[الـ] فصل [السادس: مناسك الحج]
ثم يأتي عرفة صبح يوم عرفة ملبيًا مكبرًا، ويجمع العصرين فيها، ويخطب، ثم يفيض من عرفة١، ويأتي المزدلفة، ويجمع فيها بين العشاءين، يبيت بها، ثم يصلي الفجر،
_________________
(١) ١ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٨٦٦ رقم ١٤٧/ ١٢١٨" من حديث جابر بن عبد الله ﵁، وفيه: "فلما كان يوم التروية وتوجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس وأمر بقُبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام. كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن. ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر. ولم يصل بينهما شيئًا، ثم ركب رسول الله ﷺ، حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص ".
[ ١٠٩ ]
ويأتي المشعر، فيذكر الله عنده، ويقف به إلى قبل طلوع الشمس١، ثم يدفع حتى يأتي بطن محسر، ثم يسلك الطريق الوسطى إلى الجمرة التي عند الشجرة، وهي جمرة العقبة، فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة٢، ولا يرميها إلا بعد طلوع الشمس٣، إلا النساء والصبيان، فيجوز لهم قبل ذلك٤.
_________________
(١) = واعلم أن الحج عرفة؛ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٢/ ٤٨٥ رقم ١٩٤٩" والترمذي "٣/ ٢٣٧ رقم ٨٨٩" والنسائي "٥/ ٢٥٦" وابن ماجه "٢/ ١٠٠٣ رقم ٣٠١٥" وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: أتيت النبي ﷺ وهو بعرفة، فجاء ناس، أو نفر، من أهل نجد، فأمروا رجلًا، فنادى رسولَ الله ﷺ: كيف الحج؟ فأمر رسول الله ﷺ رجلًا فنادى: "الحج الحج يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فتم حجه، أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه". قال: ثم أردف رجلًا خلفه، فجعل ينادي بذلك. ١ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٨٨٦" رقم ١٤٧/ ١٢١٨". من حديث جابر وفيه: " حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر. وصلى الفجر، حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس ". ٢ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٨٨٦ رقم ١٤٧/ ١٢١٨" من حديث جابر ﵁ وفيه: " حتى أتى بطن مُحَسِّر، فحرك قليلًا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة منها حصى الخذف ". مُحَسِّر: سمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه. أي أعيا وكلَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ . الجمرة الكبرى: هي جمرة العقبة وهي التي عند الشجرة. حصى الخذف: أي حصى صغار بحيث يمكن أن يرمى بأصبعين. ٣ للحديث الذي أخرجه البخاري تعليقًا "٣/ ٥٧٩" ومسلم موصولًا "٢/ ٩٤٤ رقم ٣١٤/ ١٢٩٩" وغيرهما عن جابر، قال: "رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى. وأما بعد فإذا زالت الشمس". ٤ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٥٢٦ رقم ١٦٧٨" ومسلم "٢/ ٩٤١ رقم ١٢٩٣" عن ابن عباس قال: بعثني رسول الله ﷺ في الثقل -"أو قال: في الضَّعَفَة"- من جمع بليل. الثقل: هو المتاع ونحوه. والجمع: أثقال، مثل سبب وأسباب. الضعفة: أي في ضعفة أهله من النساء والصبيان. وهو جمع ضعيف. وجمع ضعيف على ضَعَفَة غريب. وللحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٥٢٧ رقم ١٦٨١" ومسلم "٢/ ٩٣٩ رقم ٢٩٣/ ١٢٩٠" عن عائشة ﵂ أنها قالت: "استأذنت سودةُ رسولَ الله ﷺ ليلة المزدلفة تدفع قبله. وقبل حطمة الناس. وكانت امرأة ثبطة "يقول القاسم: والثبطة الثقيلة": قال: فأذن لها. فخرجت قبل دفعه. وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه". حطمة الناس: أي قبل أن يزدحموا ويحطم بعضهم بعضًا.
[ ١١٠ ]
ويحلق رأسه أو يقصره١، فيحل له كل شيء إلا النساء٢، ومن حلق أو ذبح أو أفاض إلى البيت قبل أن يرمي فلا حرج٣.
ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ليالي التشريق٤، ويرمي في كل يوم من أيام التشريق
_________________
(١) ١ للحديث الذي أخرجه البخاري "رقم: ١٦٩- البغا" ومسلم "٢/ ٩٤٧ رقم١٣٠٥" واللفظ له عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها. ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق: خذ وأشار إلى جانبه الأيمن. ثم الأيسر. ثم جعل يعطيه الناس". والحلق للرجال أفضل لفعله ﷺ كما مر، ولقوله ﷺ في الحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٥٦١ رقم ١٧٢٨" ومسلم "٢/ ٩٤٦ رقم ١٣٠٢" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: يا رسول الله! وللمقصرين، قال: "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: يا رسول الله! وللمقصرين قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله! وللمقصرين، قال: "وللمقصرين". والتقصير للنساء أفضل، للحديث الذي أخرجه أبو داود "٢/ ٥٠٢ رقم ١٩٨٤ و١٩٨٥" والطبراني في الكبير "١٢/ ٢٥٠ رقم ١٣٠١٨" وغيرهما عن ابن عباس -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير". وهو حديث صحيح. ٢ للحديث الذي أخرجه النسائي "٥/ ٢٧٧ رقم ٣٠٨٤" وابن ماجه "٢/ ١٠١١ رقم ٣٠٤١" عن ابن عباس قال: إذا رمى الجمرة فقد حل له كل شيء إلا النساء، قيل: والطيب، قال: أما أنا فقد رأيت رسول الله -ﷺ- يتضمخ بالمسك أفطيب هو؟ وهو حديث صحيح. أفطيب هو: أي لا شك في كونه طيبًا فالطيب قبل الطواف حلال إذا حلق. ٣ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٥٦٩ رقم ١٧٣٦" ومسلم "٢/ ٩٤٨ رقم ١٣٠٦" عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه فقال رجل: لغم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح، قال: "اذبح ولا حرج". فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: "ارم ولا حرج"، فما سُئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج". ٤ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٤٩٠ رقم ١٦٣٤" ومسلم "٢/ ٩٥٣ رقم ١٣١٥" عن ابن عمر -﵁- قال: "استأذن العباس بن عبد المطلب -﵁- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له". فقد دلّ على أن المكث في منى أيام التشريق بلياليها سنة، ويجوز للمعذور أن لا يبيت بها. ويجوز للمعذور أن يجمع رمي يومين في يوم واحد؛ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٢/ ٤٩٧ رقم ١٩٧٥" والترمذي "٣/ ٢٨٩ رقم ٩٥٤" والنسائي "٥/ ٢٧٣ رقم ٣٠٦٩" وابن ماجه ٢/ ١٠١٠ =
[ ١١١ ]
الجمرات الثلاث بسبع حصيات، مبتدئًا بالجمرة الدنيا ثم الوسطى ثم جمرة العقبة١، ويستحب لمن يحج بالناس أن يخطبهم يوم النحر٢ وفي وسط أيام التشريق٣، ويطوف الحاج طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة يوم النحر٤
_________________
(١) = رقم ٣٠٣٧ عن عاصم بن عدي: "أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر" وهو حديث صحيح. ويشرع للحاج أن يزور الكعبة، ويطوف بها كل ليلة من ليالي منى؛ للحديث الذي أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار "١/ ٤٩١" والبيهقي في السنن الكبرى "٥/ ١٤٦" وغيرهما عن ابن عباس ﵁ أن نبي الله ﷺ كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى، وهو حديث صحيح. انظر "الصحيحة" للمحدث الألباني "رقم٨٠٤". ١ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٥٨٣ رقم١٧٥٢" وغيره. عن سالم بن عبد الله "أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، ثم يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا، فيدعو ويرفع يديه. ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك، فيأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا، فيدعو ويرفع يديه. ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل". الجمرة: مجتمع الحصى الحصى بمنى. وكل كومة من الحصى. الدنيا: القريبة إلى منى وهي الصغرى. إثر: بعد. فيسهل: ينزل إلى السهل. العقبة: المرقى الصعب من الجبل ونحوه. والمراد الجمرة الكبرى. بطن الوادي: وسطه ومسيله. ٢ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٥٧٣ رقم١٧٤١" عن أبي بكرة ﵁ قال: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر. قال: "أتدرون أي يوم هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس يوم النحر"؟ قلنا: بلى. قال: "أي شهر هذا"؟ قلنا الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: "أليس ذا الحجة"؟ قلنا: بلى. قال: "أي بلد هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليست بالبلدة الحرام"؟ قلنا: بلى. قال: "فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم إلا هل بلغت"؟ قالوا: نعم. قال: "اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض". ٣ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٢/ ٤٨٨ رقم١٩٥٣". عن سراء بنت نبهان، وكانت ربة بيت في الجاهلية، قالت خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرؤوس. فقال: "أي يوم هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "أليس أوسط أيام التشريق"، وهو حديث حسن بشواهده. ٤ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٩٥٠ رقم١٣٠٨" عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى. قال نافع: فكان ابن عمر يفيض يوم النحر. ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى ويذكر أن النبي ﷺ فعله. أفاض: أي طاف طواف الإفاضة.
[ ١١٢ ]
وإذا فرغ من أعمال الحج طاف للوداع١.
_________________
(١) ١ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٩٦٣ رقم ١٣٢٧" عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت". وأما المرأة الحائض فقد سقط عنها طواف الوداع؛ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٥٨٥ رقم ١٧٥٥" ومسلم "٢/ ٩٦٣ رقم ١٣٢٨" عن ابن عباس قال: أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفف عن المرأة الحائض". وللحاج أن يحمل معه من ماء زمزم ما تيسر له تبركًا به؛ للحديث الذي أخرجه البخاري في التاريخ الكبير "٣/ ١٨٩" عن عائشة أنها حملت ماء زمزم في القوارير، وقالت: حمله رسول الله ﷺ في الأداوي والقرب، فكان يصب على المرضى ويسقيهم، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى "٥/ ٢٠٢" والترمذي في السنن "٤/ ٣٦-٣٧ مع التحفة"، وقال: حديث حسن غريب. وأورده الألباني في الصحيحة "رقم ٨٨٣".
[ ١١٣ ]