قال الله ﷾: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١).
﴿كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٢) قال ابن عباس: كونوا عُلماء فُقهاء.
وقيل: سُمي العلماء ربانيين، لأنهم يرُبُّون العلم، أي: يقومون به، يُقال لكل منْ قام بإصلاح شيءٍ وإتمامه: قد ربَّه، يرُبُّه، فهو رَبٌّ له.
وقيل: سُموا الربانيين، لأنهم يُرَبُّون المتعلمين بصغار العلُوم قَبْلَ كبارها.
وقيل: الربانيون: العلماء بالحلال والحرام.
وقال الله ﷾ إخبارًا عن إبراهيم ﷺ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، يُقْتَدى بهُداك وبسُنَّتكَ.
وقال مالكٌ: الحكمةُ: الفقهُ في دين الله، وقال العلْمُ: الحكمةُ، ونورٌ يهدي الله به من يشاءُ، وليس بكثرة المسائل. شرح السنة ١/ ١٨٣ - ١٨٤.
١٣ - * روى البخاري ومسلم عن حميد [بن عبد الرحمن بن عوف الزهري] قال: سمعتُ معاوية وهو يخطبُ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ "مَن يُرد الله به خيرًا يُفقههُ في الدين، وإنما أنا قاسمٌ، ويُعطي اللهُ، ولن يزال أمرُ هذه الأمة مستقيمًا
_________________
(١) التوبة: ١٢٢.
(٢) آل عمران: ٧٩.
(٣) البقرة: ١٢٤.
(٤) البخاري (١/ ١٦٤) ٣ - كتاب العلم، ١٣ - باب من يرد الله ب خيرًا يفقهه في الدين. مسلم (٢/ ٧١٩) ١٢ - كتاب الزكاة، ٣٣ - باب النهي عن المسألة. (يفقهه في الدين) الفقه: الفهم والدراية، والعلم في الأصل، وقد جعله العُرف خاصًا بعلم الشريعة، وخاصة بعلم الفروع، فإذا قيل: فقيه، علم أنه العالم بعلوم الشرع، وإن كان كل عالم بعلم فقيهًا، يقال: فَقِه الرجل - بالكسر-: إذا لم، وفقُه - بالضم - إذا صار فقيهًا، وتفقَّه: إذا تعاطى ذلك، وفقَّهه الله، أي: عرَّفه وبصَّره.
[ ١ / ٥٩ ]
حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي أمرُ الله".
١٤ - * روى البزار عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا فقههُ في الدين وألهمه رُشدَهُ".
١٥ - * روى الإمام أحمد عن قيس بن كثير ﵀ قال: كنتُ جالسًا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فجاءه رجلٌ، فقال: يا أبا الدرداء، إني جئتُك من مدينة الرسول ﷺ، لحديث بلغني أنك تُحدثُه عن رسول الله ﷺ، ما جئتُ لحاجةٍ، قال: فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا: سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضيً لطالب العلم، وإنَّ العَالِم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، والحيتانُ في جوف الماء، وإنَّ فضل العالِمِ على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماءَ ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما، ورثُوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافرٍ".
وفي رواية (١) عن عثمان بن أبي سَودة عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ بمعناه.
_________________
(١) كشف الأستار (١/ ٨٤) كتاب العلم - باب فضل العالم والمتعلم. مجمع الزوائد (١/ ١٢١) قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الكبير، ورجاله موثقون.
(٢) أحمد (٥/ ١٩٦). وأبو داود (٣/ ٣١٧) كتاب العلم - باب الحث على طلب العلم. الترمذي (٥/ ٤٨) ٤٢ - كتاب العلم، ١٩ - باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، وقال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إل من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة، وليس هو عندي بمتصل هكذا بهذا الإسناد. ابن ماجه (١/ ٨١) المقدمة، ١٧ - باب فضل العلماء والحث على طلب العلم. الدارمي (١/ ٩٨) باب فضل العلم والعالم. الإحسان بترتيب ابن حبان (١/ ١٥١) كتاب العلم، ذكر وصف العلماء الذين لهم الفضل.
(٣) أبو داود (٣/ ٣١٧) كتاب العلم - باب الحث على طلب العلم. وقيس بن كثير بن قيس كما ذكره أبو داود، وهو أكثر كما قال الحافظ في التقريب، وهو ضعيف ولكن تابعه عند أبي داود وعثمان بن أبي سودة. (تضع أجنحتها لطالب العلم) معنى وضع أجنحة الملائكة لطالب العلم: التواضع والخشوع، تعظيمًا لطالب العلم، وتوقيرًا للعلم، لقوله تعالى (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) [الإسراء: ٢٤] وقيل: وضع الجناح معناه: الكفُّ عن الطيران، أراد: أن الملائكة لا تزال عنده، لقوله ﷺ: "ما من قوم يذكرون الله ﷿ إلا حفتْهم =
[ ١ / ٦٠ ]
١٦ - * روى البخاري عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ جالسٌ في المسجد والناسُ معه، إذْ أقبل ثلاثةُ نفرٍ، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ، وذهب واحدٌ، فوقفا على رسول الله ﷺ، فأما أحدهما: فرأى فُرْجَة في الحلْقَةِ، فجلس فيها، وأما الآخر: فجلس خلفهم، وأما الثالث: فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم: فأوى إلى الله ﷿، فآواه الله، وأما الآخرُ، فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر: فأعْرَضَن فأعرضَ الله عنه".
١٧ - * روى الطبراني عن أبي هريرة ﵁ أنه مَرَّ بسوقِ المدينة فوقف عليها، فقال يا أهل السوق ما أعجزكم!. قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال ذاك ميراثُ رسول الله ﷺ، يُقسَمُ وأنتمْ هاهنا، ألا تذهبون فتأخذون نصيبكمْ منه قالوا وأين هو؟ قال في المسجد فخرجوا سراعًا، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا فقال لهم: مالكمْ؟ فقالوا يا أبا هريرة قد أتينا المسجد فدخلنا فيه فلم نر فيه شيئًا يُقسمُ فقال لهم أبو هريرة: وما رأيتمْ في المسجد أحدًا؟ قالوا بلى رأينا قومًا يُصلُّون، وقومًا يقرءون القرآن، وقومًا يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكمْ فذاك ميراُ محمدٍ ﷺ.
١٨ - * روى البخار يعن أبي موسى عن النبي ﷺ قال "مثلُ ما بعثني الله به مِنَ
_________________
(١) = الملائكة". وقيل: معناه: بسط الجناح وفرشه لطالب العلم، لتحمله عليها، وتبلغه حيث يريد، ومعناه: المعونة.
(٢) الموطأ (٢/ ٩٦٠) ٥٣ - كتاب السلام، ٣ - باب جامع السلام. البخاري (١/ ١٥٦) ٣ - كتاب العلم، ٨ - باب من قعد حيث ينتهي به المجلس. مسلم (٤/ ١٧١٣) ٣٩ - كتاب السلام، ١٠ - باب من أتى مجلسًا فوجد فرجة فجلس فيها. الترمذي (٥/ ٧٣) ٤٣ - كتاب الاستئذان، باب (٢٩).
(٣) مجمع الزوائد (١٠/ ١٢٣٤) كتاب العلم، باب فضل العلم وإسناده حسن، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.
(٤) البخاري (١/! ٧٥) ٣ - كتاب العلم، ٢٠ - باب فضْلِ منْ عَلِم وعَلَّم. ومسلم (٤/ ١٧٨٧) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٥ - باب بيان ما بعث النبي ﷺ من الهدى والعلم.
[ ١ / ٦١ ]
الهُدى والعلم كمثَل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقيةٌ قَبِلَتِ الماء فأنبتتِ الكلأ والعُشب الكثير، وكانت منها أجادِبُ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفةً أخرى إنما هي قيعانٌ لا تُمسِك ماءً ولا تنبت كلأً. فذلك مثل من فقِه في دين الله ونفعهُ ما بعثني الله به فعلم وعلَّم، ومثلُ من لم يرفعْ بذلك رأسًا ولم يقبلْ هدى الله الذي أُرسلْتُ به".
قال البغوي بعد إيراد هذا الحديث:
العلوم الشرعية قسمان: علم الأصول، وعلم الفروع، أما علم الأصول، فهو معرفة الله ﷾ بالوحدانية، والصِّفَات، وتصديق الرسل، فعلى كل مكلفٍ معرفته، ولا ينفع فيه التقليدُ لظهور آياته، ووضوح دلائله، قال الله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت: ٥٣].
وأما علمُ الفروع، فهو علم الفقه، ومعرفةُ أحكام الدِّين، فينقسم إلى فرض عينٍ،
_________________
(١) = (غيث): الغيث هو المطر. (الكلأ والعشب): العشب والكلأ والحشيش كلها أسماء للنبات. ولكن الحشيش مختص باليابس. والعشب والكلأ، مقصورًا، مختصان بالرطب. والكلأ بالهمز يقع على اليابس والرطب. (أجادب): هي الأرض التي لا تنبت كلأ. وقال الخطابي: هي الأرض التي تمسك الماء فلا يسرع فيه النضوب. (قيعان): جمع القاع. وهي الأرض المستوية، وقيل الملساء، وقيل التي لا نبات فيها، وهذا هو المراد في هذا الحديث. الفقه في اللغة الفهم. قال النووي: أما معاني الحديث ومقصوده فهو تمثيل الهدى الذي جاء به ﷺ بالغيث. ومعناه أن الأرض ثلاثة أنواع. وكذلك الناس. فالنوع الأول من الأرض ينفع بالمطر فيحيا بعد أن كان ميتًا. وينبت الكلأ فتنتفع بها الناس والدواب والزرع وغيرها. وكذا النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيا قلبه ويعمل به ويعلمه غيره. فينتفع وينفع. والنوع الثاني من الأرض مالا تقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة وهي إمساك الماء لغيرها. فينتفع بها الناس والدواب. وكذا النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أفهام ثاقبة ولا رسوخ لهم في العلم يستنبطون به المعاني والأحكام وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به. فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم أهل للنفع والانتفاع فيأخذه منهم فينتفع به. فهؤلاء نفعوا بما بلغهم. والنوع الثالث من الأرض السباخ التي لا تنبت، ونحوها. فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع به غيرها. وكذا النوع الثالث من الناس ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية. فإذا سمعوا العلم فلا ينتفعون به ولا يحفظونه لنفع غيرهم.
[ ١ / ٦٢ ]
وفرض كفاية، أما فرض العين، فمثلُ علم الطهارة والصلاة والصوم، فعلى كل مكلف معرفته.
١٩ - * روى ابن ماجة قول النبي ﷺ: "طلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلمٍ".
وكذلك كلُّ عبادة أوجبها الشرع على كل واحدٍ، فعليه معرفة علمها، مثلُ علم الزكاة إن كان له مالٌ، وعلمِ الحجِّ إنْ وجب عليه.
وأما فرض الكفاية، فهو أن يتعلم ما يبلُغُ به رُتبة الاجتهاد، ودرجة الفُتيا. فإذا قعدَ أهلُ بلدٍ عن تعلمه، عصوْا جميعًا، وإذا قام واحدٌ منهم بتعلمه فتعلمَهُ، سقط الفرضُ عن الآخرين، وعليهم تقليدُه فيما يعِنُّ لهم من الحوادث، قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (١).
قال سفيان الثوريُّ: إنما العِلم عندنا الرُّخَصُ عن الثقات، أما التشديد، فكل إنسان يُحسنه. ا. هـ.
روى ابن ماجه عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أبا ذر لأنْ تغدُوَ فتعلمَ آيةً من كتاب الله خيرٌ لك من أن تُصلِّيَ مائة ركعةٍ، ولأنْ تغدو فتعلَّمَ بابًا من العلم عُمِلَ به أو لمْ يُعملْ به خيرٌ لك من أن تُصلِّي ألف ركعةٍ".
٢٠ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ذكر الله، ما والاه، وعالمًا ومُتعلِّمًا".
_________________
(١) ابن ماجه (١/ ٨١) المقدمة، ١٧ - باب فضل العلماء والحث على طلب العلم.
(٢) النحل: ٤٣. ابن ماجه (١/ ٧٩) المقدمة، ١٦ - باب فضل من تعلم القرآن وعلمه قال المنذري إسناده حسن.
(٣) الترمذي (٤/ ٥٦١) ٣٧ - كتاب الزهد، ١٤ - باب ما جاء في هوان الدنيا على الله ﷿ وقال حديث حسن. ابن ماجه (٢/ ١٣٧٧) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣ - باب مثل الدنيا.
[ ١ / ٦٣ ]
٢١ - * روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاهُ الله مالًا فسلطهُ على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكة فهو يقضي بها ويُعلِّمُها".
٢٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا مات ابنُ آدم انقطع عملهُ إلا مِنْ ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أوْ علمٍ يُنتفعْ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له".
٢٣ - * روى ابن ماجه عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "خيرُ ما يخلُفُ الرجل من بعده ثلاثٌ: ولدٌ صالحٌ يدعو له، وصدقةٌ تجري يبلغُهُ أجرها، وعلمٌ يُعملُ به من بعده".
٢٤ - * روى الترمذي عن أبي أمامة قال: ذُكِرَ لرسول الله ﷺ رجلان: أحدهما عابدٌ، والآخر عالمٌ، فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: "فضلُ العالِمِ على العابد كفضلي على أدناكُمْ"، ثم قال رسول الله ﷺ: "إن الله وملائكته، وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جُحْرِهَا، وحتى الحُوتَ ليُصلُّون على مُعَلِّم الناس الخيرَ". قال: مُعلِّمُ الخير يستغفرُ له كل شيءٍ حتى الحيتانُ في البحرِ.
٢٥ - * روى الطبراني عن حُذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله صلى
[ ١ / ٦٤ ]
الله عليه وسلم: "فضلُ العلمِ أحبُّ إليّ من فضل العبادة، وخيرُ دينكم الورعُ".
٢٦ - * روى أحمد عن صفوان بن عسالٍ المرادي ﵁ قال: أتيتُ النبي ﷺ وهو في المسجد متكيءٌ على بُرْدٍ له أحمر، فقلتُ له: يا رسول الله إني جئتُ أطلبُ العلم، فقال: "مرحبًا بطالب العلم إن طالب العلم تحفُّهُ الملائكة بأجنحتها يركبُ بعضهم بعضًا حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلُبُ".
٢٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من نفَّسَ عن مؤمن كُربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربةً من كربِ يوم القيامة ومن سترَ مسلمًا سترهُ الله في الدنيا والآخرة، ومن يسَّرَ على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلُون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا
_________________
(١) = البخاري وابن حبان، وضعفه ابن معين. كشف الأستار (١/ ٨٥) كتاب العلم، باب فضل العالم والمتعلم، قال البزار: لا نعلمه مرفوعًا إلا من حديث حذيفة بهذا الوجه. الحاكم (١/ ٩٢، ٩٣) كتاب العلم وهو حديث صحيح.
(٢) أحمد (٤/ ٢٤٠). الطبراني في الكبير (٨/ ٦٤). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٣١) كتاب العلم، باب طالب العلم، وقال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح. ابن حبان (١/ ١٥٠) كتاب العلم، باب ذكر بسط الملائكة أجنحتها لطالب العلم. الحاكم (١/ ١٠٠) كتاب العلم، وصححه وأقره الذهبي.
(٣) مسلم (٤/ ٢٠٧٤) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ١١ - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر. أبو داود (٤/ ٢٨٧) كتاب الأدب، ٦٩ - باب في المعونة للمسلم. و(٣/ ٣١٧) كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم. الترمذي (٥/ ٢٨) كتاب العلم، باب: فضل طلب العلم. ابن ماجه (١/ ٨٢) المقدمة، ١٧ - باب فضل العلماء والحث على طلب العلم. ابن حبان (١/ ١٥٠) كتاب العلم، ذكر تسهيل الله جل وعلا طريق الجنة على من يسلك في الدنيا طريقًا يطلب فيه علمًا. الحاكم (١/ ٩٩) كتاب العلم، في فضل طلاب الحديث. قال صحيح على شرطهما.
[ ١ / ٦٥ ]
حفتهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمةُ، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرعْ به نسبهُ".
٢٨ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخيرٍ يتعلمه أو يُعلمه فهو بمنزلة المُجاهد في سبيل الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظرُ إلى متاع غيره".
٢٩ - * روى البخار يعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: "الناسُ معادنُ، خيارُهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُهوا، الناس تبعٌ لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبعٌ لكافرهم، تجدون من يخر الناس أشد الناس كراهية لهذا الشأن؛ حتى يقع فيه".
وفي رواية (١) الناس تبع لقريش في الخير والشر.
٣٠ - * روى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "الناسُ معادنُ فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقُهوا".
٣١ - * روى الترمذي عن أنسٍ بن مالكٍ ﵁ قال: كان أخوانِ على عهد
_________________
(١) ابن ماجه (١/ ٨٢، ٨٣) المقدمة، ١٧ - باب فضل العلماء والحث على طلب العلم. وقال في الزوائد: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٢) البخاري (٦/ ٥٢٦) ٦١ - كتاب المناقب - باب قوله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى). مسلم (٣/ ١٤٥١) ٣٣ - كتاب الإمارة-١ - باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.
(٣) مسلم (٣/ ١٤٥١) ٣٣ - كتاب الإمارة، ١ - باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش. ومعناه في الإسلام والجاهلية كما هو مصرح به في الرواية الأولى لأنهم كانوا في الجاهلية رؤساء العرب وأصحاب حرم الله وأهل حج بيت الله وكانت العرب تنظر إسلامهم. فلما أسلموا وفتحت مكة تبعهم الناس وجاءت وفود العرب من كل جهة ودخل الناس في دين الله أفواجًا. وكذلك في الإسلام هم أصحاب الخلافة والناس تبع لهم. وبين ﷺ أن هذا الحكم مستمر إلى آخر الدنيا، وما بقي من الناس اثنان.
(٤) أحمد (٤/ ١٠١). مجمع الزوائد (١/ ١٢١) كتاب العلم - باب فضل العالم والمتعلم وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح. (فَقُهَ): بضم لقاف أي صار فقيهًا.
(٥) الترمذي (٤/ ٥٧٤) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٣ - باب التوكل على الله، وقال الترمذي: حسن صحيح.
[ ١ / ٦٦ ]
النبي ﷺ، وكان أحدهما يحترفُ، وكان الآخرُ يلزم النبي ﷺ ويتعلمُ منه، فشكا المحترفُ أخاه إلى النبي ﷺ، فقال "لعلكَ به تُرْزَقُ".
٣٢ - * روى الترمذي عن الفضيل بن عياضٍ ﵀ قال: عالمٌ عاملٌ معلمٌ يدعى عظيمًا في ملكوت السماء.
٣٣ - * روى البخاري عن مجاهد بن جبير قال: كان ابنُ عباس يُوثِق مولاه عكرمة بقيدٍ على تعليم الفرائض والعلم فقال: قيد ابنُ عباس عكرمة على تعليم القرآن والسنن والفرائض.
وإليك هذه النصوص والآثار استئناسًا:
روى ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلمُ علمًا ثم يعلمه أخاهُ المسلم".
روى ابن عبد البر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "العلْمُ علمان: علمٌ في القلب فذاك العلمُ النافع، وعلمٌ على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم".
روى الطبراني في الكبير عن ابن مسعود قال: نعم المجلس الذي تذكر فيه الحكمة.
روى الطبراني عن أبي العبيد بن العامري وكان ضرير البصر وكان عبد الله بن مسعودٍ يُدنيه، فقال لعبد الله بن مسعود من نسأل إذا لم نسألك؟، فرق له فقال: (١) ما
_________________
(١) = (يحترف) الحرفةُ: الصنعة والمعيشة التي يكتسب منها الإنسان.
(٢) الترمذي (٥/ ٥٠) ٤٢ - كتاب العلم، ١٩ - باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة. وإسناده صحيح.
(٣) البخاري (٥/ ٧٥) ٤٤ - كتاب الخصومات، ٧ - باب التوثق مما تخشى معرَّته. ابنا ماجه (١/ ٨٩) المقدمة، ٢٠ - باب ثواب معلم الناس الخير، وفي الزوائد إسناده ضعيف. ابن عبد البر في كتاب العلم عن الحسن مرسلًا بإسناد صحيح، وقد ضعفه بعض العلماء. الطبراني (٩/ ٢١١). مجمع الزوائد (١/ ١٦٧) كتاب العلم، باب فيمن نشر علمًا أو دل على خير. وقال الهيثمي رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن. الطبراني (٩/ ٢٣٤).
[ ١ / ٦٧ ]
الأواه؟ قال: الرحيم. قال: فما الأمة؟: قال: الذي يعلمُ الناس الخير. قال: فما القانتُ؟: قال: المطيع. قال فما الماعونُ؟: قال: ما يتعاون الناسُ بينهم. قال فما التبذيرُ؟: قال: إنفاق المال في غير حقه، وفي رواية: في غير حله، وفي رواية (١): كان عبد الله بن مسعود يحدث الناس كل يوم فإذا كان يوم الخميس انتابه الناس من الرساتيق والقرى فجاءه رجلٌ أعمى فذكر نحوه.
أقول: سؤاله عن الأمَّة إشارة إلى قوله تعالى: (؟ ٹ ٹ ٹ ) (٢) وأبو العبيدين هو معاوية بن سبرة بن حصين السُّوائي.
وقوله: "فمنْ أخذَ به أخذَ بحظٍ وافرٍ" يعني: من ميراث النبوة.
قال ابن عباس: تدارُسُ العلم ساعةً من الليل خيرٌ من إحيائها، وفي رواية: تذاكرُ العلم بعض ليلةٍ أحبُّ إليَّ من إحيائها.
وقال قتادة: بابٌ من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه وصلاح من بعده، أفضلُ من عبادة حولٍ.
وقال الثوري: ليس عملٌ بعد الفرائض أفضل من طلب العلم. وعنه أيضًا: ما أعلم اليوم شيئًا أفضل من طلب العلم، قيل له: ليس لهم نيَّةٌ! قال: طلبُهم له نيّةٌ.
وقال الحسن: من طلب العلم يُريدُ به ما عند الله، كان خيرًا له مما طلعتْ عليه الشمسُ.
وقال ابن وهب: كنت عند مالكٍ قاعدًا أسأله، فرآني أجمع كتبي لأقومَ، قال مالكٌ: أين تُريد؟ قال: قلت: أبادِرُ إلى الصلاة، قال: ليس هذا الذي أنت فيه دون ما تذهب إليه إذا صحّ فيه النية، أو ما أشبه ذلك.
وقال الزهري: ما عُبِدَ الله بمثلِ الفقه.
_________________
(١) الطبراني (٩/ ٢٣٣). مجمع الزوائد (٧/ ٣٥) وقال الهيثمي: رواه كله الطبراني بأسانيد ورجال الروايتين الأوليين ثقات.
(٢) النحل: ١٢.
[ ١ / ٦٨ ]
وقال سفيان الثوري: ما أعلم عملًا أفضل من طلب العلم وحفظه لمن أراد الله به.
وقال سفيان في تفسير الجماعة: لو أن فقيهًا على رأس جبل لكان هو الجماعة.
وقال الحسن بن صالح: إن الناس يحتاجون إلى هذا في دينهم، كما يحتاجون إلى الطعام والشراب في دنياهم.
قال مطرِّفُ بن عبد الله بن الشِّخِّير: حظّ من علم أحبُّ إليَّ من حظٍ من عبادة.
وقال الشافعي: طلبُ العلم أفضلُ من صلاة النافلة.
انظر شرح السنة ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
[ ١ / ٦٩ ]