في الترهيب من كتم العلم
٦٨ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "منْ سُئل عن علمٍ فكتمهُ أُلْجِمَ يوم القيامة بلجامٍ من نارٍ".
وفي رواية (١) لابن ماجه قال: "ما مِنْ رجلٍ يحفظُ علمنا فيكتمُهُ إلا أتى يوم القيامة ملجُومًا بلجامٍ من نارٍ".
٦٩ - * روى ابن حبان عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "من كتم علمًا ألْجَمَهُ الله يوم القيامةِ بلجامٍ من نارٍ".
٧٠ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "من سُئِلَ عن علمٍ فكتمهُ جاء يوْمَ القيامة مُلْجمًا بلجامٍ منْ نارٍ".
قال ابن الأثير (بلجام من نار) المُمْسِك عن الكلام ممثَّل بمن ألجم نفسه بلجام، والمعنى: أن الملجم نفسه عن قول الحق والإخبار عن العلم يُعاقب في الآخرة بلجام من نار، وذلك في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه، ويتعين عليه فَرْضه، كمن رأى كافرًا يريد الإسلام،
_________________
(١) أبو داود (٣/ ٣٢١) باب كراهية منع العلم. الترمذي (٥/ ٢٩) باب ما جاء في كتمان العلم، وقال: حديث حسن. ابن ماجه (١/ ٩٧) مقدمة- ٢٤ باب من سئل عن علم فكتمه. ابن حبان "الإحسان" (١/ ٥٤) كتاب العلم - باب ذكر إيجاب العقوبة في القيامة على الكاتم العلم الذي يحتاج إليه في أمور المسلمين. الحاكم (١/ ١٠١) المستدرك - كتاب العلم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٢) ابن ماجه (١/ ٩٦) ٢٤ - باب من سئل عن علم فكتمه.
(٣) ابن حبان "الإحسان" (١/ ١٥٤) كتاب العلم - باب ذكر خبر ثانٍ يصرح بصحة ما ذكرناه. الحاكم (١/! ٠٢) المستدرك - كتاب العلم وقال صحيح، ووافقه الذهبي.
(٤) الطبراني "المعجم الكبير" (١١/ ١٤٥). مجمع الزوائد (١/ ١٦٣) وقال الهيثمي: رواه أبو يعلي، والطبراني في الكبير، ورجال أبي يعلي رجال الصحيح.
[ ١ / ٨٧ ]
فيقول: علَّموني ما الإسلام، وما الدين؟ وكمن يرى رجلًا حديث عهد بالإسلام، ولا يُحسن الصلاة وقد حضر وقتُها، يقول: علموني كيف أصلي؟ وكمن جاء مُستفتيا في حلال أو حرام يقول: أفتوني، أرشدوني، فإنه يلزم في مثل ذلك أن يُعَرَّف الجواب: فمن منعه استحق الوعيد، (أقول: وكذلك في كل ما يجب بيانه وتعين على إنسان بعينه) وليس الأمر كذلك في نوافل العلم التي لا يلزم تعليمها.
قال سفيان الثوري: ذاك إذا كتم سنة، وقال: لو لم يأتني أصحاب الحديث لأتيتهم في بيوتهم ولو أني أعلم أحدًا يطلب الحديث بنية لأتيته في منزله حتى أحدثه.
ومنهم من يقول إنه علم الشهادة.
٧١ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: "إنكم تقولون: إن أبا هريرة يُكثِرُ الحديث عن رسول الله ﷺ، وتقولون: ما بالُ المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله ﷺ بمثل حديث أبي هريرة، وإن إخواني من المهاجرين كان يشغَلُهم الصَّفْقُ بالأسواق، وكنتُ ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، فأشهدُ إذا غابوا، وأحفظُ إذا نسُوا، وكان يشغل إخواني من الأنصار عملُ أموالهم، وكنت امرأ مسكينًا من مساكين الصُّفَّة، أعي حين ينسوْنَ، ولقد قال رسول الله ﷺ في حديث يُحدِّثه: "أنه لن يَبْسُط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي ثم يجمع إليه ثوبه، إلا وعي ما أقول"ن فبسطتُ نمرةً عليَّ، حتى إذا قضى رسول الله ﷺ مقالته جمعتُها إلى صدري، فما نسيتُ من مقالة رسول الله صلى الله عليه تلك من شيءٍ.
وفي رواية (١): قال أبو هريرة. وذكر نحوه، وفي آخره "ولولا آيتان أنزلهما الله في كتابه
_________________
(١) البخاري (١٣/ ٣٢١) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ٢٢ - باب الحجة على من قال إن أحكام النبي ﷺ كانت ظاهرة. مسلم (٤/ ١٩٣٩، ١٩٤٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ٣٥ - باب من فضائل أبي هريرة الدوسي ﵁.
(٢) مسلم (٤/ ١٩٤٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ٣٥ - باب من فضائل أبي هريرة ﵁. (أهل الصُّفة) الصُّفة: صُفة كانت في مسجد النبي ﷺ بالمدينة يكون فيها متشردو المهاجرين وفقراؤهم، ومن لا منزل له منهم، وأهلها منسوبون إليها، وهم متفرغون للعلم والعبادة والجهاد ولم يكن عددهم ثابتًا. (نمرة) النمرة: كل مئزر مخطط من مآزر الأعراب، وجمعها نِمار.
[ ١ / ٨٨ ]
ما حدثت شيئًا أبدًا (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (١).
وفي أخرى (٢) نحوه، مع ذكر الآيتين. وفي آخره "فما نسيتُ شيئًا سمعتُه منه".
٧٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: قلت لرسول الله: إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساهُ، قال: "ابسُطْ رداءك، فبسطتُه، فغرف بيده، ثم قال: ضُمَّه، فضممْته، فما نسيت شيئًا بعدُ".
وفي أخرى (٣) لهما قال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، والله الموعدُ، وما كنتُ لأكذب على رسول الله صلى الله علي وسلم كي تهتدُوا وأضِلَّ، ولولا آيتان في كتاب الله ﷿ ما حدثتُ حديثًا، ثم يتلو: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ) إلى قوله (وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
٧٣ - * روى البخاري إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلُهم الصَّفقُ بالأسواق، والأناصر كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزمُ رسول الله ﷺ بشبَعِ بطنه، ويحضر مالا يحضُرون، ويحفظُ مالا يحفظون الحديث.
٧٤ - * روى الطبراني عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مثل
_________________
(١) البقرة: ١٥٩، ١٦٠.
(٢) مسلم (٤/ ١٩٣٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ٣٥ - باب فضائل أبي هريرة ﵁.
(٣) البخاري (١/ ٢١٥) ٣ - كتاب العلم -٤٢ - باب حفظ العلم.
(٤) البخاري (١/ ٢١٣) ٣ - كتاب العلم، ٤٢ - باب حفظ العلم. البخاري (١/ ٢١٣) ٣ - كتاب العلم، ٤٢ - باب حفظ العلم. الترمذي (٥/ ٦٨٤) ٥٠ - كتاب المناقب، ٤٧ - باب مناقب لأبي هريرة ﵁.
(٥) مجمع الزوائد (١/ ١٦٤) قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، فيه ابن لهيعة وهو ضعيف. (الصفق) في البيع: صوت وقع وَقْع يد البائع على يد المشتري عند عقد التبايع. قوله: على ملء بطني أي: ألازمه وأقنع بقُوْتي ولا أجمع مالًا لذخيرة ولا غيرها ولا أزيد على قوتي. (أموالهم) أراد بالأموال هاهنا: البساتين التي كانت للأنصار.
[ ١ / ٨٩ ]
الذي يتعلم العلم ثم لا يحدث به كمثل الذي يكنز الكنز فلا ينفق منه".
يجب على العالم أن يُعَلَّمَ وأن يعمل فإذا قصر في التعليم والعمل كان مقصرًا مرتين وإذا عمل أحدهما كان مقصرًا مرة.
فإذا كان تقصيره في فريضة متعينة عليه استحق بذلك العذاب إلا أن يعفو الله ﷿ أما العالم المنافق فيكفيه نفاقه يوبقه.
٧٥ - * روى البخار يعن أبي هريرة ﵁ قال: "حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدها: فبثثته فيكم، وأما الآخر: فلو بثثته قُطع هذا البُلْعُوم".
أقول: في الحديث إشارة إلى أن ما كل ما يُعلم يقال: فبعض العلم لا يجب الكلام فيه.
٧٦ - * روى البخار يعن أبي ذرٍّ الغِفاري ﵁ قال: "لو وضعتم الصَّمْصامَة على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننتُ أني أُنْفِذُ كلمةً سمعتُها من رسول الله ﷺ قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذْتُها".
قال الحافظ في "الفتح": هذا التعليق رويناه موصولًا في مسند الدارمي وغيره من طريق الأوزاعي، حدثني أبو كثير يعني مالك بن مرثد عن أبيه قال: أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع عليه الناس يستفتونه، فآتاه رجل فوقف عليه ثم قال: ألم تُنه عن الفتيا، فرفع رأسه إليه فقال: أرقيب أنت علي؟ ل وضعتم فذكر مثله، ورويناه في "الحلية" من هذا الوجه.
أقول: هذا دليل على أن نشر العلم الشرعي مأذون به من الشارع ولا يحتاج إلى إذن من أحد.
_________________
(١) البخاري (١/ ١١٦) ٣ - كتاب العلم، ٤٢ - باب حفظ العلم. قال البخاري: البُلعوم: مجرى الطعام. (وعاءيْن) الوعاء: ما يجعل فيه الشيء يُحرز فيه، كأنه أراد به: عِلْمَين في وعاءين.
(٢) البخاري (١/ ١٦٠) ٣ - كتاب العلم، ١٠ - باب العلم قبل القول والعمل. (الصمصام والصمصامة): السيف.
[ ١ / ٩٠ ]