الماء طاهر مطهر١، لا يخرجه عن الوصفين٢، إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه من النجاسات٣، وعن الثاني٤ ما أخرجه عن اسم الماء المطلق من المغيرات الطاهرة٥. ولا
_________________
(١) ١ لا خلاف في ذلك، وقد نطق بذلك الكتاب: قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وبه أفصحت السنة. أخرج البخاري "٢/ ٢٢٧- مع الفتح" ومسلم "٥/ ٩٦- بشرح النووي" وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبَّر في الصلاة سكت هنيَّةً قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟، قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطايا كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد". وأخرج أبو داود "١/ ١٥٢-مع العون"، والترمذي "١/ ٢٢٤- مع التحفة"، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه "١/ ١٣٦ رقم ٣٨٦" وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه "١/ ٦٧ رقم ٣٠٩" والنسائي "١/ ٥٠-رقم ٥٩"، وغيرهم. عن أبي هريرة ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر، فقال رسول الله ﷺ: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". ٢ أي عن وصف كونه طاهرًا وعن وصف كونه مطهرًا. ٣ بدليل الإجماع. قال ابن المنذر في كتابه "الإجماع" ص٣٣ رقم "١٠" "وأجمعوا على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت الماء طعمًا، أو لونًا، أو ريحًا، إنه نجس ما دام كذلك". ونقل الإجماع ابن الملقن في مختصر البدر المنير ص١٨، والمهدي في البحر"١/ ٣١" والنووي في المجموع "١/ ١١٠" وابن قدامة في المغني "١/ ٥٣". ٤ أي كونه مطهرًا. ٥ كالصابون، والعجين، والزعفران، أو غير ذلك من الأشياء الطاهرة التي يستغنى عنها عادة فيصبح الماء طاهرًا في نفسه غير مطهر لغيره.
[ ٢٣ ]
فرق بين قليل وكثير١، وما فوق القلتين وما دونهما٢، ومستعمل وغير مستعمل٣.
_________________
(١) ١ قال الإمام البغوي في شرح السنة "٢/ ٥٩-٦٠: "وقدر بعض أصحاب الرأي الماء الكثير الذي لا ينجس بأن يكون عشرة أذرع في عشرة أذرع، وهذا تحديد لا يرجع إلى أصل شرعي يعتمد عليه". قلتُ: أما الحديث الذي أخرجه ابن ماجه "٢/ ٨٣١ رقم ٢٤٨٦"، والدارمي "٢/ ٢٧٣" عن عبد الله ابن مغفل عن رسول الله ﷺ قال: "من حفر بئرًا فله أربعون ذراعًا لماشيته"، وهو حديث حسن، "انظر الصحيحة" للألباني رقم: ٢٥١"، فلا دليل فيه على تحديد الماء الكثير الذي لا ينجس بأن يكون عشرة أذرع في عشرة أذرع؛ لأن الواضح من الحديث أن حريم البئر من كل جانب أربعون ذراعًا. انظر: "فتح العناية بشرح كتاب النقاية" للمحدث على القاري تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة "١/ ١٠٩" اهـ. ثم قال الإمام البغوي: "وحدَّه بعضُهم بأن يكون في غدير عظيم بحيث لو حرك منه جانب، لم يضطرب منه الجانب الآخر، وهذا في غاية الجهالة لاختلاف أحوال المحركين في القوة والضعف" اهـ. وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار "١/ ٣٠": وللناس في تقدير القليل والكثير أقوال ليس عليها أثارة من علم" اهـ. ٢ قال ابن التركماني في "الجوهر النقي" وهو بذيل السنن الكبرى للبيهقي "١/ ٢٦٥": "قد اختلف في تفسير القلتين اختلافًا شديدًا. ففسرنا بخمس قرب، وبأربع، وبأربع وستين رطلًا وباثنتين وثلاثين، وبالجرتين مطلقًا، وبالجرتين بقيد الكبر، وبالخابيتين، والخابية الجب فظهر بهذا جهالة مقدار القلتين فتعذر العمل بها" اهـ. قلت: أما حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء" فهو حديث ضعيف بهذه الزيادة: "من قلال هجر". أخرجه ابن عدي في الكامل "٦/ ٢٣٥٨" في ترجمة "المغيرة بن سقلاب". وقال عنه: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال ابن حجر في التلخيص "١/ ٢٩" عن المغيرة هذا: منكر الحديث ثم قال: "١/ ٣٠" والحديث غير صحيح؛ يعني: بهذه الزيادة. ٣ الماء المستعمل هو الماء المنفصل عن أعضاء المتوضئ أو المغتسل. والدليل على أن الماء المستعمل طاهر في نفسه. ما أخرجه البخاري "١/ ٣٠١- مع الفتح، ومسلم "٣/ ١٢٣٤ رقم ١٦١٦" وغيرهما، عن جابر بن عبد الله قال: "جاء رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعْفِك فتوضأ وصب وضوءه علي". وأما الدليل على أن الماء المستعمل مطهر لغيره، ما أخرجه أبو داود "١/ ٩١ رقم ١٣٠" عن ابن عقيل عن الربيع بنت معوذ "أن النبي ﷺ مسح برأسه من فضل ماء كان في يده" وهو حديث حسن فهذا يدل على أن الماء المستعمل طاهر مطهر، فلو كان غير مطهر لما استعمله النبي ﷺ في فرض الوضوء وهو مسح الرأس. ولحديث أبي جحيفة قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأتى بوضوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به.." أخرجه البخاري رقم "١٨٧".
[ ٢٤ ]
ومتحرك وساكن١.
_________________
(١) ١ لا دليل على الفرق بين الماء الساكن والمتحرك في التطهير. أما الحديث الذي أخرجه مسلم"١/ ٢٣٦ رقم ٢٨٣" وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب". فقالوا: يا أبا هريرة، كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولًا. وفي لفظ لأحمد "٢/ ٣١٦"، وأبي داود "١/ ٥٦ رقم٧٠": "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة" وفي لفظ البخاري "١/ ٣٤٦- مع الفتح": "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه"، وفي لفظ الترمذي "١/ ١٠٠ رقم ٦٨": "ثم يتوضأ منه". ففي الحديث نهي عن أن يبول في الماء الدائم، ثم يغتسل منه، وليس ذلك لأن الماء تنجس بحلول ذلك البول فيه، وإن لم يغير أحد أوصافه، والقول بالتنجيس يحتاج إلى دليل شرعي وليس لنا دليل يفيد ذلك فبقي الحديث على النهي للبائل أن يغتسل أو يتوضأ، وله الانتفاع به ما عدا ذلك. وغير البائل مباح له الاغتسال والوضوء. انظر: طرح التثريب "٢/ ٣٢"، وإحكام الأحكام "١/ ٢١". قال ابن حزم في المحلي "١/ ١٨٤": وأما قولهم إن النبي ﷺ نهى عن انغماس الجنب في الماء الدائم لكن لا يصير مستعملًا فباطل "اهـ.
[ ٢٥ ]