليه الوضوء) أما الباقون فرووه بلفظ: (فليتوضأ).
(٣) انظر: المحلى ١/ ٢٢٣؛ المبسوط ١/ ٧٢؛ بدائع الصنائع ١/ ١٣٣؛ حاشية ابن عابدين ١/ ٢٥٠.
(٤) انظر: المحلى ١/ ٢٢٣.
(٥) أخرجه من طريق بسرة: ابن حبان في صحيحه ص ٤٠٢، والدارقطني في سننه ١/ ١٤٦، وابن حزم في المحلى ١/ ٢٢٤. وأخرجه من طريق ابن عمر وأبي هريرة، الدارقطني في سننه ١/ ١٤٧.
[ ١ / ٤٧٥ ]
ثالثًا: واعترض عليه أيضًا: بأن مس الذكر كناية عن البول؛ لأن من يبول يمس ذكره عادة، فيكون المراد بمس الذكر في هذه الأحاديث خروج البول والحدث، ومن خرج منه البول والحدث يلزمه الوضوء، وبذلك يدفع التعارض بين الأحاديث (^١).
وأجيب عنه بما يلي:
١ - أنه يرده لفظ حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء» (^٢).
٢ - أن هذا الفهم مخالف لفهم الصحابة الذين رووا هذه الأحاديث، وقالوا بالوضوء من مس الذكر، وكذلك لفهم الذين قالوا بعدم الوضوء منه؛ حيث لم يفهوا من هذا المس البول، بل فهموا من ذلك المس باليد بدون البول، وهم أدرى بعد الله، ثم بعد رسوله -ﷺ- بفهم مراد كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-.
دليل القول الثالث
أما القول الثالث فيستدل له بأدلة القول الأول، وأدلة القول الثاني، وذلك بحمل أدلة القول الأول على استحباب الوضوء من مس الذكر بدليل أدلة
_________________
(١) انظر: المبسوط ١/ ٧٢؛ فتح القدير ١/ ٥٩.
(٢) سبق تخريجه في ص ٢٩٠.
[ ١ / ٤٧٦ ]
القول الثاني، وبذلك يجمع بين الأحاديث والآثار الواردة في المسألة (^١).
الراجح
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولًا: أن الأحاديث التي يُستدل منها على الوضوء من مس الذكر أقوى وأصح وأكثر من الأحاديث التي يُستدل منها على ترك الوضوء منه.
ثانيًا: إن حديث بسرة -﵂-، كذلك حديث وطلق بن علي -﵁- الذي
يدل على عدم الوضوء من مس الذكر- كلاهما صحيحان.
ثالثًا: إن القول بنسخ حديث طلق -﵁- بحديث بسرة وأبي هريرة -﵄- احتمال (^٢)، والنسخ لا يثبت بالاحتمال؛ لأن النسخ لا يصار إليه إلا بتوقيف أو اضطرار لا يمكن معه الجمع بين الأمرين، ويُعلم مع ذلك المتأخر، والجمع هنا ممكن (^٣).
ثم هو احتمال ضعيف أو مردود (^٤)، ويؤكد ضعف هذا الاحتمال وعدم الأخذ به أن الأئمة المتقدمين كسفيان الثوري، وابن جريج، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم ممن في طبقتهم أو قبلهم، بعضهم كان يقول بالوضوء
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٤١؛ الشرح الممتع ١/ ٢٣٣.
(٢) انظر: إعلام العالم بعد رسوخه لابن الجوزي ص ١٢٢.
(٣) انظر: الانجاد في أبواب الجهاد لابن المناصف ١/ ٢٧؛ الشرح الممتع ١/ ٢٣٣.
(٤) راجع مناقشة وجه الاستدلال من تلك الأحاديث على النسخ.
[ ١ / ٤٧٧ ]
من مس الذكر، وبعضهم كان لا يرى ذلك، وقد جرى بين بعضهم مناظرات في ذلك، ولم أجد عن أحد منهم أنه قال بأن أحد الحديثين منسوخ بالآخر، وإنما القول بالنسخ صار إليه بعض علماء القرن الرابع فمن بعدهم (^١).
رابعًا: أنه ما دام يمكن الجمع بين الأحاديث المتعارضة فالقول به أولى؛ جمعًا بين الأحاديث وتوفيقًا بينها، وبذلك يظهر رجحان القول الثالث؛ لأن به يحصل الجمع بين الأحاديث الواردة في المسألة.
خامسًا: أن العمل بحديث بسرة﵂- أولى؛ خروجًا من خلاف العلماء، وعملًا بالأحوط من أمر الدين، وقول النبي -ﷺ-: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٢٠؛ سنن الدارقطني ١/ ١٥٠؛ المستدرك للحاكم ١/ ٢٣٤؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢١٤، ٢١٥؛ مرقات المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لعلي بن سلطان القاري ١/ ٢٧٩.
(٢) سبق تخريجه في ص ٢٩٥.
[ ١ / ٤٧٨ ]