بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله الإله الواحد الأحد، ذي الجلال والإكرام، يمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء، وهو الملك العزيز العلام، يدعو عباده إلى دار السلام، يهدي من يشاء بفضله سبل السلام، ويضل من يشاء بعدله، وهو عزيز ذو انتقام، شرع لنا الشريعة الحنِيْفِيَّة السَّمْحَاء، فنسخ بها الشرائع ما قبل الإسلام (^١)، شريعةً أنزلها متدَرَّجة حسب ما كان يقتضيه واقع الحال والمقام، فحثت على كل يسر وطيب وكرم، وحسن خلق وحب ووئام، ورفعت الحرج والعسر، ونهت عن كل خبيث ومكروه وحرام. وأرسل إلينا أفضل رسله على ممرّ الليالي والأيام، فوضع به الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا بما ارتكبوه من الخطيئة والأثام. وأنزل إلينا أفضل كتبه مهيمنًا على جميع الكتب، لا ينسخه أي دين، أو قانون، أو نظام.
فله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه كل حين ووقت، وكلما شرقت شمس أو دجا الظَّلام. حمدَ عبدٍ مقرٍّ بجزيل العطاء والإفضال والإنعام.
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيد الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله، أفضل الرسل وخير الأنام، الذي محى الله به الكفر،
_________________
(١) الإسلام وإن كان يطلق على الشرائع السماوية المسابقة، إلا أنه بعد بعثة النبي محمد -ﷺ- أصبح لقبا للشريعة التي أنزلها الله عليه -ﷺ-.
[ ١ / ٩ ]
والشرك، والظلم، والظلمات، وغياهب الظَّلام، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين البررة الكرام، وعلى من اتبعهم بإحسان واقتفى أثرهم إلى يوم الحشر والقيام.
أما بعد:
فإن من أكبر نعم الله على الإنسان نعمة الإسلام، وقد أرسل الله تعالى رسوله محمدًا -ﷺ- لأمته هاديًا وبشيرًا، أرسله بالحنيفيَّة السّمحة، ليلها كنهارها، وأنزل عليه كتابه المبين، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، ليكون لهم نورًا وهدى، ليهتدوا به، وشفاء لما في الصدور.
وقد بين الله في كتابه المجيد، منزلة العلم وأهله، فقال ﷾:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (^١).
وقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (^٢).
وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (^٣).
وقد خص ﷾ من بين العلوم علم الفقه في الدين؛ حيث ندب عباده المؤمنين لينفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، وأن
_________________
(١) سورة الفاطر، الآية (٢٨).
(٢) سورة الزمر، الآية (٩).
(٣) سورة المجادلة، الآية (١١).
[ ١ / ١٠ ]
ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، فقال:
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (^١).
وقد أكد رسول الله -ﷺ- أهمية التفقه في الدين بقوله: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (^٢).
حيث بين أن التفقه في الدين من أمارات إرادة الخير بالمرء.
ولما كان علم الفقه في دين الله بهذه المثابة المرموقة والدرجة الرفيعة كان من أولى ما اشتغل به المحققون، وأنفع ما استفرغ الوسع في تحصيله المحصلون، وأجدر ما بذل الجهد في إدراكه المجتهدون.
وقد عرف علماء الإسلام منزلة هذا العلم العظيم، واحتياج الناس إليه في كل الحالات؛ لما به من معرفة الحلال من الحرام، والتمييز بين الجائز والممنوع من الأحكام، فصرفوا في سبيل تحصيله الغالي والنفيس، واشتغلوا بدراسته وتدريسه وتأليف الكتب فيه، وبيان قواعده وضوابطه، ليلًا ونهارًا، وجِيلًا بعد جِيل، فوصل إلينا من جهودهم الحميدة إنتاج علمي فقهي عظيم، امتاز بالبهاء والصفاء والدقة، شاملًا لجميع نواحي الحياة، وكافة المستويات،
_________________
(١) سورة التوبة، الآية (١٢٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٢١، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ح (٧١)، ومسلم في صحيحه ٤/ ٣٦٢، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، ح (١٠٣٧) (٩٨).
[ ١ / ١١ ]
مستمدًا من كتاب الله المحفوظ بحفظ الله، ومستمدًا من السنة النبوية المطهرة، التي نطق بها أعلم الخلق، وأنصحهم، وأرحمهم، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وَحْي يُوْحى.
وكان مما يُعرف به الحلال والحرام، ويميز به بين الجائز والممنوع من الأحكام، معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة؛ ولذلك اهتم به علماؤنا الأوائل، وسلفنا الأفاضل، فصنفوا فيه الكتب، وألفوا فيه المؤلفات. وقد كان تأليفهم فيه مشتملًا على نوعين؛ حيث ألف بعضهم في الناسخ والمنسوخ من القرآن، وبعضهم ألف في الناسخ والمنسوخ من السنة، كما أن بعضهم ألف في كلا النوعين تأليفًا مفردًا ومستقلًا.
ويدل كذلك على أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، أن أهل العلم كانوا لا يحلون لأحد أن يفتي أو يفسر القرآن، ما لم يعرف الناسخ والمنسوخ (^١).
ولما كان العلماء السابقون ألفوا وصنفوا في الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، ولم أجد من ألف وصنف في الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ- وإن كان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة يدل عليه ضمنًا- (^٢) أردت أن
_________________
(١) انظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي ٢/ ٢٨ - ٢٩؛ الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ٢/ ٤٠.
(٢) إلا أنه يوجد مسائل كثيرة، قد صرح فيها بالنسخ بعض أهل العلم في كتب الفقه وغيرها، وليس لها ذكر في الكتب المؤلفة في الناسخ والمنسوخ من القرآن، أو الناسخ والمنسوخ من الأحاديث، وسيظهر هذا من خلال المسائل التي نقوم بدراستها.
[ ١ / ١٢ ]
أكتب في هذا الموضوع، مستعينًا بالله، وذلك لأهمية هذا الموضوع، ولما فيه من الفوائد التي يدل على بعضها بعض ما يذكر في أسباب اختياره.