لم يأت في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة، وكذلك الطهر١، فذات العادة المتقررة تعمل عليها٢، وغيرها ترجع إلى القرائن٣، فدم الحيض يتميز عن غيره٤، فتكون حائضًا إذا رأت دم الحيض، ومستحاضة إذا رأت غيره٥، وهي كالطاهرة٦ وتغسل أثر الدم٧ وتتوضأ لكل صلاة٨.
_________________
(١) ١ وهو كما قال؛ لأن ما ورد في تقدير أقل الحيض والطهر وأكثرهما إما موقوف لا تقوم به الحجة، أو مرفوع لا يصح. ٢ فقد صح في غير حديث اعتبار الشارع للعادة. كالحديث الذي أخرجه البخاري "١/ ٤٠٩ رقم ٣٠٦" عن عائشة ﵂ أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ: يا رسول الله إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: $"إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قذرها فاغسلي عندك الدم وصلي". ٣ أي القرائن المستفادة من الدم. ٤ للحديث الذي أخرجه أبو داود "١/ ٢١٣ رقم ٣٠٤" والنسائي "١/ ١٢٣ رقم ٢١٥" عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ: "إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي". ٥ أي غير دم الحيض. ٦ أي تعامل المستحاضة كالطاهرة. ٧ لحديث عائشة المتقدم في الهامش "٦". ٨ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش المتقدم في الهامش "٨". هذا ما اختاره الشوكاني أيضًا في "الداري" "١/ ١٦٥" بتحقيقي، و"النيل" "١/ ٣٢٢" ولكنه قال في "السيل" "١/ ٣٥١" بتحقيقي: "وكما أنه ليس في إيجاب الغسل عليها لكل صلاة، وللصلاتين ما تقوم به الحجة".
[ ٤١ ]
والحائض لا تصلي ولا تصوم١، ولا توطأ حتى تغتسل بعد الطهر٢، وتقضي الصيام٣.
_________________
(١) ١ للحديث الذي أخرجه البخاري "١/ ٤٠٥ رقم ٣٠٤" عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى -أو في فطر- إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: "يا معشر النساء تصدقن؛ فإني أريتكن أكثر أهل النار". فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن". قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل"؟ قلن: بلى. قال: "فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم"؟ قلن: بلى. قال: "فذلك من نقصان دينها". ٢ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وللحديث الذي أخرجه مسلم "١/ ٢٤٦/ ٣٠٢" عن أنس ﵁، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت. فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فقال رسول الله ﷺ: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح". لم يجامعوهن في البيوت: أي لم يخالطون في بيت واحد. قلت: يباح الاستمتاع بالحائض فيما دون الفرج؛ لحديث أنس أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، فقال النبي ﷺ: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" وهو حديث صحيح. أخرجه أحمد "٣/ ١٣٢" ومسلم رقم "١٦/ ٣٠٢" وأبو داود رقم "٢٥٨" والترمذي رقم "٢٩٧٧" والنسائي "١/ ١٨٧" وابن ماجه رقم "٦٤٤". وأما من أتى زوجته وهي حائض فعليه كفارة: لحديث ابن عباس عن رسول الله ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: "يتصدق بدينار، أو بنصف دينار" وهو حديث صحيح أخرجه أحمد "١/ ٢٢٩" وأبو داود رقم "٢٦٤" والنسائي "١/ ١٥٣" والترمذي رقم "١٣٧" وابن ماجه رقم ٦٤٠" وغيرهم. والتخيير في الحديث راجع إلى التفريق بين أول الدم وآخره؛ لما روي عن ابن عباس موقوفًا: "إن أصابها في فور الدم تصدق بدينار، وإن كان في آخره فنصف دينار" وهو أثر صحيح أخره أبو داود رقم "٢٦٥". ٩٣ للحديث الذي أخرجه البخاري "١/ ٤٢١ رقم ٣٢١" ومسلم "١/ ٢٦٥ رقم ٦٩/ ٣٣٥" عن معاذة قالت: "سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية. ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. أحرورية أنت؟: نسبة إلى حروراء، وهي قرية بقرب الكوفة. قال السمعاني: هو موضع على ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج به. قال الهروي: تعاقدوا في هذه القرية فنسبوا إليها. فمعنى قول عائشة ﵂ إن طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض. وهو خلاف إجماع المسلمين. وهذا الاستفهام الذي استفهمته عائشة هو استفهام إنكاري. أعد هذه طريقة الحرورية، وبئست الطريقة.
[ ٤٢ ]