في
صلاة الصبي
٣٢٣ - * روى أبو داود عن سبْرَة بن معبد الجُهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "مُرُوا الصبيَّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها" وفي رواية (١) قال: "علموا الصبيَّ الصلاة ابن سبعٍ، واضربوه عليها ابن عشرٍ".
أقول: يجب على أولياء الصبي أن يؤهلوه للقيام بالتكليف بعد البلوغ، وذلك يقتضي منهم تعليمه وتأديبه وتعويده على مكارم الأخلاق وترك مساوئها، كما يقتضي تحديد وجهته في أموره الدنيوية على مقتضى الشريعة، فيدرب أو يوجه إلى ما يناسبه من مهنة أو حرفة، وبالنسبة للصلاة فقد حدد الحديث السن التي يجب الأمر فيها بالصلاة وتعليمها، أما ما قبل هذا السن فيندب لأوليائه أن يأمروه ويعلموه، فإذا بلغ عشرًا فعلى أوليائه ألا يكتفوا بالأمر بل يزيدوا على ذلك الضرب بيد لا بخشبة ونحوها، إذا لم يصل، وإذا لم يكن لليتيم ولي يرعاه فعلى وصيه وجيرانه ومن يعرفه أن يولوا توجيهه وتعليمه بالقدر الممكن له، وما يقال في حق الذكور، يقال في حق الإناث ويتولى النساء - حال فقد الأولياء - أمر التوجيه والتعليم لهن ولا حرج على الرجال أن يؤدبوا، إذا أُمِنت الفتنة ولم يوجد محظور.
٣٢٤ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبعٍ، واضربوهم عليها وهم أبناءُ عشرٍ، وفرِّقُوا بينهم في المضاجع". زاد في رواية (٢) "وإذا زوَّجَ أحدُكم خادِمَهُ
_________________
(١) أبو داود (١/ ١٣٣) كتاب الصلاة، ٢٥ - باب متى يؤمر الغلام بالصلاة.
(٢) الترمذي (٢/ ٢٥٩) أبواب الصلاة، ٢٩٩ - باب ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة. قال حديث حسن صحيح.
(٣) أبو داود (١/ ١٣٣) كتاب الصلاة، ٢٥ - باب متى يؤمر الغلام بالصلاة.
(٤) الرواية في أبي داود في نفس الموضع. (وفرقوا بينهم في المضاجع) أراد بالتفريق بين الذكور والإناث من الأولاد عند النوم، لقربهم البلوغ.
[ ١ / ٢٣٧ ]
= عبدهُ أو أجيرهُ - فلا ينظرُ إلى ما دون السُّرةِ وفوق الرُّكبة".
أقول: الأصل: أن الأمة بالنسبة لسيدها كالزوجة في جواز النظر والاستمتاع، فإذا زوّج السيد أمته لأحد، فإن الحديث يحظر عليه أن يرى ما بين السرة والركبة.
٣٢٥ - * روى أبو داود عن معاذ بن عبد الله بن خُبيبٍ الجُهني قال راويه-[هشامُ بن سعدٍ]-: "دخلنا عليه، فقال لامرأته: متى يُصلِّي الصبيُّ؟ قالتْ: نعم كان رجل منا يذكر عن رسول الله ﷺ: أنه سئل عن ذلك؟ فقال: "إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة".
أقول: هذا الحديث محمول على الندب، والأمر بالصلاة لسبع محمول على الوجوب.
٣٢٦ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "عرضني رسول الله ﷺ يوم أُحُدٍ وأنا ابن أربع عشرة، فلم يُجزْني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني" قال نافع: "فقدمتُ على عمر بن عبد العزيز وهو خليفةٌ، فحدثته هذا الحديث، فقال: إن هذا لحدُّ ما بين الصغير والكبير، فكتب إلى عُمَّاله: أن يفرضُوا لمن بلغ خمس عشرة سنة، وما كان دون ذلك فاجعلوه في العيال". وانتهت رواية أبي داود والنسائي عند قوله: "فأجازني". وزاد أبو داود في رواية أخرى نحو ما بقي من الحديث.
أقول: إن بلوغ الصبي مبلغ الرجال، وبلوغ الفتاة مبلغ النساء هو الذي ينقلهما إلى طور التكليف، فلا يحاسبان على ما يفعلانه قبل البلوغ، والبلوغ بالنسبة للمرأة يكون بالحيض أو بالحبل أو بالاحتلام، فإذا لم يكن شيء من ذلك (١)، فمتى بلغت الخامسة عشرة
_________________
(١) أبو داود (١/ ١٣٤) كتاب الصلاة، ٢٥ - باب متى يؤمر الغلام بالصلاة.
(٢) البخاري (٥/ ٢٧٦) ٥٢ - كتاب الشهادات ١٨ - باب بلوغ الصبيان وشهادتهم. مسلم (٣/ ١٤٩٠) ٣٣ - كتاب الإمارة، ٢٣ - باب بيان سن البلوغ. الترمذي (٤/ ٢١١) ٢٤ - كتاب الجهاد، ٣١ - باب ما جاء في حد بلوغ الرجل ومتى يفرض له. وقال حديث حسن صحيح غريب من حديث سفيان الثوري. النسائي (٦/ ١٥٥) ٢٧ - كتاب الطلاق، ٢٠ - باب متى يقع طلاق الصبي. أبو داود (٣/ ١٣٧) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب متى يفرض للرجل في المقاتلة.
[ ١ / ٢٣٨ ]
سنة قمرية يحكم لها بالبلوغ، وأما الذكر فبلوغه بالاحتلام، أو بالإنزال فإذا لم يكن شيء من ذلك، فمتى بلغ الخامسة عشرة سنة قمرية، ولما كانت بعض القضايا تخفي، ويمكن أن يكون فيها دعوى، فإن السن ف حق الغير أو في بعض الأعمال هي الفيصل.
٣٢٧ - * روى ابن خزيمة عن حَرْمَلة بن عبد العزيز عن عمه عبد الملك بن الربيع عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: "علِّموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين، واضربوه عليها ابن عشرٍ".
قال البغوي في شرح السنة ٢/ ٤٠٧ حول هذه الأحاديث.
وفي الحديث دليل على أن صلاة الصبي بعدما عقلَ صحيحة، واختلف أهل العلم في صحة إسلامه، فذهب قوم إلى أنه لا يصحُّ إسلامهُ، كما لا يصح شيء من تصرفاته وعقوده، وهو قول الشافعي.
وذهب قوم إلى صحة إسلامه، وهو قول الحسن، وبه قال أصحاب الرأي، وقالوا: لو ارتد لا يُحكمُ بكفره.
ولو أدى الفرض في أوَّلِ الوقت قبل البلوغ، ثم بلغ والوقتُ باقٍ اختلفوا في وجوب الإعادة عليه، وهو قول أصحاب الرأي، فأوجب بعضهم الإعادة، وهو قول أصحاب الرأي، ولم يوجب بعضهم، وهو ظاهرُ قول الشافعي.
قال الشافعي، على الآباء والأمهات أن يؤدبُوا أولادهم ويعلموهم الطهارة والصلاة، ويضربوهم على ذلك إذا عقلوا، فمن احتلم أو حاض، أو استكمل خمس عشرة، لزمه الفرضُ.
وروى عن ابن عباس أنه قيد عكرمةَ على تعليم القرآن والسنن والفرائض.
قال ابن عمر: أدِّب ابنك فإنك مسؤول عن ولدك ماذا علمْتَهُ، وهو مسؤول عن بِرِّك وطواعيته لك.
_________________
(١) ابن خزيمة (٢/ ١٠٢) جماع أبواب الفريضة، ٤٠٢ - باب أمر الصبيان بالصلاة وضربهم على تركها .. إلخ.
[ ١ / ٢٣٩ ]
قلت [أي البغوي]: وقد قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (١) وفي تعليمهم أحكام الدين، وشرائع الإسلام قيام بحفظهم عن عذاب النار، وقال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٢) وإثني على إسماعيل ﷺ بها. فقال ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ (٣).
وقيل: أراد بالأهل: جميع أمته، وكذلك أهلُ نبي أمته.
ورُوي عن علي في قوله: (قوا أنفسكم وأهليكم نارًا).
قال علموهم، أدبوهم، وعن ابن عباس مثله، ا. هـ.
٣٢٨ - * روى البخاري عن ابن عباس، قال: مرّ عليُّ بن أبي طالب بمجنونة بني فلان قد زنت، أمر عمر برجمها. فرجَّعَها عليٌّ وقال لعمر: يا أمير المؤمنين ترجُم هذه؟ قال: نعم. قال: أو ما تذكر أن رسول الله ﷺ قال: "رُفِع القلمُ عن ثلاثٍ، عن المجنون المغلوب على عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم".
قال صدقت فخلَّي عنها.
_________________
(١) التحريم: ٦.
(٢) طه: ١٣٢.
(٣) مريم: ٥٥.
(٤) البخاري (١٢/ ١٢٠) ٨٦ - كتاب الحدود، ٢٢ - باب لا يرجم المجنون والمجنونة.
[ ١ / ٢٤٠ ]