في الترهيب من المراء والجدال والمخاصمة والمحاججة والقهر والغلبة
٨٤ - * روى أبو داود عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا زعيم ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا وببيتٍ في أعلى الجنة لمن حسن خلقه".
٨٥ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "منْ ترك الكذب وهو باطلٌ بُني له في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محقٌّ بُني له في وسطها، ومن حسن خلقه بُني له في أعلاها".
٨٦ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما ضلَّ قومٌ بعد هُدىً كانوا عليه إلا أوُتوا الجدل" ثم قرأ: (ما ضربوه لك إلا جدلا) (١).
٨٧ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصمُ".
أقول: إن المسلم مطالب بإقامة الحجة وهو ما دام في حدود إقامة الحجة من أجل
_________________
(١) أبو داود (٤/ ٢٥٣) كتاب الأدب، ٨ - باب حسن الخلق، وسنده قوي كما قال الأرنؤوط. ربضُ الجنة: ما حولها.
(٢) الترمذي (٤/ ٣٥٨) ٢٨ - كتاب البر والصلة، ٥٨ - باب ما جاء في المراء، وقال: حديث حسن.
(٣) الترمذي (٥/ ٣٧٨) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، ٤٥ - باب سورة الزخرف وقال: حسن صحيح. ابن ماجه (١/ ١٩) المقدمة، ٧ - باب اجتناب البدع والجدل.
(٤) الزخرف: ٥٨.
(٥) البخاري (٥/ ١٠٦) ٤٦ - كتاب المظالم، ١٥ - باب قول الله تعالى [٢٠٤ البقرة]: (وهو ألدُّ الخصام). مسلم (٤/ ٢٠٥٤) ٤٧ - كتاب العلم، ٢ - باب في الألد الخصم. الترمذي (٥/ ٢١٤) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، ٣ - باب سورة البقرة. النسائي (٨/ ٢٤٧) ٤٩ - كتاب آداب القضاة، ٣٤ - باب الألد الخصم. (الألدُّ) بتشديد الدال المهملة: هو الشديد الخصومة [الخصم] بكسر الصاد المهملة: هو الذي يحجُّ من يخاصمه بالباطل.
[ ١ / ٩٥ ]
الإسلام أو من أجل تأكيد حق أو دفع باطل أو شبهة أو بدعة فإنه مأجور، وقد تكون إقامة الحجة في حق بعض الناس فريضة عينية والمذموم هو ما تجاوز إقامة الحجة، فالله ﷿ نهانا أن نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن قال تعالى (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (١) فإذا كان هذا مطلوبًا في مجادلة أهل الكتاب فمن باب أولى غيرهم، وكثيرًا ما يغيب عن الجدال حسن النية، وأحيانًا يرافقه غضب وحدة وشدة وإيذاء وتجاوز للحق إلى الباطل، وهذه كلها تنتفي إذا تأدب الإنسان بآداب الشرع فاكتفى بالقدر الذي يحتاجه إحقاق الحق وإبطال الباطل أما الجدال الدنيوي فمهما تساهل الإنسان في حقه الشخصي فيه فذلك من مكارم الأخلاق.
٨٨ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: هجرتُ إلى رسول الله ﷺ يومًا، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آيةٍ فخرج رسول الله ﷺ يُعْرَفُ في وجهه الغضبُ، فقال: "إنما هلك منْ كان قبلكم باختلافهم في الكتاب".
٨٩ - * روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع رسول الله ﷺ قومًا يتدارؤون، قال الرمادي: يتماروْنَ، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربُوا كتاب الله بعضه ببعضٍ، وإنما نزل كتاب الله ﷿ يُصَدِّقُ بعضه بعضًا، فلا تُكذبوا بعضه ببعضٍ، فما علمتم منه فقولوه، وما جهلتم فكْلِوهُ إلى عالمه".
_________________
(١) العنكبوت: ٤٦.
(٢) مسلم (٤/ ٢٠٥٣) ٤٧ - كتاب العلم، ١ - باب النهي عن اتباع متشابه القرآن. (_هجَّرْتُ) هجرت إليه: بكرْتُ وقصدتُ، ويجوز أن يكون من الهاجرة، أي: قصدته وقت الهاجرة، وهو شدة الحر.
(٣) أحمد (٢/ ١٩٥، ١٩٦). ابن ماجه (١/ ٣٣) المقدمة، ١٠ - باب في القدر. البغوي في شرح السنة (١/ ٣٦٠) وحسن إسناده المحقق. وقال في مجمع الزوائد إسناده صحيح، ورجاله ثقات. قوله: (يتدارؤون) يريد: يختلفون، ومنه قوله ﷾: (فادَّارأتُمْ فيها) [البقرة: ٧٢] أي: تدارأتم وتدافعتم واختلفتم.
[ ١ / ٩٦ ]
٩٠ - * روى أحمد عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "المِرَاءُ في القرآن كُفْرٌ".
واختلفوا في تأويله، ف قيل: معنى المراء: الشك، كقوله ﷾: (فلا تكن في مرية) (١) أي: في شكٍّ، وقيل: المراء: هو الجدال المشكك، وذلك أنه إذا جادل فيه، أدّاه إلى أن يرتاب في الآي المتشابهة منه، فيؤديه ذلك إلى الجحود، فسماه كفرًا باسم ما يُخشى من عاقبته إلا من عصمه الله.
وتأوَّله بعضهم على المراء في قراءته، وهو أن يُنكرَ بعض القراءات المروية، وقد أنزل الله القرآن على سبعة أحرُفٍ، فتوَّعدهم بالكفر لينتهوا عن المراء فيها، والتكذيب بها، إذ كلُّها قرآنٌ منزلٌ يجب الإيمان به. وكان أبو العالية الرِّياحي إذا قرأ عنده إنسانٌ لم يقل: ليس هو كذا، ولكن يقول: أما أنا فأقرأ هكذا قال: شُعيب بن أبي الحبحاب: فذكرتُ ذلك لإبراهيم، فقال: أرى صاحبك قد سمع أنه من كفر بحرفٍ، فقد كفر بكُلِّه. شرح السنة (١/ ٢٦١ - ٢٦٣).
_________________
(١) أحمد (٢/ ٢٨٦).
(٢) هود: ١٧. أبو داود (٤/ ١٩٩) كتاب السنة، ٥ - باب النهي عن الجدال في القرآن. الحاكم (٢/ ٢٢٣) وصححه، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٩٧ ]