في: الترغيب في سماع الحديث وتبليغه
٥٢ - * روى أبو داود عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "نضَّر الله أمرأ سمع منا شيئًا فبلغهُ كما سمعهُ فرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامعٍ".
٥٣ - * روى ابن حبان عن زيدٍ بن ثابتٍ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "نضر الله أمرأ سمع منا حديثًا فبلغَهُ غيرهُ فرُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيهٍ ثلاثٌ: لا يغُلُّ عليهنَّ قلبُ مسلمٍ: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ وُلاةِ الأمر ولزومُ الجماعةِ، فإن دعوتهُمْ تحُوطُ من وراءهمْ ومنْ كانت الدنيا نيتهُ فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدُّنيا إلا ما كُتب له، ومنْ كانت الآخرةُ نيتهُ جمع الله أمرهُ
_________________
(١) أبو داود (٣/ ٣٢٢) كتاب العلم - باب فضل نشر العلم. الترمذي (٥/ ٣٤) ٤٢ - كتاب العلم، ٧ - باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، وقال الترمذي: حسن صحيح. الإحسان بترتيب ابن حبان (١ م ١٤٣) كتاب العلم، ذكر دعاء المصطفى ﷺ لمن أدى من أمته حديثًا سمعه. (قوله نضر) هو بتشديد الضاد المعجمة وتخفيفها حكاه الخطابي، ومعناه الدعاء له بالنضارة، وهي النعمة والبهجة والحسن، فيكون تقديره: جمله الله وزينه، وقيل غير ذلك (الترغيب). (أوعى): أحفظ وأكثر استيعابًا وفهمًا.
(٢) الإحسان بترتيب ابن حبان (١/ ١٤٣) كتاب العلم - ذكر رحمة الله جل وعلا من بلغ أمة المصطفى ﷺ حديثًا صحيحًا عنه. أبو داود (٣/ ٣٢٢) كتاب العلم، باب فضل نشر العلم. الترمذي (٥/ ٣٤) ٤٢ - كتاب العلم، ٧ - باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع وقال الترمذي، حسن صحيح. ابن ماجه (١/ ٨٤) المقدمة، ١٨ - باب من بلغ علمًا. (ثلاث): أي ثلاث خِلال. (لا يغل عليهن قلب مسلم): يُغِل بضم الياء الإغلال: الخيانة ويروى بفتحهما. من الغل: الحقد والشحناء، أي لا يدخل المسلم حقد يزيله عن الحق. والمعنى: أن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب فمن استمسك بها طهر قلبه من الغل والخيانة والشر، و(عليهن): حال أي لا يغل عليهن قلب مؤمن.
[ ١ / ٧٩ ]
وجعل غناه في قلبه، وأتتهُ الدُّنْيا وهي راغمةٌ".
قوله: (ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحوط من وراءهم): أول ما يدخل في كلمة لزوم الجماعة هنا حضور صلاة الجماعة فإن دعاء المسلمين ينفعهم وينفع غيرهم. ومما يدخل في لزوم الجماعة التزام أهل السنة والجماعة وعقائدهم وفقههم والبعد عن الشذوذ العقدي والفقهي.
أقول: لزوم جماعة المسلمين هنا تفيد لزوم الإمام الراشد ذي العقيدة السليمة والأعمال المستقيمة، فدعوة هؤلاء تحفظ المسلمين من الضياع والضلال.
٥٤ - * روى أحمد عن جُبير بن مُطعِمٍ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ بالخيف (خيف مني) يقول: "نضَّرَ الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وبلغها من لَمْ يسمعها فرُبَّ حاملِ فقهٍ غيرُ فقيه، ورُبَّ حامِ لفقهٍ إلى من هو أفقهُ منهُ. ثلاثٌ لا يُغِلُّ عليهنَّ قلبُ مؤمنٍ، إخلاصُ العمل لله، والنصيحة لأئمةِ المسلمين، ولزومِ جماعتهم، فإنَّ دعوتهُمْ تحفظُ من وراءهُمْ".
٥٥ - * روى أحمد عن أبان بن عثمان ﵀ قال: خرج زيدُ بن ثابت من عند مروان نصف النهار، قلنا: ما بعث إليه في هذه الساعة إلا لشيء سأله عنه، فقُمْنَا فسألناه؟ فقال: نعم، سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله ﷺ: سمعتُ رسول الله ﷺ قول: "نَضَّر اللهُ أمرأً سمع منَّا حديثًا فحفظه حتى يُبلِّغَه غيره، فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ورُب حامل فقه ليس بفقيه".
_________________
(١) أحمد (٣ - ٢٢٥) (٤/ ٨٠). ابن ماجه (١/ ٨٤) المقدمة، باب من بلغ علمًا. الطبراني "المعجم الكبير" (١٧/ ٤٩). مجمع الزوائد (١/ ١٣٧) كتاب العلم، باب في سماع الحديث وتبليغه.
(٢) أحمد (١/ ٤٣٧) مجمع الزوائد (١/ ١٣٧، ١٣٨). أبو داود (٣/ ٣٢٢) كتاب العلم، باب فضل نشر العلم. الترمذي (١/ ٣٣) ٤٢ - كتاب العلم، باب: ما جاء في الحث على تبليغ السماع. الدارمي (١/ ٧٥) باب الاقتداء بالعلماء. ابن ماجه (١/ ٨٥) المقدمة، ١٨ باب: من بلغ علمًا.
[ ١ / ٨٠ ]
٥٦ - * روى الطبراني عن مكحولٍ قال دخلتُ أنا وابنُ أبي زكريا وسليمان بن حبيبٍ على أبي أمامة بحمص فسلمنا عليه فقال: إنَّ مجلسكم هذا من بلاغ الله لكم واحتجاجه عليكم وإنَّ رسول الله ﷺ قد بلغَ فبلَّغُوا. وفي رواية (١) عن سُليم بن عامر قال: عن سُليم بن عامر قال: كنا نجلس إلى أبي أمامة فيحدثنا حديثًا كثيرًا عن رسول الله ﷺ فإذا سكت قال: أعَقَلْتُمَ بلغُوا كما بُلِّغْتُم.
٥٧ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "بلِّغُو عني ولو آيةً، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ مُتعمدًا فليتبوَّأْ مقعده من النار".
فائدة: قال الطيبي، ولا منافاة بين إذنِه هنا، ونهيه في خبرٍ آخر عن التحديث، وفي آخر عن النظر في كتبهم لأنه أراد هنا: التحديث بقصصهم نحو قتل أنفسهم لتوبتهم، وأراد بالنهي: العمل بالأحكام لنسخها بشرعه أو النهي في صدر الإسلام قبل استقرار الأحكام الدينية، والقواعد الإسلامية، فلما استقرت أُذن لأمن المحذور. ا. هـ.
وقال ابن حجر:
قوله (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم لأنه كان تقدم منه ﷺ الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم ثم حصل التوسع في ذلك، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار، وقيل معنى قوله "لا حرج": لا تضيق صدوركم بما تسمعونه عنهم من الأعاجيب فإن ذلك وقع
_________________
(١) مجمع الزوائد (١/ ١٣٩، ١٤٠) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.
(٢) مجمع الزوائد (١/ ١٤٠) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.
(٣) البخاري (٦/ ٤٩٦) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء، ٥٠ باب ما ذكر ع بني إسرائيل. الترمذي (٥/ ٤٠) ٤٢ - كتاب العلم، ١٣ - باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل، وقال حسن صحيح. (لا حَرجَ) الحرجُ: الضيقُ والإثم، ويريد: أنكم مهما قلتم عن بني إسرائيل فإنهم كانوا في حالٍ أكثر منها وأوسعَ، فلا ضيق عليكم فيما تقولونه، ولا إثم عليكم، وليس هذا إباحة للكذب في أخبار بني إسرائيل ورفع الإثم عمن نقل عنهم الكذب، ولكن معناه: الرخصة في الحديث عنهم على البلاغ، وإن لم يتحقق ذلك بنقل الإسناد، لأنه أمر قد تعذر، لبُعد المسافة وطول المدة. ابن الأثير.
[ ١ / ٨١ ]
لهم كثيرًا، وقيل لا حرج في أن لا تحدثوا عنهم لأن قوله أولا "حدثوا" صيغة أمر تقتضي الوجوب فأشار إلى عدم الوجوب وأن الأمر فيه للإباحة بقوله "ولا حرج أي في ترك التحديث عنهم. وقيل المراد رفع الحرج عن حاكي ذلك لما في أخبارهم من الألفاظ الشنيعة نحو قولهم (اذهب أنت وربك فقاتلا) وقال مالك المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن، أما ما عُلِم كذبه فلا. وقيل المعنى حدثوا عنهم بمثل ما ورد في القرآن والحديث الصحيح. وقيل المراد جواز التحدث عنهم بأي صورة وقعت من انقطاع أو بلاغ لتعذر الاتصال في التحدث عنهم، بخلاف الأحكام الإسلامية فإن الأصل في التحدث بها الاتصال، ولا يتعذر ذلك لقرب العهد. وقال الشافعي: من المعلوم أن النبي ﷺ لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم وهو نظير قوله "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" ولم يرد الإذن ولا المنع من التحدث مما يقطع بصدقه" ا. هـ ابن حجر.
٥٨ - * روى أحمد قول النبي ﷺ "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلًا لم تصدقوهم وإن كان حقًا لم تكذبوه" ويؤيده ما أخرجه البخاري (١). عن أبي هريرة ﵁ قال "كان أهلُ الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: لا تصدِّقوا أهل الكتاب ولا تكذِّبوهم وقولوا (آمنا بالله وما أنزل ) ".
قال البغوي: وهذا أصل في وجوب التوقف عماي شكل من الأمور والعلوم، فلا يُقضى فيه بجواز ولا بُطلان، وعلى هذا كان السلف، وقد سئل عثمان عن الجمع بين الأختين من ملك اليمين؟ قال: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، ولم يقضِ فيه بشيء، وقطع علي بتحريمه، وإليه ذهب عامة الفقهاء.
_________________
(١) أحمد (٤/ ١٣٦). أبو داود (٣/ ٣١٨) كتاب العلم - باب رواية حديث أهل الكتاب.
(٢) البخاري (٨/ ١٧٠) ٦٥ - كتاب التفسير، ١١ - باب (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا).
[ ١ / ٨٢ ]
ولو حدثت عن رسول الله ﷺ من هو متَّهَم في حديثه، فلا يُصدق، ولا يُعمل به، لأنه دين، ولو حدثه ثقة وفي إسناده رجل مجهول لا يجب العملُ به، ولا يكذبه صريحًا، لأن المجهول قد يكون صالحًا لحديث أهل الكتاب، بل يقول: هو ضعيف ليس بقوي وما أشبهه. شرح السنة ١/ ٢٦٩.
٥٩ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵁: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله ﷺ أحدث تقرؤونه محضًا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) (١) ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أنزل عليكم.
٦٠ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "حدِّثُوا عن بني إسرائيل ولا حرج".
٦١ - * روى أحمد عن عمران بن حصين قال: كان رسول الله ﷺ يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل لا يقوم إلا إلى عُظْمِ صلاة، وفي رواية (٢) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كان نبي الله ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح ما يقوم إلا إلى عُظْم صلاة.
_________________
(١) البخاري (١٣/ ٣٣٣) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ٢٥ - باب قول النبي ﷺ "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء".
(٢) البقرة: ٧٩.
(٣) أبو داود (٣/ ٣٢٢) كتاب العلم، باب الحديث عن بني إسرائيل. وهو صحيح.
(٤) أحمد (٤/ ٤٤٤). كشف الأستار (١/ ١٢٠، ١٢٢) كتاب العلم، باب التاريخ. الطبراني "المعجم الكبير" (١٨/ ٢٠٧). مجمع الزوائد (١/ ١٩١) كتاب العلم، باب الحديث عن بني إسرائيل. وقال الهيثمي: رواه البزار وأحمد، والطبراني في الكبير، وإسناده صحيح.
(٥) أبو داود (٣/ ٣٢٢) كتاب العلم، ١١ - باب الحديث عن بني إسرائيل. وإسناده حسن. العُظم: يقال عُظْم الشيء: أكبره، كأنه أراد لا يقوم إلا إلى الفريضة.
[ ١ / ٨٣ ]
٦٢ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: تسمعون ويسمعُ منكم، ويُسمع ممن يَسْمَع منكم.
٦٣ - * روى البخاري عن محمود بن الربيع ﵁ قال: "عَقَلْتُ من رسول الله ﷺ مَجةً مَجَّها في وجهي من دَلْوٍ من بئر كانت في دارنا، وأنا ابنُ خمس سنين".
أقول: يفهم من هذا أن الطفل عنده قابلية للتلقي والحفظ فليبدأ بتعليمه منذ الصغر، ولذلك ترجم البخاري الحديث بقوله: (متى يصح سماع الصغير).
٦٤ - * روى البخاري ومسلم عن سمرة بن جُندُب ﵁ قال: "لقد كنتُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وغلامًا، فكنتُ أحفظُ عنه، فما يمنعُني من القول إلا أن هاهنا رجالًا هم أسنُّ مني، وقد صليتُ خلف رسول الله ﷺ على امرأةٍ ماتت في نفاسها، فقام عليها رسول الله ﷺ في الصلاة وسطها".
أقول: في لحديث أدب ألا يتصدر الصغار للتعليم بحضرة كبار أهل العلم إلا إذا احتيج إليهم.
قال البخاري في صحيحه: (قال ربيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيِّعَ نفسه).
قال ابن حجر: ومراد ربيعة أن من كان فيه فهم وقابلية للعلم لا ينبغي له أن يهمل نفسه فيترك الاشتغال لئلا يؤدي ذلك إلى رفع العلم. أو مراده الحث على نشر العلم في أهله لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم. أو مراده أن يشهر العالم نفسه ويتصدى للأخذ عنه لئلا يضيع علمه. وقيل مراده تعظيم العلم وتوقيره، فلا يهين نفسه بأن يجعله عرضًا للدنيا.
_________________
(١) أبو داود (٣/ ٣٢٢) كتاب العلم -باب الحديث عن بني إسرائيل، وإسناده حسن.
(٢) البخاري (١/ ١٧٢) ٣ - كتاب العلم، ١٨ - باب متى يصح سماع الصغير، (١١/ ٢٤١) ٨١ - كتاب الرقاق، ٦ - باب العمل الذي يبتغي به وجه الله. (مجة) المجة: الدفعة من الماء ترميها من فيك.
(٣) البخاري (٣/ ٢٠١) ٢٣ - كتاب الجنائز، ٦٣ - باب أين يقوم من المرأة والرجل؟ مسلم (٢/ ٦٦٤) ١١ - كتاب الجنائز، ٢٧ - باب أين يقوم الإمام من الميت للصلاة عليه.
[ ١ / ٨٤ ]