سؤر الإنسان وعرقه طاهر، وإذا عرق الإنسان وكان قد استعمل لمسح الدبر أو القبل أو المني حجرًا أو ورقًا أو ما ينوب منابهما وعرق فإن ذلك لا يؤثر على نجاسة ثيابه ولا يزيد من بقعة النجس على بدنه، إلا إذا ظهر أثر الغائط فيجب غسله إذا زاد عن مقدار الدرهم عند الحنفية كما سنرى.
٣٨٣ - * روى ابن خزيمة عن عائشة، قالت: تتخذُ المرأةُ الخرقة، فإذا فرغ زوجها ناولته فيمسحُ عنه الأذى، ومسحتْ عنها، ثم صليا في ثوبيهما.
٣٨٤ - * روى أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان ﵁: سأل أخته أم حبيبة- زوج النبي ﷺ-: هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يُجامِعُها فيه؟ فقالت: نعم، ما لم ير فيه أذى.
٣٨٥ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ لا يُصلي في شُعُرِنا - أو لُحُفِنا - شك أحد رواته. وفي رواية (١): أن النبي ﷺ كان لا يصلي في ملاحفنا. وأخرج النسائي (٢) الرواية الثانية، وفي رواية (٣) الترمذي: كان النبي ﷺ لا يصلي في لُحُفِ نسائه.
_________________
(١) ابن خزيمة (١/ ١٤٢) ٢١٢ - باب الرخصة في غسل الثوب من عرق الجنب: وإسناده صحيح.
(٢) أبو داود (١/ ١٠٠) كتاب الطهارة، ١٣٣ - باب الصلاة في الثوب الذي يصيب أهله فيه. النسائي (١/ ١٥٥) كتاب الطهارة، ١٨٦ - باب المني يُصيب الثوب. (أذى) الأذى هاهنا: أراد به النجاسة.
(٣) أبو داود (١/ ١٠١) كتاب الطهارة، ١٣٤ - باب الصلاة في شعر النساء.
(٤) أبو داود: نفس الموضع السابق، وإسناده صحيح، والجمع بين الروايتين أنه ﷺ كان يفعل تارة، ويترك تارة، فهو أمر مباح.
(٥) النسائي (٨/ ٢١٧) ٤٨ - كتاب الزينة، ١١٥ - باب اللحف.
(٦) الترمذي (٢/ ٤٩٦) أبواب الصلاة، ٤٢٠ - باب في كراهية الصلاة في لحُف النساء. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد رُوي عن النبي ﷺ رُخصةٌ في ذلك. (شعرنا) الشعُرُ: جمع شعار، وهو الثوب الذي يلي الجسد، وإنما خصَّه بالذكر لأنه أقرب إلى أن تناله النجاسة من الدثار، حيث يُباشرُ الجسد.
[ ١ / ٣٠٠ ]
٣٨٦ - * روى مالك عن ابن عمر ﵄: "أنه كان يعرقُ في الثوب وهو جُنبٌ، ثم يصلي فيه".
٣٨٧ - * روى مالك عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أنه اعتمَر مع عمر بن الخطاب في ركبٍ فيهم عمرو بن العاص، وأن عمر بن الخطاب عرَّسَ ببعض الطريق قريبًا من بعض المياه، فاحتلم عمر، وقد كاد أن يُصبح، فلم يجدْ مع الركب ماء، فركب حتى جاء الماء، فجعل يغسل ما رأى من ذلك الاحتلام حتى أسفر، فقال له عمرو بن العاص: أصبحت ومعنا ثيابٌ، فدعْ ثوبك يُغسل، فقال له عمر بن الخطاب: واعجبًا لك يا ابن العاص، لئن كنت تجدُ ثيابًا، أفكلُّ الناس يجدُ ثيابًا؟ والله لو فعلتُها لكانت سُنَّة، بل أغسلُ ما رأيتُ، وأنضحُ ما لم أر".
قال الزرقاني في شرح الموطأ قال أبو بعد الملك: هذا مما عُدَّ أن مالكًا وَهِمَ فيه لأن أصحاب هشام: الفضل بن فضالة وحماد بن سلمة ومعمرًا قالوا عن هشام عن أبيه عن يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه فسقط لمالك عن أبيه (م).
حكم الدم ودم الحيض:
٣٨٨ - * روى الجماعة عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "جاءت امرأةٌ إلى النبي ﷺ، فقالت: إحدانا يُصيب ثوبها من الحيضة: كيف تصنع به؟ فقال: "تحُتُّهُ، ثم تقرصُه بالماء، ثم تنضحُه، ثم تُصلي فيه".
_________________
(١) الموطأ (١/ ٥٢) ٢ - كتاب الطهارة، ٢٢ - باب جامع غسل الجنابة، وإسناده صحيح.
(٢) الموطأ (١/ ٥٠) ٢ - كتاب الطهارة، ٢٠ - باب إعادة الجنب للصلاة، وغسله إذا صلى ولم يذكر. (عَرَّسَ) التعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والراحة. (أسفرَ) الصبحُ: إذا أضاء وانتشر ضوؤه.
(٣) البخاري (١/ ٣٣٠) ٤ - كتاب الوضوء، ٦٣ - باب غسل الدم. مسلم (١/ ٢٤٠) ٢ - كتاب الطهارة، ٣٣ - باب نجاسة الدم وكيفية غسله. أبو داود (١/ ٩٩) كتاب الطهارة، ١٣٢ - باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها. الترمذي (١/ ٢٥٤) أبواب الطهارة، ١٠٤ - باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب. ابن ماجه (١/ ٢٠٦) ١ - كتاب الطهارة وسننها، ١١٨ - باب في ما جاء في دم الحيض يصيب الثوب.
[ ١ / ٣٠١ ]
وفي رواية (١) النسائي: أن امرأةً استفتت النبي ﷺ عن دم الحيض يُصيب الثوب؟ قال: "حُتِّيه، ثم اقرصيه بالماء، ثم انضحيه وصلي فيه".
وفي رواية (٢) أخرى لأبي داود قالت: سمعتُ امرأةً تسألُ رسول الله ﷺ كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر: اتُصلي فيه؟ قال: "تنظُر، فإن رأت فهي دمًا فلتقرُصْهُ بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تر، ولتُصلِ فيه".
وفي أخرى (٣) بهذا المعنى، وفيه "حُتِّيه، ثم اقْرُصيه بالماء، ثم انضحيه".
٣٨٩ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كانتْ إحدانا تحيض، ثم تقرُصُ الدم من ثوبها عند طُهرها، فتغسله، وتنضحُ على سائره، ثم تصلي فيه.
وفي رواية (٤) أبي داود قالت: "كنتُ مع رسول الله ﷺ وعلينا شعارُنا، وقد ألقينا فوقَهُ كساءً، فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فصلى الغداة، ثم جلس، فقال رجلٌ: يا رسول الله، هذه لُمعةٌ من دمٍ في الكساء، فقبصَ رسول الله ﷺ عليها مع ما يليها، وأرسلها إليَّ مصرورةً في يد الغلام، فقال: "اغسلي هذا، وأجفِّيها، ثم أرسلي بها إليَّ"، فدعوتُ بقصعتي فغسلتُها، ثم أجففتُها، فأحرْتُها إليه، فجاء رسول الله ﷺ نصف النهار وهو عليه".
وفي أخرى (٥) له قالت مُعاذةُ: سألتُ عائشة عن الحائض يُصيبُ ثوبها الدمُ؟ قالت: تغسِلُه، فإن لم يذهب أثره فلتغيِّرهُ بشيء من صُفرةٍ، قالت: ولقد كنتُ أحيضُ عند
_________________
(١) النسائي (١/ ١٩٥) ٣ - كتاب الحيض والاستحاضة، ٢٦ - باب دم الحيض يصيب الثوب.
(٢) أبو داود، الموضع السابق.
(٣) أبو داود، نفس الموضع ص ١٠٠. (تحُّته) الحثُّ والحك سواء. (تقرُصُه) القرص: الأخذ بأطراف الأصابع، وإنما أمرها بالحت والقرص، لأن غسل الدم بها أذهب وأبلغ من الفرك بجميع اليد.
(٤) البخاري (١/ ٤١٠) ٦ - كتاب الحيض، ٩ - باب غسل دم المحيض.
(٥) أبو داود (١/ ١٠٥) كتاب الطهارة، ١٤٢ - باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب.
(٦) أبو داود (١/ ٩٨) كتاب الطهارة، ١٣١ - باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل.
[ ١ / ٣٠٢ ]
رسول الله ﷺ ثلاث حيضٍ جميعًا، لا أغسِلُ لي ثوبًا".
وله في أخرى (١) قال خِلاسُ الهجري: سمعت عائشة تقول: "كنتُ أنا ورسول الله ﷺ نبيتُ في الشِّعارِ الواحد وأنا حائضٌ طامث، فإن أصابه مني شيءٌ، غَسَل مكانه، لم يعدُهُ، ثم صلى فيه".
وأخرج النسائي (٢) هذه الرواية الآخرة.
٣٩٠ - * روى أبو داود عن أم قيسٍ بنت محصن ﵂ قالت: سألتُ رسول الله ﷺ عن دم الحيض يكونُ في الثوب؟ قال: "حُكِّيه بضلَع، واغسليه بماءٍ وسدرٍ".
أقول: دم الآدمي غير الشهيد، ودم الحيوان غير المائي، نجس بإجماع، على خلاف بين الفقهاء بالقدر المعفو عنه، والمراد بدم الشهيد: الدم الملاصق له، فهذا طاهر في حقه ومن ثم فإن الدم المسفوح ينبغي غسله سواء كان دم حيض أو غيره.
ودم المسك ودم الكبد والطحال والقلب وما يبقى في عروق الحيوان بعد الذبح الشرعي ودم القمل والبرغوث ليس بنجس.
(اللباب ١/ ٤٩ فما بعدها، والشرح الصغير ١/ ٥٣، والمهذب ١/ ٤٦ فما بعدها).
_________________
(١) أبو داود (١/ ٧٠) كتاب الطهارة، ١٠٧ - باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع.
(٢) النسائي (١/ ١٨٨) ٣ - كتاب الحيض والاستحاضة، ١١ - باب نوم الرجل مع حليلته في الشعار الواحد. (شعارنا) الشعار: الثوب الذي يلي الجسد، وأراد به هاهنا: الإزار الذي كان يتغطى به عند النوم. (لُمعة) اللمعة: القدرُ اليسير من أي الألوان كانت، يقال: في الثوب لمعة من سواد، أو صُفرة، أو حُمرة، جمعها لُمع. (أحرْتُها) إليه، أي: رددتها إليه، حار يحور: إذا رجع. (تقرصُ) يقال: قرصت الدم من الثوب بالماء، أي: قطعته، كأنها تقصد إليه من سائر الثوب فتغسله، فكأنه قطعٌ وحيازةٌ. (طامث) الطامث: المرأة الحائض، والطمثُ: الحيض. لم يعده) أي: لم يتعده ولم يتجاوزه.
(٣) أبو داود (١/ ١٠٠) كتاب الطهارة، ١٣٢ - باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها. النسائي (١/! ٩٦) ٣ - كتاب الحيض والاستحاضة، ٢٦ - باب دم الحيض يصيب الثوب. (بضلع) الضلعُ للحيوان معروف، وقيل: أراد بالضلع هاهنا: عودًا شبيهًا بالضلع عريضًا معوجًا.
[ ١ / ٣٠٣ ]
٣٩١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيءٌ من دم قالت بريقها فمصعتْه بظفرها".
وعند أبي داود مثله، وله في أخرى (١) قالت: قد كان يكون لإحدانا الدَّرعُ، فيه تحيضُ، وفيه تُصيبها الجنابةُ، ثم ترى فيه قطرةً من دمٍ، فتقصَعُه بريقها.
وفي أخرى (٢) له قالت: "ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد، فيه تحيض، فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها، ثم قصعته بريقها".
أقول: الرِّيق من المطهرات عند الحنفية، فتطهر أصبعٌ وثديٌ تنجسا بالقيء بلحس ثلاث مرات، وعن طريق الإرضاع للولد، ويطهر فم شارب الخمر بترديد ريقه وبلعه عنده، ولا يجوز للعاقل المكلف أن يبلع ريقه المتنجس. (رد المحتار ١/ ٢٠٥).
حكم لعاب الكلب:
٣٩٢ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا شَرِبَ الكلبُ في إناء أحدكم فليغسله سبع مراتٍ".
وفي رواية (٣) قال: "وإذا ولَغَ الكلبُ في إناء أحدِكم فيُرِقْهُ، ثم ليغسِلْه سبع مرارٍ".
_________________
(١) البخاري (١/ ٤١٢) ٦ - كتاب الحيض، ١١ - باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه. أبو داود (١/ ٩٨) كتاب الطهارة، ١٣٢ - باب المرأة تغسل ثوبها الذي تحيض فيه.
(٢) أبو داود (١/ ١٠٠) كتاب الطهارة، الباب السابق.
(٣) أبو داود (١/ ٩٨) الكتاب السابق، والباب السابق. (فمصعته بظفرها) مصعته، بالصاد والعين غير المعجمتين، أي: حركته وعركته بظفرها، أراد المبالغة في الحك. (فتقصع بريقها) هكذا جاء في رواية لأبي داود، وقد جاء في أخرى "فقصعته بريقها" والقصع-بالقاف والصاد غير المعجمة-: هو شدة المضغ وضمُ بعض الأسنان إلى بعض، ونحوٌ من هذا أراد: بالقصع.
(٤) البخاري (١/ ٢٧٤) ٤ - كتاب الوضوء، ٣٣ - باب الماء الذي يُغسل به شعر الإنسان. مسلم (١/ ٢٣٤) ٢ - كتاب الطهارة، ٢٧ - باب حكم ولوغ الكلب.
(٥) مسلم، نفس الموضع السابق.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وفي أخرى (١): "طُهُورُ ناء أحدكم، إذا ولغ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات، أولاهنَّ بالتراب".
وفي رواية (٢) لأبي داود بمعناه، ولم يرفعه، وزاد "وإذا ولغَ الهِرُّ غُسِلَ مرةً".
وفي أخرى (٣) له: "إذا ولغَ الكلبُ في الإناء: فاغسلوه سبع مراتٍ، السابعة بالتراب".
وفي رواية (٤) الترمذي قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يُغسلُ الإناءُ إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات، أُولاهنَّ أو أُخراهنَّ بالتراب، وإذا ولغتْ في الهرةُ غُسِلَ مرةً".
٣٩٣ - * روى مسلم عن عبد الله بن مُغَفَّلٍ ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: "ما بالهُمْ وبالُ الكلاب؟ " ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: "إذا ولغ الكلبُ في الإناء فاغسلوه سبع مراتٍ، وعفَّرُوه الثامنة في التراب".
٣٩٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كانت الكلابُ تُقْبِلُ
_________________
(١) مسلم، نفس الموضع السابق. أبو داود (١/ ١٩) كتاب الطهارة، ٣٧ - باب الوضوء بسؤر الكلب.
(٢) أبو داود، نفس الموضع السابق.
(٣) أبو داود، نفس الموضع السابق.
(٤) الترمذي (١/ ١٥١) أبواب الطهارة، ٦٨ - باب ما جاء في سؤر الكلب. (ولغَ) الكلب في الإناء إذا شرب فيه أو منهُ.
(٥) مسلم (١/ ٢٣٥) ٢ - كتاب الطهارة، ٢٧ - باب حكم ولوغ الكلب. أبو داود (١/ ١٩) كتاب الطهارة، ٣٧ - باب الوضوء بسؤر الكلب. النسائي (١/ ٥٤) كتاب الطهارة، ٥٣ - باب تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب. وقالا: "والثامنة عفروهُ بالتراب". (عفروه) التعفيرُ: التمريغ في العفر، وهو التراب.
(٦) البخاري (١/ ٢٧٨) ٤ - كتاب الوضوء، ٣٣ - باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. أبو داود (١/! ٠٤) كتاب الطهارة، ١٣٩ - باب في طهور الأرض إذا يبست.
[ ١ / ٣٠٥ ]
وتُدْبِرُ في المسجد في زمان رسول الله ﷺ، فلم يكونوا يَرُشُّون شيئًا من ذلك.
وفي رواية (١) أبي داود قال: كنتُ أبيتُ في المسجد في عهد رسول الله ﷺ، وكنتُ فتي شابًا عزبًا، وكانت الكلاب تبول وتُقبلُ وتُدبر في المسجد الحديث".
(تبول وتقبل وتدبر في المسجد) أراد بقوله: تبول وتقبل وتدبر في المسجد، أنها تبول خارج المسجد، ثم تُقْبلُ وتدبر في المسجد عابرةً، إذْ لا يجوز أن يترك الكلاب حتى تمتهن المسجد وتبول فيه، وإنما كان عبورها فيه حيث لم يكن له أبواب، وأما البول فلا. [ابن الأثير].
٣٩٥ - * روى أبو داود عن داود بن صالح بن دينارٍ التمار عن أُمِّه أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة، قالت: فوجدتُها تُصلي، فأشارت إليَّ: أن ضعيها، فجاءت هرةً فأكلت منها، فلما انصرفت عائشةُ من صلاتا أكلتْ من حيثُ أكلت الهرة، فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجسٍ، إنما هي من الطوافين عليكم، وإني رأيتُ رسول الله صلى الله عليه سلم يتوضأ بفضلها.
أقول: مر معنا من قبل الإشارة إلى الأسآر، وأن الحنفية يقولون: إن الحكم على سؤر الشارب يختلف بحسب طهارة أو نجاسة لحم الشارب، لأن المؤثر في الحكم مخالطة لعاب الشارب للماء أو لغيره، ولما كان الكلب عندهم نجسًا فسؤره نجس، وأما بالنسبة للهرة فسؤرها المائي طاهر مطهر، لكنه يكره عندهم استعماله تنزيهًا مع وجود غيره، عند المالكية: أن سؤر الكلب طاهر، وغسل الإناء الذي ولغ فيه سبع مرات إنما هو عبادة، وأما الهرة فسؤرها طاهر إلا إذا رؤي في فمها نجاسة فيكون سؤرها نجسًا ويقولون بكراهة استعمال الماء كالحنفية، قوال الشافعية والحنابلة: سؤر الكلب نجس، وسؤر الهرة طاهر ولا يكره استعماله، والقائلون بنجاسة سؤر الكلب، يقولون بنجاسته إذا شرب من الماء القليل مع ملاحظة الاختلاف في حد القلة والكثرة، ويشهد له: أن بعض الروايات تذكر الإناء، وقد رأينا أن المالكية يقولون بأن غسل ما ولغ فيه الكلب سبع مرات أمر تعبدي
_________________
(١) أبو داود (١/ ٢٠) كتاب الطهارة، ٣٨ - باب سؤر الهرة.
[ ١ / ٣٠٦ ]
لا للنجاسة، والشافعية والحنابلة والحنفية: أن الغسل سبع مرات أولاهن أو إحداهن بالتراب للنجاسة، إلا أن الحنفية يعتبرون الثلاثة الأولى فريضة وما سوى ذلك مندوب، والظاهر أن الحكمة في استعمال التراب هي: مراعاة الجانب الصحي.