في الدعوة إلى الخير قولًا وعملًا وفي النصيحة
٢١٨ - * أخرج أحمد والطبراني عن تميم الداريِّ ضضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ، ولا وبرٍ إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيزٍ أو بذل ذليلٍ عزًا يُعزُّ الله به الإسلام وأهله وذُلًا يُذلُّ الله به الكفر" وكان تميم الداري يقول: عرفتُ ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذل والصغار والجزية.
أقول: هذه بشارة من رسول الله ﷺ بانتصار عالمي للإسلام وأرجو أن يكون ما نحن فيه مقدمة لذلك، فليترك المسلم اليأس والقنوط وليباشر الدعوة إلى الله فلعله يكون شريكًا في هذا الخير.
٢١٩ - * روى مسلم عن أبي مسعودٍ عقبة بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله".
٢٢٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا".
٢٢١ - * روى الشيخان عن أبي العباس سهل بن سعدٍ الساعدي ﵁، أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر (١): "لأعطينَّ هذه الراية غدًا رجلًا يفتحُ الله على
_________________
(١) أحمد (٤/ ١٠٣). الطبراني "المعجم الكبير" (٢/ ٥٨). مجمع الزوائد (٦/ ١٤) وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٢) مسلم (٣/ ١٥٠٦) ٣٣ - كتاب الإمارة، ٣٨ - باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره.
(٣) مسلم (٤/ ٢٠٦٠) ٤٧ - كتاب العلم، ٦ - باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة.
[ ١ / ١٦٥ ]
يديه، يُحبُّ الله ورسوله، ويحبهُ الله ورسوله، فبات الناس يدُوكون ليلتهم أيهم يُعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يُعطاها، فقال: أين عليُّ بن أبي طالب؟ فقيل: يا رسول الله!! هو يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأُتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، ودعا له، فبرئ حتى كأن لم يكن به وجعٌ، فأعطاه الراية، فقال عليُّ ﵁ يا رسول الله هل أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذْ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعُهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجبُ عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يَهْديَ الله بك رجلًا واحدًا خرٌ لك من حُمْرِ النعم".
٢٢٢ - * روى الشيخان عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليس من نفسٍ تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفلٌ من دمها؛ لأنه كان أول من سن القتل".
المقصود بابن آدم الأول قابيل لأنه أول من سن القتل بقتله أخيه هابيل والكفل: النصيب والحظ أي سينال نصيبه من الظلم كلما قتلت نفسٌ ظلمًا.
٢٢٣ - * روى مسلم عن أبي عمرو جرير بن عبد الله ﵁ قال: كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ، فجاء قومٌ عُراةٌ مُجتابي النِّمار -أو العباءِ - متقلدي السيوف،
[ ١ / ١٦٦ ]
عامتهم بل كلهم من مُضر؛ فتمعَّر وجه رسول الله ﷺ لما رأى منهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فمر بلالًا فأذن وأقام، ثم صلى ثم خطب فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١)، والآية الأخرى التي في آخر الحشر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (٢) "تصدق رجلٌ من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بُرِّه من صاع تمره"، حتى قال ولو بشق تمرةٍ، فجاء رجلٌ من الأنصار بصُرةٍ كادت كفهُ تعجز عنها - بل قد عجزت - ثم تتابع الناس، حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه ولم يتهلل كأنه مُذهبة. فقال رسول الله ﷺ: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سن في الإسلام سنةٌ سيئةً كان عليه وزرها ووزرهُ من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".
٢٢٤ - * روى مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من سن سُنة خيرٍ فاتُّبع عليها، فله أجره ومثل أجور من اتبعه، غير منقوصٍ من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة شرٍّ، فاتُّبع عليها، كان عليه وزره ومثل أوزار من اتبعه، غير منقوصٍ من أوزارهم شيئًا.
٢٢٥ - * روى مسلم عن تميم الداريِّ ﵁ أن رسول الله صلى الله لعيه وسلم قال: "إنَّ
_________________
(١) = ومعنى (مُجتابين) لابسيها قد خرَّقوها في رءُوسهم. (والجوْبُ) القطع. ومنه قول تعالى: (وثمود الذين جابوا الصخر بالواد) أي نحتوه وقطعوه. وقوله (تمعر) هو بالعين المهملة أي تغر. وقوله: (رأيت كومين) بفتح الكاف وضمها، أي صُبرتين. وقوله: (كأنه مُذهبة) هو بالذال المعجمة وفتح الهاء والباء الموحدة، قاله القاضي عياض وغيره، وصحفه بعضهم فقال: (مدهنة) هو بدال مهملة وضم الميم وبالنون، وكذا ضبطه الحميدي، والصحيح المشهور هو الأول، والمراد به على الوجهين الصفاء والاستنار. [النووي في الرياض].
(٢) النساء: ١.
(٣) الحشر: ١٨.
(٤) مسلم (٤/ ٢٠٥٩) ٤٧ - كتاب العلم، ٦ - باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة. الترمذي (٥/ ٢٠٥٩) ٤٢ - كتاب العلم، ١٥ - باب ما جاء فيمن دعا إلى هدى فاتبع أو ضلالة. وقال حديث حسن صحيح.
(٥) مسلم (١/ ٧٤) ١ - كتاب الإيمان، ٢٣ - باب بيان أن الدين النصيحة.
[ ١ / ١٦٧ ]
الدِّينَ النصيحةُ، قلنا: لِمَنْ يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم".
وعند النسائي (١) قال: قال رسول الله ﷺ: "إنما الدينَ النصيحةُ، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم".
وفي رواية (٢) أبي داود قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الدين النصيحةُ، إن الدين النصيحةُ، إن الدين النصيحةُ، قالوا: لمنْ يا رسول الله؟ قال: لله ﷿، وكتابه، ورسوله، وأئمة المؤمنين وعامتهم، أو أئمة المسلمين وعامتهم".
ومما جاء في شرح النووي على صحيح مسلم حول هذا الحديث:
(الدين النصيحة) قال الإمام أبو سليمان الخطابي ﵀: النصيحة كلمة جامعة. معناها حيازة الحظ للمنصوح له. ومعنى الحديث: عماد الدين وقوامه النصيحة. كقوله "الحج عرفة" أي عماده ومعظمه عرفة.
(لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) أما النصيحة لله تعالى فمعناها منصرف إلى الإيمان به ونفي الشريك عنه. وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه نفسه. فالله ﷾ غني عن نصح الناصح. وأما النصيحة لكتابه ﷾ فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق، والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه. وأما النصيحة لرسول الله ﷺ فتصديقه على الرسالة والإيمان بجميع ما جاء به. وأما النصيحة لأئمة المسلمين فمعاونتهم على لاحق وطاعتهم فيه وأمرهم به. والمراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقومون بأمور المسلمين من أصحاب الولايات. وأما نصيحة عامة المسلمين، وهم من عدا ولاة الأمور، فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم. (شرح النووي ٢/ ٣٨).
٢٢٦ - * روى الشيخان عن جرير بن عبد الله ﵁ قال زياد بن علاقة:
_________________
(١) النسائي (٧/ ١٥٦، ١٥٧) ٣١ - النصيحة للإمام.
(٢) أبو داود (٤/ ٢٨٦) ٦٨ - باب في النصيحة.
(٣) البخاري (١٣/ ١٩٣) ٩٣ - كتاب الأحكام، ٤٣ - باب كيف يبايع الإمام الناس.
[ ١ / ١٦٨ ]
سمعت جرير بن عبد الله [البجلي] يقول- يوم مات المغيرة بن شعبة-: "قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: عليكم باتقاء الله وحدهُ لا شريك له، والوقار والسكينة، حتى يأتيكم أميرٌ، فإنما يأتيكم الآن، ثم قال: استعفوا لأميركم، فإنه كان يُحبُّ العفو، ثم قال: أما بعدُ، فإني أتيتُ رسول الله ﷺ، فقلت: أبايعك على الإسلام، فشرط عليَّ: والنُّصُحَ لكل مسلم، فبايعته على هذا، ورب هذا المسجد، إني لكم لناصحٌ، ثم استغفر ونزل".
وفي رواية (١) لهما: قال جرير: "بايعتُ رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلمٍ".
وفي رواية (٢) النسائي قال: "بايعتُ رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، وأن أنصح لكل مسلمٍ".
وفي أخرى (٣): "بايعت النبي ﷺ على النصح لكل مسلمٍ".
وفي أخرى (٤) قال: أتيتُ رسول الله ﷺ، فقلت: أبايعك على السمع والطاعة فيما أحببتُ وكرهتُ، قال النبي ﷺ: أو تستطيعُ ذلك يا جرير؟ أو تطيقُ ذلك؟ قال: قل: فيما استطعتُ، فبايعني، والنُّصح لكل مسلمٍ".
وفي أخرى (٥) قال: "أتيتُ رسول الله ﷺ وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله، ابسُطْ دك حتى أبايعك، واشترط عليَّ، وأنت أعلمُ، قال: أبايعُك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين".
وأخرج الرواية الثانية، وزاد فيها "وعلى فراق المشرك".
_________________
(١) = مسلم (١/ ٧٥) ١ - كتاب الإيمان، ٢٣ - باب بيان أن الدين النصيحة.
(٢) مسلم (١/ ٧٥) ١ - كتاب الإيمان، ٢٣ - باب بيان أن الدين النصيحة.
(٣) النسائي (٧/ ١٤٠) البيعة على النصح لكل مسلم.
(٤) نفس الموضع السابق.
(٥) نفس الموضع السابق.
(٦) نفس الموضع السابق.
[ ١ / ١٦٩ ]
٢٢٧ - * روى الشيخان عن أبي يعلي معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعيةً يموتُ يوم يموتُ وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة".
وفي رواية (١): "فلم يحُطها بنصيحةٍ لم يجد رائحة الجنة".
وفي رواية (٢) لمسلم: "ما من أميرٍ يلي أمور المسلمين ثم لا يجهدُ لهم وينصحُ لهم إلا لم يدخلْ معهم الجنة".
* * *
_________________
(١) البخاري (١٣/ ١٢٧) ٩٣ - كتاب الأحكام، ٨ - باب من استرعى رعية فلم ينصح لها.
(٢) هذه الرواية في نفس الموضع السابق. مسلم (١/ ١٢٥) ١ - كتاب الإيمان، ٦٣ - باب استحقاق الوالي الفاسق لرعيته النار.
(٣) مسلم ص ١٢٦.
[ ١ / ١٧٠ ]