٣٤٨ - * روى البخاري عن أبي جُحيفة ﵁ قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرةِ، فأُتِيَ بوضوء فتوضَّأ ونحن بالبطْحَاء، فجعل الناسُ يأخذون من فضل وضوئه، فيتَمَسَّحون به - وفي رواية (٣): فرأيتُ الناس يبْتَدِرُون ذلك الوضوء، من
_________________
(١) الترمذي (١/ ١٠٠) أبواب الطهارة، ٥١ - باب ما جاء في كراهية البول في الماء الراكد.
(٢) النسائي (١/ ٤٩، ١٢٥) كتاب الطهارة، ٤٦ - باب الماء الدائم، ١٤٠ - باب النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه.
(٣) مسلم (١/ ٢٣٥) ٢ - كتاب الطهارة، ٢٨ - باب النهي عن البول في الماء الراكد. النسائي (١/ ١٢٥) ١٤٠ - باب النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال فيه.
(٤) ابن خزيمة (١/ ٥٠) ٧٣ - باب النهي عن الوضوء من الماء الدائم الذي قد بيل فيه.
(٥) مجمع الزوائد (١/ ٢٠٤) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.
(٦) البخاري (١/ ٥٧٦) ٨ - كتاب الصلاة، ٩٤ - باب السترة بمكة وغيرها.
(٧) مسلم (١/ ٣٦٠) ٤ - كتاب الصلاة، ٤٧ - باب سترة المصلي.
[ ١ / ٢٧٥ ]
أصاب منه شيئًا تمسَّحَ به، ومن لم يُصِبْ منه أخذ من بللِ يَدِ صاحبه - ثم رأيت بلالًا أخرج عنزةً فركزها، وخرج رسول الله ﷺ في حُلَّةٍ حمراء مُشَمِّرًا، فصلى إلى العنزة بالناس ركعتين، ورأيتُ الناس والدوابَّ يمرُّون بين يدي العنزة".
وفي أخرى (١) "وقام الناسُ، فجعلوا يأخذون يديه يمْسَحُون بها وُجُوهَهم، قال: فأخذتُ بيده فوضعتُها على وجهي، فإذا هي أبْرَدُ من الثلج، وأطْيَبُ رائحةً من المسك".
وفي رواية (٢) النسائي قال: شهدتُ النبي ﷺ بالبطحاء وأخرج بلالٌ فضل وضوئه، فابتدره الناس فنلتُ منه شيئًا، وركز له العنزة فصلى بالناس، والحُمُرُ والمرأةُ والكلابُ يمرون بين يديه.
٣٤٩ - * روى الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مرضتُ، فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعُوداني، فوجداني قد أُغْميَ عليَّ، فتوضأ رسول الله ﷺ، فضبَّ عليَّ وضوءه.
أقول: ذكر الحديثين في باب المياه سببه أن الفقهاء يتحدثون عن الماء المستعمل في إزالة حدث أو في ما يقرب إلى الله، فالحديثان يدلان على طهارة الماء المستعمل، فالحنفية يعتبرونه طاهرًا غير مطهر، ولكن غير مطهر للحدث وهو مطهر للخبث، والمالكية يكرهون استعماله في إزالة الحدث ويوافقون الحنفية في أنه يزيل النجس، والماء المستعمل عند الشافعية، ولا خلاف بين العلماء أن الماء المستعمل في التبرد والتنظيف طاهرٌ مطهرٌ غير مكروه لكنه غير نظيف، فالأصل ألا يستعمل إلا في الحالة الضرورية.
_________________
(١) البخاري (٦/ ٥٦٥) ٦١ - كتاب المناقب، ٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.
(٢) النسائي (١/ ٨٧) ١ - كتاب الطهارة، ١٠٣ - باب الانتفاع بفضل الوضوء. (الوضوء) بفتح الواو: الماء الذي يُتوضأ به، وبضم الواو: الفعل نفسه، وهو من الوضاءة: الحُسْن. (عنزة) العنزة: عُكازة بقدر نصف الرُّمح، في رأسها شبه السنان من حديد، كانت تُحمل مع الأمراء.
(٣) البخاري (١٠/ ١١٤) ٧٥ - كتاب المرضى، ٥ - باب عيادة المغمي عليه. مسلم (٣/ ١٢٣٥) ٢٣ - كتاب الفرائض، ٢ - باب ميراث الكلالة. النسائي (١/ ٨٧) ١ - كتاب الطهارة، ١٠٣ - باب الانتفاع بفضل الوضوء.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وذكر الشوكاني في (نيل الأوطار ١/ ٢٤) أن بعض الحنفية قالوا بنجاسة الماء المستعمل لكن قال ابن عابدين خاتمة المحققين في (رد المحتار ١/ ١٣٤).
(قوله وهو طاهر - أي المستعمل - رواه محمد عن الإمام وهذه الرواية هي المشهورة عنه، واختارها المحققون قالواك عليها الفتوى لا فرق في ذلك بين الجنب والمحدث) ا. هـ.
لكن استدل من قال من الحنفية على نجاسة الماء المستعمل بما يلي:
عن ابن عمر ﵁ قال: "من اغترف من ماء وهو جنب فما بقي نجس" أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، (عمدة القارئ ٢: ٢٣) قلت [أي: سند صحيح، رجاله رجال الصحيحين، إلا أبا سنان، فإنه من رجال مسلم.
(قال صاحب إعلاء السنن ١/ ١٨٣ - ١٨٤).
قال العيني: "وهذا الأثر من أقوى الدلائل لمن ذهب من الحنفية إلى نجاسة الماء المستعمل فافهم". ا. هـ (٢: ٢٣) وحمله بعضهم على ما إذا كان بيده قذر. قلت: لا يكون إذن لقوله "وهو جنب" معنى، لأن غسل القذر لا يختص بالجنب، بل وجب غسله عام له ولغيره، والقيد يدل على أن لمعنى الجنابة أثرًا في الحكم، وليس هو إلا ما قاله الحنفية من نجاسة الماء المستعمل. وأيضًا ففي هذا الأثر مايدل على نجاسة الباقي بعد الاغتراف دون الذي اغترفه، وهذا لا يتصور فيما إذا كان بيده قذر. وبالجملة فتأويله بنحو ذلك لا يخلو ن تعسف مستغنى عنه، والحق ما قاله العيني إنه من أقوى الدلائل لنجاسة الماء المستعمل، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وروى أبو يوسف عنه أنه نجس نجاسة خفيفة كما في فتح القدير (١: ٧٤)].
أقول: إن صح الحديث فهو في المستعمل في إزالة الجنابة فحسب، على أنه يُتوَقَّف في الأخذ بهذا الحكم لما صح من أحاديث في طهارة الماء المستعمل وقد حققنا أن الرأي المشهور المُفتى به عند الحنفية طهارة الماء المستعمل، أما فائدة القيد وهو جنب أن يغلب وجود النجاسة حال الجنابة.
[ ١ / ٢٧٧ ]