[الـ]ـفصل [الأول: أحكام النجاسات]
والنجاسات١ هي غائط الإنسان مطلقًا٢ وبوله٣
_________________
(١) ١ النجاسات: جمع نجاسة: وهي كل شيء يستقذره أهل الطبائع السليمة ويتحفظون عنه، ويغسلون الثياب إذا أصابها كالعذرة والبول. ٢ صغيرًا أو كبيرًا. والدليل على نجاسة الغائط أحاديث، "منها": ما أخرجه أحمد "٣/ ٢٠"، وأبو داود "٢/ ٣٥٣- مع العون" وغيرهما. من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثًا فليمسحه بالأرض، ثم ليصل فيهما" وهو حديث حسن. ومنها: ما أخرجه أبو داود رقم ٣٨٦ وابن خزيمة رقم "٢٩٢" والحاكم "١/ ١٦٦" وابن حبان رقم ٢٤٩- موارد" عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب". وللحديث شاهدان صحيحان يتقوى بهما: الأول: من حديث أبي سعيد عند أحمد والخلاصة، أن حديث أبي هريرة صحيح لغيره. ٣ للحديث الذي أخرجه البخاري "١/ ٣٢٣ رقم ٢٢٠" وأبو داود "١/ ٢٦٣ رقم ٣٨٠"، والترمذي "١/ ٢٧٥ رقم ١٤٧" والنسائي "١/ ١٧٥" وابن ماجه "١/ ١٧٦ رقم ٥٢٩" عن أبي هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ: "دعوه، وهريقوا على بوله سجلًا من ماء -أو: "ذنوبًا من ماء"- فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين".
[ ٢٥ ]
إلا الذكر الرضيع١، ولعاب كلب٢، وروث٣، ودم حيض٤، ولحم خنزير٥، وفيما عدا ذلك خلاف٦.
والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه
_________________
(١) ١ وبول الذكر الرضيع نجس. إلا أن تطهيره من الثوب بالنضح. للحديث الذي أخرجه أبو داود "١/ ٢٦٢ رقم ٣٧٦" والنسائي "١/ ١٥٨ رقم٣٠٤" وابن ماجه "١/ ١٧٥ رقم٥٢٦" وغيرهم. قلتُ: وحسَّنه البخاري، نقل ذلك عن ابن حجر في التلخيص "١/ ٥٠"، عن أبي السمح قال: كنت قلت: وسحنه البخاري، نقل ذلك ابن حجر في التلخيص "١/ ٥٠". عن أبي السمح قال كنت أخدم النبي ﷺ فكان إذا أراد أن يغتسل قال: "ولني قفاك" فأوليه قفاي فأستره به، فأتى بحسن أو حسين ﵄ فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: "يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام". ٢ للحديث الذي أخرجه مسلم "١/ ٢٣٤ رقم٢٧٩" والنسائي "١/ ١٧٦-١٧٧" وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار". ٣ ما لا يؤكل لحمه، للحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه "١/ ٢٥٦ رقم ١٥٦". والترمذي "١/ ٨٢-مع التحفة"، والنسائي "١/ ٣٩". وابن ماجه "١/ ١١٤ رقم ٣١٤" عن ابن مسعود ﵁ قال: أتى النبي ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاث أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا رِكْس. ركس: بكسر الراء، وإسكان الكاف. فقيل: هي لغة في رجس بالجيم، ويدل عليه رواية ابن ماجه، وابن خزيمة في هذا الحديث، فإنها عندهم بالجيم. وقيل: الركس: الرجيع رد من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة. قاله الخطابي وغيره. والأولى أن يقال: "رد من حالة الطعام إلى حالة الروث " اهـ "فتح الباري ١/ ٢٥٨". ٤ للحديث الذي أخرجه البخاري "١/ ٤١٠- مع الفتح" ومسلم "١/ ٢٤٠ رقم ٢٩١" وأبو داود "١/ ٢٥٥ رقم ٣٦٠ و٣٦١ و٣٦٢". والترمذي "١/ ٢٥٤-٢٥٥ رقم ١٣٨"، والنسائي "١/ ١٥٥" وابن ماجه "١/ ٢٠٦ رقم ٦٢٩" وغيرهم. عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: سألت امرأة رسول ﷺ فقالت: أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة، كيف تصنع؟ فقال رسول الله ﷺ: "إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرضه ثم لتنضحه بماء ثم لتصلي فيه". ٥ لا دليل على نجاسة الخنزير بل الدليل على تحريم أكله. وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . قلنا: المراد بالرجس هنا الحرام كما يفيد سياق الآية، والمقصود منها، فإنها وردت فيما يحرم أكله لا فيما هو نجس. ٦ مثل: "المني" و"الميتة" و"الدم المسفوح" و"الخمر" و"المذي" و"الودي" و"المشرك". أما المني، فالأرجح طهارته، وهو ماء الرجل. للحديث الذي أخرجه ابن خزيمة في صحيحه "١/ ١٤٧ رقم٢٩٠"، وذكره ابن حجر في الفتح "١/ ٣٣٣" وسكت عنه. عن عائشة ﵂:=
[ ٢٦ ]
أو يقدم عليه.
_________________
(١) = "إنها كانت تحت المني من ثواب رسول الله ﷺ وهو يصلي". قلت: وهو حديث حسن. وذكره ابن حجر في تلخيص الحبير "١/ ٤٤" وقال: رواه ابن خزيمة، والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي" ثم أورد لفظ كل منهم فانظره إن شئت. وفي رواية لمسلم رقم "١٠٩/ ٢٩٠" عن عائشة قالت: " لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفري". وأما الميتة، فالأرجح نجاستها؛ للحديث الذي أخرجه مسلم "١/ ٢٧٧ رقم٣٦٦" وغيره، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" ففي هذا الحديث دلالة على أن جلد الميتة نجس يطهره الدباغ، ويلزم من ذلك أن الميتة نجسة. الإهاب ككتاب: الجلد ما لم يدبغ. القاموس المحيط ص٧٧. وأما الدم المسفوح، فالأرجح طهارته، ولا دليل على نجاسته، أما السنة فلم يصح منها شيء في نجاسة كل الدم -إلا نجاسة دم الحيض- وأما الاستدلال في الكتاب العزيز في قوله سبحانه: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . فالآية لم تسق لبيان الطهارة والنجاسة، بل لبيان ما يحل ويحرم. وقد أخرج الطبراني في "الكبير" رقم "٩٢١٩" وعبد الرزاق في "المصنف" رقم "٤٥٩" و"٤٦٠" وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" "٢/ ٥٨" وقال: رجاله ثقات. عن محمد ابن سيرين، عن يحيى الجزار قال: صلى ابن مسعود وعلى بطنه فرث ودم من جزور نحرها ولم يتوضأ". وكذلك أخرج ابن جرير في "جامع البيان" "٥/ ج٨/ ٧١" عن عائشة قالت: "كنا نأكل اللحم والدم خطوط على القدر" وهو أثر صحيح غريب؛ قاله ابن كثير في "تفسير" "٣/ ٣٥٢". وأما الخمر، فالأرجح طهارته؛ مع القطع بتحريمه. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠] . والرجس هنا: النجس المعنوي لا الحقيقي؛ لأن لفظ "رجس" خبر عن الخمر وما عطف عليها، وهو لا يوصف بالنجاسة الحسية قطعًا. قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [سورة الحج: ٣٠]، فالأوثان رجس معنوي لا تنجس من مسها. انظر جامع البيان للطبري "١٠/ ١٥٥". وأما المذي، فالأرجح نجاسته. "وهو ما خرج من الذكر عند الملاعبة". للحديث الذي أخرجه البخاري "١/ ٣٧٩-مع الفتح": عن علي ﵁ قال: كنت رجلًا مذاء فأمرت رجلًا أن يسأل النبي ﷺلمكان ابنته- فسأل فقال: "توضأ، واغسل ذكرك". وأما الودي، فنجس: "وهو ما خرج بعد البول": ودليله الإجماع، قال النووي في المجموع "٢/ ٥٥٢": أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي" اهـ. وأما المشرك، فالأرجح طهارته. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] . والنجس هنا: النجس المعنوي لا الحقيقي؛ لأن الله تعالى أحل طعامهم وثبت عن النبي ﷺ فعله وقوله ما يفيد=
[ ٢٧ ]