الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ميزان الإيمان:
١٧٨ - * روى مسلم عن النبي ﷺ: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإنْ لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
١٧٩ - * روى مسلم عن النبي ﷺ قال في الحض على مجاهدة خلف السوء: "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".
وأصحاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم المؤهلون للتجارة إذا نزل العذاب ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١) ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ (٢) وقد علق الله ﷿ الفلاح في الدنيا والآخرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣)، وجعل الخيرية لهذه الأمة على غيرها بأوصاف ثلاثة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٤)، كما جعل التواصي بالحق والتواصي بالصبر من أركان النجاة: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥).
وعرف الرسول ﷺ الدين بأنه النصيحة وذلك لتبيان أهميتها في دين الله قال ﵊:
_________________
(١) ١٧٨ - مسلم (١/ ٦٩) ١ - كتاب الإيمان، ٢٠ - باب كون النهي ن المنكر من الإيمان.
(٢) مسلم (١/ ٦٩، ٧٠) ١ - كتاب الإيمان، ٢٠ - باب كون النهي عن المنكر من الإيمان.
(٣) الأعراف: ١٦٥.
(٤) هود: ١١٦.
(٥) آل عمران: ١٠٤.
(٦) آل عمران: ١١٠.
(٧) العصر: ١: ٣.
[ ١ / ١٤١ ]
١٨٠ - * فيما رواه مسلم: "الدينُ النصيحةُ قالوا: لمن يا رسول الله قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".
ومن ثم كان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير والنصيحة لخلق الله المكان العظيم في دين الله.
ويدخل في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أبواب كثيرة: فالنصح والنصيحة أمر بمعروف ودعوة إلى خير، والوصايا والتناصح كذلك والوعظ أيًا كانت صفته فرديًا أو جماعيًا أمر بمعروف ودعوة إلى خير، والخطب والمحاضرات وتعليم الناس الخير، وأمرهم باجتناب الشر دعوة للخير وأمر ضمني بالمعروف ونهي ضمني عن المنكر، ودوائر الدعوة إلى الخير والمعروف كثيرة، دائرة النفس، ودائرة الأسرة، ودائرة الجوار، ودائرة العمل، ودائرة العامة والخاصة، ودائرة الشعب والحكم، وكلك النهي عن المنكر، ثم وسائل الدعوة كثيرة: الكلمة الطيبة، والكلمة المباشرة والكلمة غير المباشرة، والكلمة المكتوبة والكلمة المسموعة، وكذلك النهي عن المنكر، ثم الدعوة إلى الخير والمعروف والنهي عن المنكر لابد فيه من الجهد الفردي العفوي، ولابد فيه من العمل المنظم فلا هذا يغني عن مبادرة الفرد ولا مبادرة الأفراد تغني عن الترتيب، ثم لابد من جهد الدولة ولابد من جهد الأفراد والمؤسسات والهيئات والجماعات والمجموعات على المستوى المحلي والعالمي.
* * *
إن تعميق الإسلام في نفس الفرد وتطبيقه في حياة الأمة وتعميمه في العالم كله متوقف على النشاط في العلم والتعليم والدعوة إلى الخير والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لذلك جاءت نصوص الكتاب مؤكدة على هذه المعاني تأكيدًا كبيرًا فأوجبت الخيرية لمن فعل ذلك وأوجبت اللعنة على من ترك ذلك (١).
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ ٹ
_________________
(١) مسلم (١/ ٧٤) ١ - كتاب الإيمان، ٢٣ - باب بيان أن الدين النصيحة.
[ ١ / ١٤٢ ]
بِاللَّهِ﴾ (١).
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (٢).
وذكرت الآيات من أخلاق المرسلين النصيحة: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ (٣).
"وأمرت الآيات بالدعوة". ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ (٤).
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٥).
ولقد كتبت في رسالة أخلاقيات وسلوكيات تتأكد في القرن الخامس عشر الهجري:
"إن شعار هذا القرن وشعار كل قرن ينبغي أن يكون: كل مسلم داعية إلى الله، كل مسلم معلم للخير، كل مسلم مرب للنفس البشرية، فذلك يدخل في الاقتداء الذي يطالب به كل مسلم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٦).
فلقد دعا رسول الله ﷺ إلى الله على بصيرة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٧) ولقد كان رسول الله ﷺ معلمًا: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٨). ولقد كان رسول الله ﷺ مربيًا: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ (٩).
ولابد للمسلم أن يأخذ حظه من ذلك، فهو كذلك مع أهله وجيرانه وأرحامه وأقربائه وأصحابه ومعارفه ومع الناس جميعًا ما استطاع إلى ذلك سبيلًا ا. هـ".
إن المسلم ينبغي أن تكون عنده ثلاث توجيهات، توجه نحو ذاته بالعكوف على إصلاحها وتزكيتها وتعليمها وتثقيفها والارتقاء بها من خلال العلم والذكر والعبادة وطاعة
_________________
(١) آل عمران: ١١٠.
(٢) المائدة: ٧٨، ٧٩.
(٣) الأعراف: ٩٣.
(٤) القصص: ٨٧.
(٥) النحل: ١٢٥.
(٦) الأحزاب: ٢١.
(٧) يوسف: ١٠٨.
(٨) البقرة: ١٥١.
(٩) البقرة: ١٥١.
[ ١ / ١٤٣ ]
أهل الفقه والصلح، وتوجه نحو الخارج بالتعليم والدعوة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وهذه قضايا يجب أن ينطلق المسلم فيها بمبادرة ذاتية منه وينبغي أن تكون خلقًا له تنبع من ذاته، وألا يعلقها على شيءٍ، والتوجه الثالث أن يكون على انسجام مع مسيرة الصف الإسلامي في توجهه نحو تحقيق الأهداف وإقامة دين الله وبذلك يؤدي المسلم حق الله ﷿ وينال مرضاته.
وفيما يلي فصول في موضوعات هذا الباب:
[ ١ / ١٤٤ ]
الفصل الأول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الفصل الثاني: في الدعوة إلى الخير قولًا وعملًا وفي التضحية.
الفصل الثالث: من سنته ﵊ في الدعوة والنصح والموعظة.
[ ١ / ١٤٥ ]