٤١٠ - * روى الشيخان عن ابن عباس: مر النبي ﷺ بقبرين يُعذبان، فقال: "إنهما ليُعذبان، وما يُعذبان في كبير، أما أحدهما، فكان لا يستترُ من البول، وأما الآخر، فكان يمشي بالنميمة"، ثم أخذ جريدة رطبةً، فشقها بنصفين ثم غرز في كل قبرٍ واحدة فقالوا: يا رسول الله صلى لِمَ صنعتَ هذا؟ فقال: "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا". وفي رواية (١) (لا يستبرئ) (٢) وفي أخرى (لا يستنزهُ) بدل (لا يستتر) وعلى رواية الأكثر (لا يستتر) معناه لا يجعل بينه وبين بوله سترة أي لا يتحفظ، فتوافق رواية لا يستنزه، وفي رواية (لا يتوقى) انظر شرح (السنة ١/ ٣٧٠).
قال في شرح السنة (١/ ٣٧١):
قوله: "وما يُعذبان في كبيرة" معناه: أنهما لم يُعذبا في أمر كان يكبرُ ويشقُّ عليهما الاحترازُ عنه، لأنه لم يكن يشقُّ عليهما الاستتارُ عند البول، وترك النميمة، ولم يُرِدْ أن الأمر فيهما هينٌ غيرُ كبير في أمر الدين، بدليل قوله: "وإنه لكبير".
قال شعيب:
وقد رجح هذا التفسير ابن دقيق العيد وجماعة، وقيل: المعنى: ليس بكبير في الصورة، لأن تعاطي ذلك يدل على الدناءة والحقارة، وإن كان كبيرًا في الجملة، وقيل: ليس بكبير في اعتقادهما، أو في اعتقاد المخاطبين، وهو عند الله كبير، كقوله تعالى: (ہ ھ ھ ھ ھ ے).
قال البغوي: وقوله: "لعله يُخففُ عنهما ما لم ييبسا".
_________________
(١) البخاري (٣/ ٢٤٢) ٢٣ - كتبا الجنائز، ٨٨ - باب عذاب القبر من الغيبة والبول. مسلم (١/ ٢٤٠) ٢ - كتاب الطهارة، ٣٤ - باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستراء منه.
(٢) النسائي (٤/ ١٠٦) ٢١ - كتاب الجنائز، ١١٦ - وضع الجيدة على القبر.
(٣) مسلم (١/ ٢٤١) ٢ - كتاب الطهارة، ٣٤ - باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه.
[ ١ / ٣٢٣ ]
قال أبو سليمان الخطابي: فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي ﷺ ودعائه بالتخفيف عنهما، فكأنه ﷺ عجل مُدة بقاء النداوة فيهما حدًا لما وقعت له المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطبِ معنى ليس في اليابس. ا. هـ.
أقول: وعند بعضهم مزيد عبارة يرحم بسببها من يجاوره.
٤١١ - * روى أحمد عن أبي بكرة قال: بينما النبي ﷺ يمشي بيني وبين رجل آخر إذ أتى على قبرين فقال: "إن صاحب هذين القبرين يعذبان فأتياني بجريدة" قال أبو بكر فاستبقتُ أنا وصاحبي فأتيته بجريدة فشقها نصفين فوضع في هذا القبر واحدة وفي ذا القبر واحدة قال: "لعله يخفف عنهما ما دامتا رطبتين إنهما يُعذبان بغير كبير: الغيبة والبول". وقال أحمد "وما يعذبان في كبير وبلى وما يعذبان إلا في الغيبة والنميمة والبول".
أقول: إن الاهتمام بإنقاء البول من محال الاهتمام الكبرى عند المسلمين، ولذلك يستبرئون ويستنقون، ومن المستحبات أن يبول الإنسان قعدًا لئلا يصيبه رشاش البول ويكره له البول قائمًا إلا لعذر، ومن المستحبات ألا يبول في مهبِّ الريح لئلا تعود النجاسة إليه، وكما يحتاط لبدنه يحتاط لثيابه.
٤١٢ - * روى أبو داود عن عبد الرحمن بن حسنةَ قال: (انطلقُت أن وعمرو بن العاص إلى النبي ﷺ، فخرج ومعه درقَةٌ، ثم استتر بها، ثم بال، فقلنا: انظُروا إليه يبُول كما تَبُول المرأة، فسمع ذلك، فقال، "ألم تعلموا ما لقي صاحبُ بني إسرائيل (١)؟
_________________
(١) أحمد (٥/ ٣٥، ٣٦). ابن ماجه (١/ ١٢٥) ١ - كتاب الطهارة، ٢٦ - باب التشديد في البول. مجمع الزوائد (١/ ٢٠٧) كتاب الطهارة، باب الاستنزاه من البول. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون إلا شيخ الطبراني محمد بن أحمد بن جعفر الوكيعي المصري فإني لم أعرفه.
(٢) النسائي (١/ ٢٧، ٢٨) كتاب الطهارة، ٢٦ - البول إلى السترة. أبو داود (١/ ٦) كتاب الطهارة، باب الاستبراء من البول. (الدرقةُ): الجحفة وأراد بها الترس من جلود، ليس فيه خشب والجحفةُ: التُّرْسُ. (صاحب بني إسرائيل): رجل منهم.
[ ١ / ٣٢٤ ]
كانوا إذا أصابهم البولُ قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم، فعُذب في قبره".
٤١٣ - * روى أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "عشْرٌ من الفطرة: قَصُّ الشارب، وإعفاء اللحية، والسواكُ، والاستنشاقُ، وقصُّ الأظفار، وغسلُ البراجم، ونتفُ الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء" قال مصعب: نسيتُ العاشرة، إلا أن تكون المضمضة.
قال البغوي: قوله: "من الفطرة" فسر أكثر أهل العلم "الفطرة" في هذا الحديث أنها السُّنة، وتأويله: أن هذه الخصال من سُنن الأنبياء صلوات الله عليهم الذين أُمرنا أن نقتدي بهم، وأولُ من أمر بها إبراهيم ﷺ فذلك قوله: (؟ ہ ہ ہ ہ ھ) (١).
وكُره قصُّ اللحية ا. هـ، وقد ذكر ابن الرفعة بأن الشافعي ﵁ نص على التحريم (شعيب) وغسلُ البراجم: معناه: معالجةُ المواضع التي تتسخُ فيجتمعُ فيها الوسخ بالغسل والتنظيف، وأصل البراجِم: العُقَد التي تكون في ظهور الأصابع:
وانتقاص الماء: هو الاستنجاء بالماء، وقيل: معناه: انتقصا البول بالماء، وهو أن يغسل ذكره، فإنه إذا غسل الذكر ارتد البول، ولم ينزل، فإن لم يغسل، نزل منه شيءٌ، وقيل: هو الانتضاح.
أماكن قضاء الحاجة والأماكن المنهي عنها:
أقول: حكمة الابتعاد عن الناس لقضاء الحاجة واضحة، وهي ألا يسمع الناس من قاضي الحاجة صوتًا أو يتأذوا برائحة أو يروا عورة، وهذه القضايا يحتاط لها الإنسان إذا كان منه أحد قريبًا بالقدر المستطاع، وينبغي أن يلاحظ مهندسو البناء أن يضعوا الحمامات
_________________
(١) = (قطعوا ما أصابه البول منهم) أي من الثياب. (فعذب في قبره) أي الذي نهاهم.
(٢) أحمد (٦/ ١٣٦). مسلم (١/ ٢٢٣) ٢ - كتاب الطهارة، ١٦ - باب خصال الفطرة. الترمذي (٥/ ٩١، ٩٢) ٤٤ - كتاب الأدب، ١٤ - باب ما جاء في تقليم الأظفار.
(٣) البقرة: ١٢٤.
[ ١ / ٣٢٥ ]
والمراحيض في أمكنة يسهل الوصول إليها ويراعى فيها ما ذكرناه.
٤١٤ - * روى الترمذي عن المغيرة بن شُعبة ﵁ قال: "كنتُ مع رسول الله ﷺ في سفر، فأتى النبي ﷺ حاجته، وأبعد في المذْهب".
وعند أبي داود (١) "أن النبي ﷺ كان إذا ذهب المذْهب أبْعَدَ".
وفي رواية النسائي (٢) "أن النبي ﷺ كان إذا ذهب المذْهَب أبعد، قال: فذهب لحاجته وهو في بعض أسفاره، فقال: ائتني بوضوءٍ، فتوضأ ومسح على الخفين".
٤١٥ - * روى أبو داود عن اجبر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ "كان إذا أراد البزار انطلق حتى لا يراه أحدٌ".
عن ابن عمر كان النبي ﷺ يذهب لحاجته في المغمس، قال نافع: نحو ميلين من مكة. للموصلي ورجاله ثقات من أهل الصحيح.
أقول: قال العلماء: الاستتار وعدم كشف العورة عمن يراه واجب أثناء الاستنجاء وقضاء الحاجة لحرمته والفسق به، ويمسح المخرج من تحت الثياب، وأما الحديث أثناء قضاء الحاجة مع الغير، فإذا كانت العورات مكشوفة لبعضهم بعضًا، فذلك حرام، وإن لم تكن مكشوفة فإنه مكروه، وإذا تعارض كشف العورة مع الاستنجاء يترك الاستنجاء لوقت آخر.
٤١٦ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) الترمذي (١/ ٣٢) أبواب الطهارة ١٦ - باب ما جاء أن النبي كان إذا أراد الحاجة أبعد في المذهب.
(٢) أبو داود (١/ ١) كتاب الطهارة ١ - باب التخلي عند قضاء الحاجة.
(٣) النسائي (١/ ١٨) كتاب الطهارة، ١٦ - الإبعاد عن إرادة الحاجة. إسناده حسن. (المذهب) المذهب هاهنا: موضع قضاء الحاجة، كالغائط والخلاء. والمرفق، وهو موضع الذهاب.
(٤) أبو داود (١/ ١) كتاب الطهارة ١ - باب التخلي عند قضاء الحاجة.
(٥) مسلم (١/ ٢٢٦) ٢ - كتاب الطهارة، ٢٠ - باب النهي عن التخلي في الطرق والظلال. أبو داود (١/ ٧) كتاب الطهارة - باب المواضع التي نهى النبي ﷺ عن البول فيها.
[ ١ / ٣٢٦ ]
"اتقوا اللاعنين"، قيل: "وما اللاعنان؟ قال: "الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم".
٤١٧ - * روى أبو داود عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل".
أقول: قال الفقهاء: ولا يقضي حاجة تحت شجرة مثمرة لئلا تسقط عليه الثمرة، قال الشافعية: وكذا في غير وقت الثمر، وأجازه الحنابلة في غير حال الثمر إذا لم يكن المحل يستظل به الناس ويرتفقون به.
٤١٨ - * روى أبو داود عن عبد الله بن سرجس ﵁: "أن النبي ﷺ نهى أن يُبال في الجُحْرِ".
وفي رواية النسائي (١) قال: "لا يبُولن أحدكم في جُحرٍ".
أقول: الكراهة في البول في الجحر أو الشق أو الثقب بسبب ما يحتمل أن يكون فهيا من أحياء، وبعضها قد يخرج بسبب ذلك فيؤذي.
_________________
(١) أبو داود (١/ ٧) ١ - كتاب الطهارة ١٤ - باب المواضع التي نهى النبي ﷺ عن البول فها. (اللاعنين والملاعن) الملاعن: جمع معلنة، وهي الفعلةُ التي يُلعنُ فاعلها، كأنها مظنةُ اللعنِ، كما يقال للولد: مبخلةٌ مجبنةٌ، وأما (اللاعنان) فالأمران الجالبان للعنِ، الباعثان للناس عليه، لأن ذلك سبب للعن من فعله في هذه المواضع المسماة في الحديث، فسميت لاعنة لكونها سببًا للعن، وهي المواضع المطروقة، والظلال التي يستظل بها، فاللاعن: اسم فاعل من لعن، واللعان: بناء للمبالغة، والملاعنُ: الأماكن التي تُوجب اللعن، قال الخطابي: وقوله: "والظل" إنما يريد به: المواضع التي يتخذها الناس مقيلًا ومناخًا ينزلونه، وليس كل ظل يحرمُ القعود فيه للحاجة، فإن النبي صلى الله علي وسلم قد قعد تحت حائشٍ من النخل، و"المواردُ": مجاري الماء. (البراز) بفتح الباء:: موضع قضاء الحاجة، وإنه في الأصل: الفضاء الواسع من الأرض، فكنوا به عن حاجة الإنسان، كما كنوا بالخلاء عنه، قال الخطابي: وأكثر الرواة يروونه بكسر الباء، وهو غلط، قال: وفيه من الأدب: استحباب البعد عند قضاء الحاجة. (قارعة الطريق) وسطها وأعلاها والمواضع التي يطُؤها الناس. (ابن الأثير).
(٢) أبو داود (١/ ٨) كتاب الطهارة ١٦ - باب النهي عن البول في الجُحْر.
(٣) النسائي (١/ ٣٣) كتاب الطهارة ٣٠ - باب كراهية البول في الجحر، وإسناده حسن. (الجُحْر): الثقب، وجمعه جِحَرَةٌ.
[ ١ / ٣٢٧ ]
٤١٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مغفلٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لايبولن أحدكم في مستحمه، فإن عامة الوسواس منه".
وفي رواية (١) أبي داود زيادة بعد "مستحمِّه": ثم "يغتسل فيه" وفي أخرى (٢) "ثم يتوضأ فيه " الحديث.
وزاد القزويني أنه سمع الطنافسي يقول إنما هذا في الحفيرة، وأما اليوم فمغتسلاتهم الجص والصاروج والقير فإذا بال فأرسل عليه الماء فلا بأس.
وقال ابن المبارك: قد وُسِّعَ في المُغْتَسَلِ إذا جرى فيه الماء.
٤٢٠ - * روى أبو داود عن أميمة بنت رُقيقة قالت: "كان للنبي ﷺ قدحٌ من عيدان تحت سريره يبولُ فيه من الليل".
وعند النسائي (٣) "كان للنبي ﷺ: قدح من عيدانٍ يبُول فيه، ويضعه تحت السرير".
أقول: وذلك يدل على جواز أن يفعل الإنسان ذلك في بيته على أن يتخلص منه في أقرب فرصة، ومن كلام الفقهاء: يحرم البول في مسجد ولو في إناء لأن ذلك لا يصح له.
_________________
(١) الترمذي (١/ ٣٣) أبواب الطهارة ١٧٠ باب ما جاء في كراهية البول في المغتسل. النسائي (١/ ٣٤) كتاب الطهارة - باب كراهية البول في المستحم.
(٢) أبو داود (١/ ٧) كتاب الطهارة ١٥ - باب في البول في المستحم.
(٣) أحمد (٥/ ٥٦)، وهو حسن كما قال الحافظ في "التلخيص" وصححه ابن خزيمة وقد ضعفه بعضهم. (الصاروج) النَّورة وأخلاطها، (القير): القار. (مستحمه) المستحمُّ: موضع الاستحمام، وهو الاغتسال، وسمي مستحمًا باسم الحميم، وهو الماء الحار الذي يغتسل به، وإنما يُنهى عن ذلك إذا كان المكان صُلبًا، أو لم يكن له مسلكٌ يذهب فيه البول ويسيل، فيوهم المغتسل أنه أصابه شيء من قطره ورشاشه، فيحصل منه الوسواس، [والوسواس] ما يحصل في النفس من الأحاديث والأفكار التي تزعجه، ولا تدعه يستقر على حال.
(٤) أبو داود (١/ ٧) كتاب الطهارة - باب في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده.
(٥) النسائي (١/ ٣١) كتاب الطهارة ٢٨ - باب البول في الإناء.
[ ١ / ٣٢٨ ]
٤٢١ - * روى الطبراني في الأوساط عن بكر بن ماعز قال سمعت عبد الله بن يزيد يحدثُ عن النبي ﷺ قال: "لا يُنقعُ بول في طستٍ في البيت فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول منتقعٌ ولا تبولنَّ في مغتسلك".
أقول: ولهذا الحديث قلنا إن على الإنسان أن يتخلص من البول في أقرب فرصة ونحب هاهنا أن نشير إلى موضوع مهم جدًا وهو أنه إذا تعارضت مصلحة الإنسان المباحة مع أدب الملائكة فللإنسان أن يفعل ماهو مصلحته، كأكله الثوم في بيته دون أن يؤذي أحدًا من البشر.
٤٢٢ - * روى الطبراني عن حذيفة بن أسيد أن النبي ﷺ قال: "من آذى المسلمين في طُرقهم وجبت عليه لعنتُهم".
حكم استقبال القبلة واستدبارها:
٤٢٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من لم يستقبل القِبلةَ ولم يستدبرها في الغائط كُتبتْ له حسنةٌ ومُحي عنه سيئةٌ".
٤٢٤ - * روى الشيخان عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أتيتُمُ الغائط فلا تستقبلوا القِبلةَ ولا تستدبرها، ولكن شرقوا أو غربوا"،
_________________
(١) مجمع الزوائد (١/ ٢٠٤) كتاب الطهارة، باب ما نهى عن التخلي فيه وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. (النقع): الماء الناقع وهو المجتمع.
(٢) الطبراني (٣/ ١٧٩). مجمع الزوائد (١/ ٢٠٤) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن.
(٣) مجمع الزوائد (١/ ٢٠٦) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح إلا شيخ الطبراني وشيخ شيخه وهما ثقتان.
(٤) البخاري (١/ ٤٩٨) ٨ - كتاب الصلاة، ٢٩ - باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام بالمشرق. مسلم (١/ ٢٢٤) ٢ - كتاب الطهارة، ١٧ - باب الاستطابة. أبو داود (١/ ٣) كتاب الطهارة، ٤ - باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة. الترمذي (١/ ١٣) أبواب الطهارة، ٦ - باب في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو ببول.
[ ١ / ٣٢٩ ]
قال أبو أيوب: فلما قدِمنا الشام وجدنا مراحيض قد بُنيتْ قِبَلَ القِبلةِ، فنَنْحرِف عنها ونستغفر الله ﷿".
وفي رواية (١) الموطأ: قال رافعُ بن إسحاق - مولى لآل الشفاء، وكان يقال له: مولى أبي طلحة- أنه سمع أبا أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ- وهو بمصر يقول: (والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكراييس، وقد قال رسول الله ﷺ: "إذا ذهب أحدُكم لغائطٍ أو بولٍ، فلا يستقبل القِبلة ولا يستدبرها بفرْجه؟ ".
وأخرج النسائي (٢) رواية الموطأ.
وله في أخرى (٣): أن النبي ﷺ قال: "لا تستقبلوا القِبلة، ولا تستدبروها بغائطٍ أو بولٍ ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا".
٤٢٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها".
وفي رواية أبي داود (٤) والنسائي: أن رسول الله ﷺ قال: "إنما أنا لكم بمنزلة
_________________
(١) الموطأ (١/ ١٥٣) ١٤ - كتاب القبلة، ١ - باب النهي عن استقبال القبلة والإنسان على حاجته.
(٢) النسائي (١/ ٢١) كتاب الطهارة، ١٩ - النهي عن استقبال القبلة عند لحاجة.
(٣) النسائي (١/ ٢٢) نفس الموضع. (الغائط): الموضع المنخفض من الأرض، وكان مخصوصًا بمواضع قضاء الحاجة، فسُميت الحاجة باسم مكانها مجازًا. (المراحيض): جمع مِرْحاض، وهو المغتسل ومواضع قضاء الحاجة من الرحْضِ، وهو الغسل. (الكراييس) بياءين معجمتين بنقطتين من تحت كرياس، وهو الكنيف المشرف على سطح بقناةٍ إلى الأرض، فإذا كان أسفل فليس بكرياس. (شرقوا أو غربوا) قوله: شرقوا أو غربوا، أمر لأهل المدينة، ولمن كانت قِبْلَتهُ على ذلك السمت، فأما من كانت قبلته إلى جهة الغرب أو الشرق، فإنه لا يغرِّب ولا يشرِّق ابن الأثير.
(٤) مسلم (١/ ٢٢٤) ٢ - كتاب الطهارة، ١٧ - باب الاستطابة.
(٥) أبو داود (١/ ٣) كتاب الطهارة، ٤ - باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة. النسائي (١/ ٣٨) كتاب الطهارة، ٣٦ - باب النهي عن الاستطابة بالروث.
[ ١ / ٣٣٠ ]
الوالد، أعلْمُكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القِبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه، وكان يأمرُ بثلاثة أحجارٍ، وينهى عن الرَّوْثِ والرِّمَّة".
٤٢٦ - * روى أبو داود عن مروان الأصفر قال: "رأيتُ ابن عمر أناخ راحلتهُ مستقبلَ القِبْلَة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: أبا عبد الرحمن، أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نُهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القِبْلة شيء يسْتُرُك فلا بأس".
٤٢٧ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببولٍ، فرأيته قبل أن يُقْبَضَ بعامٍ يستقبلها".
٤٢٨ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "ارْتَقَيْتُ فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيتُ النبي ﷺ يقضي حاجتهُ مستقبل الشام، مستدبر القِبْلَةِ".
وفي رواية (١) للبخاري ومسلم: "أن ابن عمر كان يقول: "إن ناسًا يقولون: إذا
_________________
(١) (يستطبْ) الاستطابةُ: الاستنجاء، لأن الرجل يُطيب نفسه بالاستنجاء من الخبث، والاستنجاء: إزالة أثر النجوة - وهو الغائط - عن بدنه، وأصله في اللغة: الذهاب إلى النجوة من الأرض لقضاء الحاجة، وهو الموضع المرتفع من الأرض، وكانوا يستترون به إذا قعدوا لقضاء الحاجة، فكنوا بها عن الحدث، كما كنوْا عنه بالغائط، وهو المطمئن من الأرض، وبالبراز، وهو الفسيح من الأرض. (الرمة) الرمة: العظم البالي، و(الروثُ) الغائط. قال الخطابي: واستثناؤه الروث والرمة مخصصا: يدل على أن أعيان الحجارة غير مخصصة بالاستنجاء دون غيرها، لأن تخصيص الروث والرمة بالاستثناء يدل على دخول ما عداهما في حكم الحجارة، وإنما ذكر الحجارة، لأنها كانت أكثر الأشياء وجودًا مما يستنجي به. (الروث) في الأصل: رجيع ذوات الحافر.
(٢) أبو داود (١/ ٣) كتاب الطهارة، ٤ - باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وهو حديث حسن.
(٣) أبو داود (١/ ٤) نفس الموضع السابق. الترمذي (١/! ٥) أبوبا الطهارة، ٧ - باب ما جاء من الرخصة في ذلك. وقال الحافظ في "التلخيص" (١/ ١٠٤) في الاحتجاج به نظر، لأنها حكاية فعل لا عموم لا، فيحتمل أن يكون لعذر، ويحتمل أن يكون من نسيان ونحوه.
(٤) البخاري (١/ ٢٥٠) ٤ - كتاب الوضوء، ١٤ - باب التبرز في البيوت. مسلم (١/ ٢٢٥) ٢ - كتب الطهارة، ١٧ - باب الاستطابة. الترمذي (١/ ١٦) أبواب الطهارة، ٧ - باب ما جاء في الرخصة في ذلك.
(٥) البخاري (١/ ٢٤٧) ٤ - كتاب الوضوء، ١٢ - باب من تبرز على لبنتين.
[ ١ / ٣٣١ ]
قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال عبد الله بن عمر: لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيتٍ لنا، فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين، مستقبل بيت المقدس لحاجته، وقال: لعلك من الذين يُصلُّون على أوراكهم؟ فقلت: لا أدري والله"، قال مالك: يعني الذي يصلي ولا يرتفع عن الأرض، يسجُد وهو لاصقٌ بالأرض.
أقول: يكره تحريمًا عند الحنفية: استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة ولو في البنيان، وقال الجمهور غير الحنفية: لا يكره ذلك في المكان المُعَدِّ لقضاء الحاجة، ويحرم استقبالها واستدبارها في البناء غير المعد لقضاء الحاجة وفي الصحراء بدون ساتر مرتفع بقدر ثلثي ذراع تقريبًا فأكثر، ولا يبعد عنه أكثر من ثلاثة أذرع، ويكره استقبال عين الشمس والقمر بفرجه، ومما ينبغي أن يراعيه المسلم في بنائه أن لا يجعل المراحيض مستقبلة أو مستدبرة القبلة مراعاة للوارد في ذلك، ولفهم الحنفية في هذا الشأن، فالخروج من الخلاف حيث لا يترتب عليه ضرر أو مكروه عند الآخرين مستحب لدى العلماء.
(انظر الدر المختار ١/ ٢٢٨ والشرح الصغير ١/ ٩٣ والمغني ١/ ١٦٢ - ١٦٣).
حكم البول قائمًا:
٤٢٩ - * روى الشيخان عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "كنتُ مع النبي ﷺ، فانتهى إلى سُباطةِ قومٍ، فبال قائمًا، فتنحيتُ، فقال: "ادْنُهْ"، فدنوتُ حتى كنت عند عقبيه، فتوضأ، ومسح على خفيه".
وفي رواية (١) عن أبي وائل قال: "كان أبو موسى يُشددُ في البول ويبول في قارورة،
_________________
(١) = ومسلم الموضع السابق.
(٢) البخاري (١/ ٣٢٨) ٤ - كتاب الوضوء، ٦٠ - باب البول قائمًا وقاعدًا، ٦١ - باب البول عند صاحبه والتستر بالحائط، (٥ - ١١٧) ٤٦ - كتاب المظالم، ٢٧ - باب الوقوف والبول عند سباطة القوم. مسلم (١/ ٢٢٨) ٢ - كتاب الطهارة، ٢٢ - باب المسح على الخفين.
(٣) مسلم، نفس الموضع السابق. (ادْنه) أمرٌ بالدنو، والهاء فيه للسكت. (انتبذت) الانتباذ: الانفراد والاعتزال ناحية. (سباطة) السباطة: الكناسة والزبالة.
[ ١ / ٣٣٢ ]
ويقول: إن بني إسرائيل كانت إذا أصاب جلدَ أحدهم بولٌ قرضه بالمقاريض، فقال حذيفة: لوددتُ أن صاحبكم لا يُشدد هذا التشديد، فلقد رأيتُني أنا ورسول الله ﷺ نتماشى، فأتى سُباطة قومس خلف حائطٍ، فقام كما يقوم أحدكم، فبال فانتبذْتُ منه، فأشار إليَّ، فجئتُ، فقمتُ عند عقبه ﷺ، حتى فرغ".
قال الخطابيُّ: سبب بوله قائمًا: إما مرض اضطره إليه، كما قد روي "أنه ﷺ بال قائمًا من وجعٍ كان بمأبضْيه" والمأبِض: باطن الركبة، وقيل: للتداوي من وجع الصلب، فإنهم كانوا يتداوون بذلك من وجع أصلابهم، أو أن المكان اضطرَّه إليه، لأنه لم يجدْ للقعود سبيلًا، وفيه أن مُدافعة البول مكروهة، لأنه صلى الله لعيه وسلم (بال قائمًا، في السباطة) ولم يؤخرْ ذلك، وأما إدناؤه [حذيفة] إليه مع إبعاده عند الحاجة، فلأن السباطة إنما تكون في أفنية الناس، ولا تخلو من لمار، فأدناه إليه ليستتر به. (ابن الأثير).
٤٣٠ - * روى مالك عن نافع - مولى ابن عمر - ﵃ قال: "رأيتُ ابن عمر يبُولُ قائمًا".
قال الحافظ في الفتح:
أقول: إن السنة شبه الدائمة لرسول الله ﷺ البول قاعدًا، وبذلك استحب العلماء للإنسان أن يبول قاعدًا إلا لعذر.
٤٣١ - * روى الترمذي عن عائشة قالت: "من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه".
_________________
(١) الموطأ (١/ ٦٥) ٢ - كتاب الطهارة، ٣١ - باب ما جاء في البول قائمًا وغيره. قال الحافظ في "الفتح": (١/ ٢٨٥) قد ثبت عن عمر وعليّ وزيد بن ثابت وغيرهم أنهم بالوا قيامًا وهو دال على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش، والله أعلم، ولم يثبت عن النبي ﷺ في النهي عنه شيء.
(٢) الترمذي (١/ ١٧) أبواب الطهارة، ٨ - باب ما جاء في النهي عن البول قائمًا. النسائي (١/ ٢٦) كتاب الطهارة، ٢٥ - باب البول في البيت جالسًا. ابن ماجه (١/ ١١٢) ١ - كتاب الطهارة وسننها، ١٤ - باب في البول قاعدًا. قال محقق شرح السنة (١/ ٣٨٧). "وفيه شريك بن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ، لكن تابعه سفيان عند أحمد ٦/ ١٣٦، ١٩٢ وإسناده صحيح، وروى البزار بسند صحيح من حديث بريدة مرفوعًا "من الجفاء أن بول الرجل قائمًا".
[ ١ / ٣٣٣ ]