٩١ - * روى الشيخان عن شقيق بن سلمة قال: كان عبدُ الله بن مسعود يُذكِّر الناس في كل خميس، فقال له رجلٌ: يا أبا عبد الرحمن، لوددْتُ أنك ذكرتَنا كل يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكْرَه أن أُمِلَّكم، وإني أتَخُوَّلُكم بالموعظة، كما كان رسول الله ﷺ يتخوَّلُنَا بها مخافة السآمةِ علينا".
واختصره الترمذي (١) والبخاري أيضًا قال: قال عبد الله. "كان رسولُ الله ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا".
وفي رواية (٢) قال: "كنا نَنْتَظِرُ خُروج عبد الله، إذ جاءنا يزيدُ بن معاوية الكوفي النخعي، فقلنا: ألا تجلسُ؟ فقال: لا، ولكن أنا أدخُل، فأُخرجُ لكم صاحبكم، وإلا جئتُ فجلستُ، فدخل فخرج به وأخذ بيده، فقام عبد الله علينا، فقال: أما إني أخبرُ بمكانكم، ولكنه يمنعني من الخروج إليكم: أن رسول الله ﷺ كان يتخوَّلُنا بالموعظة في الأيام كراهية السآمة علينا".
أقول: هناك موعظة وهناك تعليم فمجالس الوعظ يلاحظ فيها حال الناس وإقبالهم وفراغهم واستعدادهم أما إعطاء العلم لأهله والراغبين فيه فهذا كان دائمًا في حياة رسول الله ﷺ والعلماء الربانيين.
_________________
(١) البخاري (١/ ١٦٢) ٣ - كتاب العلم، ١٢ - باب من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة. مسلم (٤/ ٢١٧٢) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، ١٩ - باب الاقتصار في الموعظة.
(٢) الترمذي (٥/ ١٤٢) ٤٤ كتاب الأدب، ٧٢ - باب ما جاء في الفصاحة والبيان.
(٣) أحمد (١/ ٣٧٧، ٤٢٥). قال ابن الأثير: (أتَخَولكم) التَّخَوُّل: التعهد للشيء وحفظه، قال الهروي: وقال أبو عمرو: الصواب "يتحوّلنا" بالحاء غير المعجمة، أي: يطلب أحوالنا التي نَنْشَط للموعظة فيها، فيعظنا، قال الجوهري، وكان الأصمعي يقول: "يتخوَّلُنا" بالنون، أي: يتعهد. ا. هـ (لكن لفظ الحديث في الصحيح يتخولنا). (السآمة): الضجر والملل.
[ ١ / ٩٩ ]
روى البخاري عن عكرمةُ أن ابن عباس ﵄ قال: حدِّثِ الناس مرةً في الجمعة، فإن أبَيْتَ فمرتين، فإن أكثرت فثلاثًا، ولا تُملَّ الناس هذا القرآن، ولا ألفيناك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقُصَّ عليهم، فتقْطَع عليهم حديثهم، فتُمِلَّهم، ولكن أنصبت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، وانظر السجعَ من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون ذلك.
قال ابن مسعود: حدِّث القوم ما حدَجُوك بأبصارهم وأقبلت عليك قلوبهم فإذا انصرفت عنك قلوبهم فلا تحدثهم، قيل وما علامة ذلك؟ قال: إذا التفت بعضهم إلى بعض ورأيتهم يتثاءبون فلا تحدثهم. وقوله حدجُوك: أي رموك بأبصارهم، يشتهون حديثك. شرح السنة ١/ ٣١٣.