١٨١ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقبله، وذلك أضعفُ الإيمان".
قال محمد بن علان الصديقي: ولا فرق في وجوب الإنكار بين أن يكون الآمر ممتثلًا ما أمر به مجتنبًا ما نهى عنه أو لا، ولا بين كون كلامه مؤثرًا أو لا، وظاهر كلام المصنف الإجماع على ذلك. فقول البعض بسقوط الوجوب عند العلم بعدم التأثير أخذًا من أحاديث تصرح بذلك ليس في محله، ولا بين كون الآمر وليًا أو غيره إجماعًا أخذًا بعموم "من" الشامل لذلك جميعه. نعم إن خشي من ترك استئذان الإمام مفسدة راجحة أو مساوية من انحرافه عليه بأنه افتيات عليه لم يبعد وجوب استئذانه حينئذ. ويشترط لجواز الإنكار ألا يؤدي إلى شهر سلاح، فإن أدى إلى ذلك فلا يكون للعامة بل يرتبط بالسلطان، وشرط وجوبه تارة وجوازه أخرى ألا يخاف على نفس ونحو عضو ومال له أو لغيره وإن قل مفسدة فوق مفسدة المنكر الواقع، وإيجاب بعض العلماء الإنكار بكل حال وإن فعل المنكر وقُبل منه غلوٌ مخالف لظاهر هذا الحديث وغيره ولا حجة له فيما احتج به. وإذا جاز التلفظ بكلمة الكفر عند الخوف أو الإكراه كما في الآية، فليجز ترك الإنكار لذلك بالأولى، لأن الترك دون الفعل ف القبح، وألا يغلب على ظنه أن المنهي يزيد فيما هو فيه عنادًا، وأن يكون المنكر مجمعًا عليه أو يعتقد فاعله حرمته أو حله، ولا ينافي ما تقرر من الوجوب قوله تعالى: عليكم أنفسكم لا ضركم من ضل إذا اهتديتم - لأنه ﷺ سئل عنها، فقال "ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت شحًا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأيٍّ برأيه فعليك بنفسك" الحديث (١). ففيه تصريح بأن الآية محمولة على ما إذا عجز المنكرُ، ولا شك في سقوط الوجوب حينئذ، على أن معناها عند
_________________
(١) أحمد (٣/ ٢٠). صحيح مسلم (١/ ٦٩) ١ - كتاب الإيمان - ٢٠ - باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان.
[ ١ / ١٤٦ ]
المحققين أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به لا يضركم تقصير غيركم، ومما كلفنا به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يمتثلها المخالف فلا عتب حينئذ لأن الواجب الأمر والنهي لا القبول. دليل الفالحين ١/ ٤٦٥ (١).
١٨٢ - * روى مسلم عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحابٌ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردل".
قال النووي في شرح مسلم ٢/ ٢٨: وأما الحواريون المذكورون فاختلف فيهم، فقال الأزهري وغيره: هم خلصان الأنبياء وأصفياؤهم، والخلصان الذين نُقوا من كل عيب، وقال غيرهم: هم أنصارهم وقيل: المجاهدون، وقيل: الذين يصلحون للخلافة بعدهم.
قال النووي: الضمير في "إنها" هو الذي يسميه النحويون: ضمير القصة والشأن، ومعنى "تخلف": تحدث، وهو بضم اللام، وأما "الخلوف" فبضم الخاء، وهو جمع خلف بإسكان اللام وهو الخالف بشرٍّ، وأما بفتح اللام فهو الخالف بخير، هذا هو الأشهر، وقال جماعة من أهل اللغة، منهم أبو زيد: يقال كل واحد منهما بالفتح والإسكان، ومنهم من جوَّز الفتح في الشر، ولم يجوِّز الإسكان في الخير.
١٨٣ - * روى الشيخان عن أبي الوليد عُبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في العُسر واليسر، والمنشط والمكره وعلى أثرةٍ علينا،
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٧٠) كتاب الإيمان- باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجبان. (حواريون): الحواريُّ: الناصرُ، والمختص بالرجال المصافي له، ومنه الحواريون أصحاب المسيح [عيسى] ﵇. (خلوف): جمع خلف، وهو من يجيء بعد من مضى، قال الله تعالى: (فخلف من بعدهم خلفٌ) [مريم: ٥٩].
(٢) البخاري (١٣/ ٥) كتاب الفتن - باب قول النبي ﷺ "سترون بعدي أمورًا تنكرونها". مسلم (٣/ ١٤٧٠) كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية. (المنشطُ) و(المكرهُ): بفتح ميميْهما أي في السهل والصعب. =
[ ١ / ١٤٧ ]
وعلى أن لا تُنازع الأمر أهلهُ، إلا أن تروْا كفرًا بواحًا، عندكم من الله تعالى فيه بُرهان، وعلى أن تقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم".
١٨٤ - * روى البخاري عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهمُوا على سفينةٍ، صار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا!!! فإن تركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا".
١٨٥ - * روى مسلم عن أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أُمية عن النبي ﷺ أنه قال: "إنه يُستعمل عليكم أمراءُ فتعرفُون وتُنكرون، فمن كره فقد بريء، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع!!! " قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهُمْ؟ قال: "لا. ما أقاموا فيكم الصلاة".
معناه من كَرَه بقلبه ولم يستطعْ إنكارًا بيدٍ ولا لسانٍ فقد برئ من الإثم وأدَّى وظيفته، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية ومن رضي بفعلهم وتابعهُم فهو العاصي. [الرياض].
١٨٦ - * روى البخاري ومسلم عن أم المؤمنين أم الحكمِ زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فزعًا يقول: "لا إله إلا الله!!! ويلٌ للعرب من شر! ٍ قد اقترب؛ فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثلُ هذه" (١) وحلَّق بأصبعيه الإبهام
_________________
(١) = (بواحًا): بفتح الباء الموحدة وبعدها واو ثم ألف ثم حاءٌ مهملة أي ظاهرًا لا يحتمل تأويلًا.
(٢) البخاري (٥/ ١٣٢) كتاب الشركة - باب هل يقرع في القسمة؟ والاستهام فيه. (القائم في حدود الله تعالى): معناه: المنكر لها، القائم في دفعها وإزالتها، والمراد بالحدود: ما نهى الله عنه. و(استهمُوا) اقترعوا.
(٣) مسلم (٣/ ١٤٨١) كتاب الإمارة - باب وجوب الإنكار على الأمراء بما يخالف الشرع وترك قتالهم ما صلوا ونحو ذلك.
(٤) البخاري (١٣/ ١٠٦) كتاب الفتن -باب يأجوج ومأجوج.
[ ١ / ١٤٨ ]
والتي تليها فقلت: يا رسول الله أنهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثُر الخبث".
١٨٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخُدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إياكم والجلوس في الطرقات"، فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بُد؛ نتحدَّثُ فيها، فقال رسول الله ﷺ: "فإذا أبيتُم إلا المجلس فأعطُوا الطريق حقه"، قالوا: وما حقُّ الطريق يا رسول الله؟ قال: "غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهيُّ عن المنكر".
قال العلقمي: زاد أبو داود (١) في الخصال المطلوبة لمن جلس على الطرق إرشاد ابن السبيل، وتشميت العاطس إذا حمد. زاد سعيد بن منصور: وإغاثة الملهوف. زاد البزار (٢): وأعينوا على الحمولة. زاد الطبراني (٣): وأعينوا المظلوم واذكروا الله كثيرًا وفي حديث أبي طلحة: وحُسن الكلام وعند الترمذي (٤) وأفشوا السلام وعند الطبراني وأهدوا الأغنياء فالمجموع أربعة عشر ا. هـ دليل الفالحين ١/ ٤٧٦.
١٨٨ - * روى مسلم عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى خاتمًا من ذهب في يد رجلٍ فنزعه فطرحه وقال: "يعمدُ أحدُكم إلى جمرةٍ من نارٍ فيجعلُهَا في يده؟ " فقيل للرَّجلِ بعد ما ذهب رسول الله ﷺ: خُذْ خاتمك انتفعْ به، قال: لا والله لا آخذهُ أبدًا وقد طرحه رسول الله ﷺ.
_________________
(١) = مسلم (٤/ ٢٢٠٧) كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب اقتراب الفتن، وفتح ردم يأجوج ومأجوج. كثر الخبث: أي كثرة المعاصي وشاع الزنا.
(٢) البخاري (٥/ ١١٢) كتاب المظالم - باب أفنية الدور والجلوس فيها والجلوس على لاصعدات. مسلم (٣/ ١٦٧٥) كتاب اللباس والزينة - باب النهي عن الجلوس في الطرقات وإعطاء الطريق حقه.
(٣) أبو داود (٤/ ٢٥٦) كتاب الأدب -١٣ - باب في الجلوس في الطرقات.
(٤) البزار (٢/ ٤٢٥) كتاب الأدب - باب الجلوس على الطريق.
(٥) مجمع الزوائد (٨/ ٦١، ٦٢) باب الجلوس على الصعيد، ٣ - وإعطاء الطريق حقه.
(٦) الترمذي (٥/ ٧٤) كتاب الاستئذان - باب ما جاء في الجالس على الطريق.
(٧) مسلم (٣/ ١٦٥٥) ٣٧ - كتاب اللباس والزينة -١١ - باب تحريم خاتم الذهب على الرجال، ونسخ ما كان من إباحته في أول الإسلام.
[ ١ / ١٤٩ ]
١٨٩ - * روى أحمد عن أبي سعيد الحسنِ البصريِّ أن عائذ بن عمرو ﵁ دخل على عُبيد الله بن زياد فقال: أي بُنيِّ!! إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن شر الرعاء الحُطمةُ"، فإياك أن تكون منهم!! فقال له: اجلس؛ فإنما أنت نُخالةُ أصحاب محمد ﷺ، فقال: وهل كانت لهم نُخالةٌ؟ إنما كانت النخالة بعدهُم وفي غيرهم.
١٩٠ - * روى الترمذي عن حُذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليُوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم".
روى أبو داود عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أوَّل ما دخل النقصُ على بني إسرائيل كان الرجلُ يَلْقَى الرجل فيقول: يا هذا!! اتق الله ودع ماتصنع؛ فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك، ضرب الله قلوب بعضهم ببعضٍ، ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ إلى قوله .. ﴿فَاسِقُونَ﴾ (١).
ثم قال: "كلاَّ والله لتأمُرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرُنَّه على الحق أطرًا، ولتقصرنَّهُ على الحق قصرًا أو ليضربنَّ الله
_________________
(١) مسلم (٣/ ١٤٦١) ٣٣ - كتاب الإمارة - باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم. أحمد (٥/ ٦٤). (الحطمة): الذي يحطم رعيته بتكليفهم مال ايطيقون، وأصله العنيف برعاية الإبل في السوق والإيراد والإصدار ويلقي بعضها على بعض، ضرب مثلًا لوالي السوء.
(٢) الترمذي (٤/ ٤٦٨) ٣٤ - كتاب الفتن، ٩ - باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال: هذا حديث حسن. أبو داود (٤/ ١٢١) كتاب الملاحم، ١٧ - باب الأمر والنهي. الترمذي (٥/ ٢٥٢، ٢٥٣) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ٦ - باب ومن سورة المائدة.
(٣) المائدة: ٧٨: ٨١.
[ ١ / ١٥٠ ]
بقلوب بعضكم على بعضٍ، ثم ليلعننكم كما لعنهم". ولفظ الترمذي: قال رسول الله ﷺ "لما وقعتْ بنو إسرائيل في المعاصي نهتهُم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعضٍ، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون" -فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئًا - فقال: "لا والذي نفسي بيده حتى تأطِرُوهم على الحق أطرًا".
قال محقق (الجامع) وأخرجه الطبري ١٠/ ٤٩٣، من حديث سفيان الثوري، حدثنا علي ابن بذيمة عن أبي عبيدة أظنه عن مسروق، عن عبد الله قال فذكره. وقد علق عليه لعلامة أحمد شاكر ﵀ بقوله: وطريق سفيان عن علي بن بذيمة يأتي مرسلًا عن أبي عبيدة، حيث قال: قال رسول الله ﷺ ليس فيه ذكر عبد الله بن مسعود وهو المعروف من رواية سفيان.
وروى الترمذي في السنن في التفسير.
قال عبد الله بن عبد الرحمن: قال يزيد بن هارون: وكان سفيان الثوري لا يقول فيه عبد الله يعني أنه مرسل من خبر أبي عبيدة، فأفادنا الطبراني هنا أن سفيان الثوري رواه مرة أخرى عن أبي عبيدة بقوله: أظنه عن مسروق عن عبد الله فلم يذكر "عبد الله" فحسب، بل شك في أن أبا عبيدة رواه عن مسروق عن عبد الله، فإذا صح ظن سفيان هذا، فإنه حديث صحيح الإسناد غير منقطع ولا مرسل ا. هـ.
وإن لم يصح، فهو حديث ضعيف وقد جزم بعض العلماء بضعفه لانقطاع السند.
فائدة إملائية: بمناسبة ذكر حرف الألف في كلمة ابن من قوله تعالى: ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾.
إن العلم المذكر إذا جاء بعده (ابن) وبعده علم مؤنث: أثبتت ألف (ابن) انظر تهذيب الأسماء واللغات للنووي ﵀. وهو كذا في رسم المصاحف.
وأخرج مسدد والبيهقي وصححه عن علي قال: "الجهاد ثلاثةٌ: جهادٌ بيد، وجهادٌ
[ ١ / ١٥١ ]
بلسان، وجهادٌ بقلب: فأول ما يُغلبُ عليه من الجهاد: جهادُ اليد، ثم جهادُ اللسان ثم جهادُ القلب، فإذا كان القلب لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا نُكسَ وجُعل أعلاه أسفله".
١٩١ - * روى الطبراني عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: "جاهدوا المنافقين بأيديكم فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهِرُّوا في وجوههم فاكفهرُّوا في وجوههم"!
١٩٢ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكرُ الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكُم تعنُون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل، قال: تلك يُكفرُها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر التي تموجُ موجَ البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا، قال: أنت لله أبوك، قال حذيفة: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلب أُشْرِبَها نُكِتَ فيه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قلب أنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنةٌ، ما دامت السماوات والأرض، والآخر: أسود مُربادًا، كالكوز مُجَخِّيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أُشرب من هواهُ".
_________________
(١) مجمع الزوائد (٧/ ٢٧٦) وقال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما شريك وهو حسن الحديث وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) مسلم (١/ ١٢٨) ١ - كتاب الإيمان، ٦٥ - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا. (كالحصي عُودًا عودا): قال الحميدي: في بعض الروايات "عَرْضَ الحصير" والمعنى فيهما: أنها تحيط بالقلوب كالمحصور المحبوس، يقال: حصره القوم: إذا أحاطوا به، وضيقوا عليه، قال: وقال الليث: حصير الجَنْب: عِرْق يمتد معترضًا على الجنب إلى ناحية البطن، شبه إحاطتها بالقلب بإحاطة هذا العِرق بالبطن، وقوله "عُودا عودًا" أي مرة بعد مرة، تقول: عاد يعود ُ عودة وعُودًا. (أُشر بها): أُشْرِب القلب هذا الأمر: إذ دخل فيه وقبِلَهُ وسكن إليه، كأنه قد شربه. (نُكت فيه نكتة سوداء): أي أثر فيه أثرًا أسود، وهو دليل السخط ولذلك قال في حالة الرضى: نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين، أي على قسمين. (مربادًا): المربادُّ والمُرْبَدُّ: الذي في لونه رُبدة، وهي بين السواد والغُبرة. (كالكوز مجخيا): المجخي: المائل عن الاستقامة والاعتدال هاهنا، وجخي الرجل في جلوسه: إذا جلس مستوفزًا، وجخي في صلاته: إذا جافى عضديه عن جوفه ورفع جوفه عن الأرض وخوى. ابن الأثير.
[ ١ / ١٥٢ ]
-* روى الطبراني عن طارق بن شهاب قال: جاء عتريسُ بن عرقوبٍ الشيباني إلى عبد الله فقال: هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر فقال بل هلك من لم يعرف قلبه المعروف وينكر المنكر.
١٩٤ - * روى أحمد عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "إنكم منصورُون ومصيبون ومفتوحٌ عليكم، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله، وليأمر بالمعروف، ولينه عن المنكر، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأْ مقعدهُ من النار".
١٩٥ - * روى أحمد عن أبي بكرٍ الصديق ﵁ قال: يا أيها الناس: إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١) وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوْشك أن يعمهم الله بعقابٍ منه".
١٩٦ - * روى أبو داود عن أبي أمامة الشعباني قال: سألتُ أبا ثعلبة الخُشْنيَّ ﵁ قال: قلت: يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؟ قال: أما والله لقد سألتُ عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله صلى الله علي وسلم، فقال: "ائتمرُوا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شُحًا مطاعًا، وهوى مُتبعًا ودُنيا
_________________
(١) ١٩٣ - مجمع الزوائد (٧/ ٢٧٥) كتاب الفتن، باب الإنكار بالقلب، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٢) أحمد (١/ ٤٣٦). أبو داود (٣/ ٣١٩، ٣٢٠) كتاب العلم، باب في التشديد في الكذب على رسول الله ﷺ. الترمذي (٤/ ٥٢٤) ٣٤ - كتاب الفتن، باب رقم ٧٠. (فليتبوأْ): أي: فليتخذ له مباءة، والمباءة: المنزل.
(٣) أحمد (١/ ٢). أبو داود (٤/ ١٢٢) باب الأمر والنهي. الترمذي (٤/ ٤٦٨) ٣٤ - كتاب الفتن، ٩ - باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (١ المائدة: ١٠٥. (الشُحُّ): البخل الشديد، وطاعته: أن يتبع الإنسان هوى نفسه لبخله، وينقاد له.
(٤) أبو داود (٤/ ١٢٣) كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي. =
[ ١ / ١٥٣ ]
مؤثرةً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودعْ عنك العوامَّ، فإن من ورائكم أيام الصبْرِ، الصبرُ فيهن مثلُ القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم" وزاد أبو داود (١) في حديث: قيل: يا رسول الله، أجرُ خمسين رجلًا منَّا، أو منهم؟ قال: بل أجرُ خمسين رجلًا منكم".
الآية محمولة على ما إذا عجز المنكرُ ومعناها عند المحققين أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به لا يضركم تقصير غيركم. انظر دليل الفالحين ١/ ٤٦٥.
١٩٧ - * روى أبو يعلي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "سيكون بعدي خُلفاء يعملون بما يعلمون ويفعلون ما يؤمرون، وسيكون بعدي خلفاءُ يعملون بما لا يعلمون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن أنكر عليهم بريء، ومن أمسك يده، سلم ولكن من رضي وتابع".
١٩٨ - * روى الطبراني عن عبد الله يعني ابن مسعودٍ قال: إنَّ من أكبر الذنب أنْ يقول الرجل لأخيه اتق الله، فيقول: عليك نفسك أنت تأمرني؟
_________________
(١) أبو داود (١/ ١٢٣) نفس الموضع السابق. = (دنيا مؤثرة): أي: محبوبة مشتهاة مقدمة على أمر الآخرة.
(٢) مجمع الزوائد (٧/ ٢٧٠) باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال الهيثمي: رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح غير أبي بكر محمد بن عبد الملك ابن زنجويه فهو ثقة.
(٣) الطبراني (٩/ ١١٩). مجمع الزوائد (٧/ ٢٧١) وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
[ ١ / ١٥٤ ]