من سنته ﵊ في الدعوة والنصح والموعظة
٢٢٨ - * روى الشيخان عن ابن عمر ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، الإمام راعٍ ومسئولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسئولٌ عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولةٌ عن رعيتها، والخادمُ راعٍ في مال سيده ومسئولٌ عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسئولٌ عن رعيته".
٢٢٩ - * روى الشيخان عن عليٍّ ﵁ قال: كنا في جنازةٍ في بيقعِ الغرْقَدِ، فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حولَهُ، ومعه مخصرةٌ فنكس وجعل ينكُتُ بمخصرتِه ثم قال: "ما منكم من أحد إلا وقد كُتبَ مقعدهُ من النار ومقعده من الجنة، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكِلُ على كتابنا؟ فقال: اعملوا فكلٌ ميسرٌ لما خُلقَ له. وذكر تمام الحديث".
٢٣٠ - * روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهلٍ فقالوا: إن ابن أخيك يشتمُ آلهتنا ويفعلُ ويفعل ويقول ويقولُ فلو بعثت إليه فنهيتهُ، فبعث إليه فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدرُ مجلس رجلٍ قال: فخشي أبو جهل لعنه الله إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرقَّ له عليه فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجدْ رسول الله ﷺ مجلسًا قُربَ عمه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب: أي ابن أخي! ما لقومك يشكونك؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول، قال: وأكثروا عليه من القول، وتكلم رسول الله ﷺ فقال (١):
_________________
(١) البخاري (٥/ ١٧٨) ٤٩ - كتاب العتق، ١٧ - باب كراهية التطاول على الرقيق. مسلم (٣/ ١٤٥٩) ٣٣ - كتاب الإمارة، ٥٠ - باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر.
(٢) البخاري (١١/ ٤٩٤) ٨٢ - كتاب القدر، ٤ - باب وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. مسلم (٤/ ٢٠٣٩) ٤٦ - كتاب القدر، ١ - باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه.
(٣) أحمد (١/ ٢٢٧، ٣٦٢) الترمذي (٥/ ٣٦٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، ٣٩ - باب من سورة "ص"، وقال الترمذي: حديث حسن. الحاكم (٢/ ٤٣٢) بمعناه، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح.
[ ١ / ١٧١ ]
"يا عم! إني أريدُهم على كلمةٍ واحدة يقولونها تدين لهم بها العربُ وتؤدي إليهم بها العجمُ الجزية، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القومُ: كلمةً واحدةً نعم أيبك عشرًا، فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب: وأيُّ كلمةٍ هي يا ابن أخي؟ قال ﷺ: "لا إله إلا الله"، فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: "أجعلَ الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عُجاب"، قال: ونزلت من هذا الموضوع -إلى قوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ (١).
٢٣١ - * روى البخاري عن ابن المسيب عن أبيه أن أبا طالب لما حضرته الوفاةْ دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهلٍ فقال: "أي عم! قل: "لا إله إلا الله" كلمةً أحاجُّ لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالبٍ! أترغبُ عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخِرَ ما كلمهم به: على ملة عبد المطلب؛ فقال النبي ﷺ: "لأستغفرنَّ لك ما لم أنه عنك"، فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢) ونزلت ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (٣).
٢٣٢ - * روى أحمد عن عدي بن حاتم قال: جاءت خيلُ رسول الله ﷺ وأنا بعقربٍ فأخذوا عمتي وناسًا، فلما أتوا بهم رسول الله ﷺ قال: "فصُفُّوا له". قالت: يا رسول الله! بان الوافد وانقطع الولد وأنا عجوزٌ كبيرةٌ ما بي من خدمة فُمنَّ عليَّ مَنَّ الله عليك، فقال: "ومن وافدُك؟ " قالت: عديُّ بن حاتمٍ، قال: "الذي فر من الله ورسوله؟ " قالت فمُنَّ عليَّ، فلما رجع ورجلٌ إلى جنبه - نرى أنه عليٌّ- قال: "سليه حُملانًا"، قال: فسألته فأمر لها. قال عديٌّ: فأتتني فقالت: لقد فعلت فعلةً ما كان
_________________
(١) ص: ٥: ٨.
(٢) البخاري (٧/ ١٩٣) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار، ٤٠ - باب قصة أبي طالب.
(٣) التوبة: ١١٣.
(٤) القصص: ٥٦.
(٥) أحمد (٤/ ٣٧٨). الترمذي (٥/ ٢٠١) ٤٨ - كتب تفسير القرآن، ٢ - باب "ومن سورة الفاتحة" وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك. وقال ابن كثير في التفسير: وقد روي حديث عدي هذا من طرق وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها. (الحُمْلان): مصدر حمل يحمل حُملانا: ما يركب عليه.
[ ١ / ١٧٢ ]
أبوك يفعلها وقالت: ايته راغبًا أو راهبًا فقد أتاه فلانٌ فأصاب منه وأتاه فلانٌ فأصاب منه، قال: فأتيته فإذا عنده امرأةٌ وصبيانِ - أو صبي - فذكر قربهم منه، فعرفتُ أنه ليس مُلك كسرى وقيصر. فقال له: يا عديُّ بن حاتم! ما أفرَك؟ أفرَّك أن يقال: "لا إله إلا الله؟ ما أفرك؟ أفرك أن يقال: "الله أكبر"، فهل شيءٌ هو أكبر من الله ﷿؟ فأسلمتُ فرأيتُ وجهه استبشر وقال: إن المغضوب عليهم اليهودُ، وإن الضالين النصارى. قال: ثم سألوه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فلكم أيها الناس! أن تَرْضخوا من الفضل، ارتضخ امرؤٌ بصاعٍ، ببعض صاعٍ، بقبضةٍ، ببعض قبضةٍ - قال شعبة: وأكثر علمي أنه قال: بتمرة بشق تمرة - وإن أحدكم لاقى الله فقائلٌ ما أقول: ألم أجعلك سميعًا بصيرًا؟ ألم أجعل لك ما لا وولدًا؟ فماذا قدمتَ؟ فينظرُ من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يجدُ شيئًا، فما يتقي النار إلا بوجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرةٍ فإن لم تجدوه فبكلمة لينةٍ، إني لا أخشى عليكم الفاقة لينصرنَّكم الله وليعطينكم - أو ليفتحن عليكم - حتى تسير الظعينةُ بين الحيرة ويثرب، إن أكثر ما يُخاف السرقُ على ظعينتها.
قال ابن كثير في التفسير: وقد روي حديث عدي هذا من طرق وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها.
٢٣٣ - * روى ابن عبد البر عن معاوية بن حيدة القُشيري قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! ما أتيتك حتى حلفتُ أكثر من عدد الأنامل - وطبقَ بين كفيه إحداهما على الأخرى - أن لا آتيك ولا آتي دينك أمرًا لا أعقلُ شيئًا إلا ما علمني الله، وإني أسألك بوجه الله العظيم بم بعثك ربُّنا إلينا؟ قال: "بدين الإسلام، قال: وما دينُ الإسلام؟ قال أن تقول: أسلمتُ وجهي لله وتخليتُ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وكل مسلمٍ على كل مسلم محرمٌ أخوان نصيران، لا يقبل الله ممن أشرك بعد ما أسلم عملًا حتى يُفارق المشركين، ما لي أمسكُ بحُجَزِكم عن النار! ألا! وإن ربي داعيَّ وإنه سائل هل بلغت عبادي؟ فأقولُ: ربّ! قد بلغتُ، ألا (١)!
_________________
(١) = (أن ترضخوا): أن تعطوا. (السِّرَق): أي السرقة.
(٢) ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٣٢٣) وصححه.
[ ١ / ١٧٣ ]
فليبلغ شاهدكم غائبكم، ألا! ثم إنكم تُدعون مقدمةً أفواهكم بالقدام، ثم إن أوَّل شيء يُنبيء عن أحدكم لفخذهُ وكفُّهُ، قال: قلتُ: يا رسول الله! هذا ديننا؟ قال: هذا دينك وأينما تُحسن يكفكَ".
٢٣٤ - * روى أحمد عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ لما نزل الحِجْرَ في غزوة تبوك قام فخطب الناس فقال: "يا أيها الناسُ! لاتسألوا نبيكم عن الآيات! هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم ناقةً، ففعل، فكانت ترِدُ من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم وردها ويحلبون من لبنها مثل الذي كانوا يُصيبون عن غِبِّها ثم تصدرُ من هذا الفج فعقروها، فأجَّلهم الله ثلاثة أيامٍ - وكان وعد الله غير مكذوبٍ - ثم جاءتهم الصيحة فأهلك الله من كان منهم بين السماء والأرض إلا رجلًا كان في حرم الله فمنعه حرم الله من عذاب الله؛ قيل: يا رسول الله! من هو؟ قال: أبو رِغالٍ".
٢٣٥ - * روى مسلم عن معاوية بن الحكم السُّلَمي ﵁ قال: بينا أنا أُصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجلٌ من القوم، فقلت: يرحمُك الله، فرماني القومُ بأبصارهم، فقلت: واثكل أماهُ!! ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمتونني لكني سكتُّ، فلما صلى رسول الله ﷺ - فبأبي هو وأمي، ما رأيتُ معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه - فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني ثم قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس (١)، إنما هي التسبيحُ
_________________
(١) = (مقدمة أفواهُكم بالفِدام): هو ما يشد على فم أبريق وكوز من خرقة لتصفية الشراب، أي يمنعون من الكلام بأفواههم حتى تتكلم جوارحهم.
(٢) كشف الأستار (٢/ ٣٥٦) باب غزوة تبوك. مجمع الزوائد (٦/ ١٩٤) وقال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط، وأحمد بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح. (الفج): الطريق الواسع. (الغب): من إيراد الإبل أي أن ترد الماء يومًا وتدعه يومًا ثم تعود. (عقروها): نحروها، وأصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم.
(٣) مسلم (١/ ٣٨١) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٧ - باب تحريم الكلام في الصلاة. (الشكل): بضم الثاء المثلثة المصيبة والفجيعة. (ما كهرني): أي ما نهرني.
[ ١ / ١٧٤ ]
والتكبيرُ، وقراءةُ القرآن"، أو كما قال رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالًا يأتون الكُهَّانَ، قال: "فلا تأتهم"، قلت: ومنا رجالٌ يتطيرون، قال: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنَّهم".
* * *
[ ١ / ١٧٥ ]
العبادات في الإسلام