ماء طاهر مطهر: ويسمى الطهور والمطلق الطاهر في نفسه المطهر لغيره: وهو كل ما نزل من السماء أو نبع من الأرض وبقي على أصل الخلقة لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة بنجاسة (لون أو طعم أو ريح) أو تغير بما لا يسلب طهوريته كالتراب وذلك كماء الأودية والعيون والينابيع والآبار والأنهار والبحار وماء الثلج والبرد عذب أو مالح.
وماء طاهر غير طهور يزيل الخبث ولا يزيل الحدث عند الحنفية كالماء المستعمل وماء النبات والورد.
وماء نجس: وهو ما وقعت فيه نجاسة غير معفو عنها بتفصيل عند المذاهب بحسب كثرة الماء أو قلته ونوع النجاسة.
ويزيد الحنفية الماء الطاهر المكروه تنزيهًا، وهو ما شربت منه الهرة ونحوها، ومشكوك في طهوريته وهو ما شرب منه حمار أو بغل.
_________________
(١) = (الطهور ماؤه): الماء الطاهر: ليس بنجس، وقد يكون مطهرًا كالماء المطلق، وغير مطهر كالماء المستعمل في طهارة الحدث، فأما الطهور فهو الطاهر المطهر، فإذا لم يكن مطهرًا، فليس بطهور، و"فعول" من أبنية المبالغة، فكان هذا الماء قد انتهى في طهارته إلى الغاية.
(٢) كشف الأستار (١/ ١٤٣، ١٤٤) كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر. مجمع الزوائد (١/ ١٢٦) وقال الهيثمي: روا البزار ورجاله رجال الصحيح.
[ ١ / ٢٦٢ ]
(انظر مراقي الفلاح (٣ - ٥) والشرح الصغير ١/ ٣٠ - ٣٦ والمهذب ١/ ٥ والفقه الإسلامي ١/ ١١٣ فما بعدها).
٣٤٠ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "قيل: يا رسول الله، إنه يُستقى لك من بئر بُضاعة، وهي بئر تُلْقَى فيها لحومُ الكلاب، وخرقُ المحائِضِ، وعُذَرُ الناس؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن الماء طهورٌ لا ينجسه شيء".
وفي رواية (١) قال: "قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بُضاعة، هي يُطرح فيها الحيضُ ولحمُ الكلاب والنتنُ؟ فقال رسول الله ﷺ: "الماء طهورٌ لا ينجسه شيء".
أخرجه أبو دود، وقال: سمعت قتيبة بن سعيدٍ قال: سألتُ قيِّمَ بئر بُضاعة عن عمقها؟ فقال: أكثرُ ما يكون الماء فيها إلى العانة، قلتُ: فإذا نقص؟ قال: دون العورة". قال أبو داود: قدرْتُ بئر بُضاعة بردائي - مددتُه عليها، ثم ذرعْتُه- فإذا عرضا: ستةُ أذرع، وسألتُ الذي فتح لي باب البُستان فأدخلني إليه: هل غُيِّرَ بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا، ورأيت فيها ماءً متغير اللون.
ومن وجهات النظر حول بئر بضاعة ما قاله صاحب إعلاء السنن بعد تعليق طويل: فقول القائل "يا رسول الله! أنتوضأ من بير بضاعة؟ وهي بير يطرح فيها لحوم الكلاب والحيض إلخ" معناه: كانت تطرح، ولكنه أبداه في صورة الحال حكاية للحال الماضية، لأجل تصويرها وإحضارها مبالغة في تهجينه والتنفير عنه، ونظيره قولك: "كنت سرت أمس حتى أدخل البلد" كما ذكره الجامي في شرح الكافية (ص ٢٨٧) وهذا لعمري توجيه حسن. وأسند البيهقي في المعرفة عن الشافعي انه قال: "كانت بير بضاعة كثيرة الماء
_________________
(١) أبو داود (١/ ١٨) كتاب الطهارة، ٣٤ - باب ما جاء في بئر بضاعة.
(٢) أبو داود (١/ ١٧) كتاب الطهارة، ٣٤ - باب ما جاء في بئر بضاعة. الترمذي (١/ ٩٥) كتاب الطهارة، ٤٩ - باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء. النسائي (١/ ١٧٤) ٢ - كتاب المياه، ١ - باب ذكر بئر بضاعة وهو حديث حسن صحيح بطرقه وشواهده. (عُذَر) العذرةُ: الغائط، والعُذَرُ جنسٌ لها، وجمعها: العذرات، وتروي الكلمة بفتح عين وكسر ذال وتروي بكسر عين وفتح ذال. الحيض: أي الخرق التي يستثفر بها النساء، واحدتها: حيضة، بكسر الحاء.
[ ١ / ٢٦٣ ]
واسعة كان يطرح فيها من الأنجاس ما لا يغير لها لونًا ولا طعمًا ولا تظهر فيها ريح" (آثار السنن ١: ٦) قلت: وهذا لا يتصور إلا بكونها أزيد من عشر في عشر لما تشاهد في الحياض الكبيرة، أنها تتغير بإلقاء النجاسة فيها سريعًا، فلابد أن كانت بئر بضاعة أوسع وأزيد من تلك الحياض، حتى أمنت التغير بإلقاء لحوم الكلاب والحيض والنتن فيها. ويؤيده أن تلك البئر قد أطلق عليها اسم الغدير عند عبد الرزاق في مصنفه (١) عن أبي سعيد الخدري بعينه: "أن النبي توضأ أو شرب من غدير كان يلقي فيه لحوم الكلاب والجيف، فذكر ذلك، فقال: إن الماء لا ينجسه شيء" كذا في كنز العمال (٥: ١٤٠) ومع الاحتمال لا يصح الاستدلال. فحديث بير بضاعة لا يصلح متمسكًا للشافعية أصلًا.
وإنما الذي اضطرنا إلى توضيح حديث بئر بضاعة وأنه لا يمكن حمله على ظاهره مطلقًا إلا أن يكون كبيرًا أو فيه ماء كثير، وأنه لا يظن بالنبي أنه كان يتوضأ من بير هذه صفته مع نزاهته وإيثاره الرائحة الطيبة ونهيه عن الامتخاط في الماء والبول في الماء الراكد فدل أن ذلك كان في الجاهلية فشك المسلمون في أمرها، فبين أنه لا أثر لذلك مع كثرة النزح) ا. هـ الإعلاء ١/ ١٧٨.
ثم ما اتفق عليه الفقهاء وأجمعوا من أحكام حول المياه وطهارتها وما ينجسها قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت للماء طعمًا أو لونًا أو رائحة، أنه نجس ما دام كذلك) فالتغير المذكور في بئر بضاعة ينبغي ألا يكون تغيرًا بنجس حتى يجوز الوضوء منه، أما إذا وقعت النجاسة في الماء فلم تغير له لونًا أو طعمًا أو ريحًا، فالعبرة عند الفقهاء لجريانه أو لكثرته، والمالكية يرون أن ما كان قدر آنية الوضوء أو الغسل فما دونهما قليل، وعندئذ فهم يحكمون بكراهة الماء فقط إذا حلت فيه نجاسة قليلة كالقطرة ولم تغيره، ولا كراهة فيما زاد على ذلك، والشافعية والحنابلة يعتبرون أن ما كان دون القُلَّتين فهو قليل ينجس إذا وقعت فيه نجاسة ولو لم تغير أحد أوصافه، والحنفية يرو أن ما كان دون عشرة أذرع في عشرة فهو قليل ينجس ولو بقطرة نجاسة، وينبغي أن يكون عمق الماء إذا بلغ عشرة في عشرة - ليعتبر كثيرًا لا تؤثر فيه النجاسة أنه لو اغترف منه المغترف لا يرى قعره، على أنهم يختلفون فيما لو كان الماء سطحه دون العشر
[ ١ / ٢٦٤ ]
ولكن كثير بحيث لو أنه صب فيما مساحته عشرة في عشرة، فإنه يملؤه بالشرط المذكور، فبعضهم يعتبره في هذه الحالة كثيرًا، وعلى هذا فبئر بضاعة متوافر فيه هذا المعنى، فهو كثير، لا تؤثر فيه نجاسة إلا إذا غيرت لونًا أو طعمًا أو رائحة.
والذراع: حوالي ستين سنتمترًا أو أكثر من ستين سنتمترًا بقليل في اصطلاحاتنا الحالية والقلتان تقدران بـ (٢٧٠) لترًا.
وحول تحديد الحنفية للكثير بعشرة أذرع في عشرة اعتراض لبعض المحدثين، قال البغوي في شرح السنة (٢/ ٥٩):
وقدَّر بعض أصحاب الرأي الماء الكثير الذي لا ينجس بأن يكون عشرة أذرع في عشرة أذرع وهذا تحديد لا يرجع إلى أصل شرعي يعتمد عليه.
وحَدَّه بعضهم بأن يكون في غدير عظيم بحيث لو حرك منه جانب لم يضطرب منه الجانب الآخر وهذا في غاية الجهالة لاختلاف أحوال المحركين في القوة والضعف) ا. هـ.
أقول: ليس الأمر كما ذكر الشيخ البغوي فإن الحنفية لم يقولوا باديء الأمر أ، هـ عشرة ف عشرة، ولا أنه بحيث لو حرك طرفه لا يتحرك الطرف الآخر.
وإنما في ظاهر الرواية يعتبر فيه رأي المبتلي، وأصح حدَّه ما لا يخلص بعضه إلى بعض في رأي المبتلي واجتهاده ولا يناظر المجتهد فيه، وكان محمد يوقت في ذلك بعشر ثم رجع إلى قول أبي حنيفة، وقال لا أوَقِّت فيه شيئًا فظاهر الرواية أولى.
ولكن منعًا للوسوسة وتوسعة على الناس قدَّره الفقهاء عشرة في عشرة أذرع فهو تيسيرٌ وإن لم يرجع إلى أصل ثم هو يعادل القلتين كما سننقل تحقيقه في كلم صاحب إعلاء السنن بعد قليل. وأما موضوع اختلاف القوة فقد ذكرنا أنها تعتبر بحسب كل شخص هو المبتلي بذلك الماء فلا اعتراض على الحنفية وليس من غايته الجهالة كما قال رحم الله.
انظر اللباب ١/ ٢١ - ٢٢.
[ ١ / ٢٦٥ ]