وَلَيْسَ فِيمَا عازنا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي وَقَعَ فيها الحظر والإطلاق شيء اختلفت فِيهِ النَّاسُ اخْتِلَافَهُمْ فِي الْأَشْرِبَةِ وكيفية ما يحمل مِنْهَا وَمَا يَحْرُمُ عَلَى قَدِيمِ الْأَيَّامِ، مَعَ قُرْبِ الْعَهْدِ بِالرَّسُولِ ﷺ وَتَوَافُرِ الصَّحَابَةِ وَكَثْرَةِ الْعُلَمَاءِ الْمَأْخُوذِ عَنْهُمْ الْمُقْتَدَى بِهِمْ، حَتَّى يَحْتَاجَ ابْنُ سِيرِينَ مَعَ ثَاقِبِ عِلْمِهِ وَبَارِعِ فَهْمِهِ إِلَى أَنْ يَسْأَلَ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيَّ عَنِ النَّبِيذِ، وَحَتَّى يَقُولَ لَهُ عُبَيْدَةُ وَقَدْ لَحِقَ خِيَارَ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَاءَهُمْ مِنْهُمْ علي وابن مسعود اختلف علما فِي النَّبِيذِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أخذت النَّاسُ أَشْرِبَةً كَثِيرَةً فَمَا لِي شَرَابٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً إِلَّا مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ عسل.
[ ١٢١ ]
وَإِنَّ شَيْئًا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ بَيْنَ أُولَئِكَ الأئمة لحري أنَّ يشطل عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَتَخْتَلِفَ فِيهِ آرَاؤُهُمْ، وَيَكْثُرَ فِيهِ تَنَازُعُهُمْ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مِنْ مَذَاهِبِ النَّاسِ فِيهِ وَحُجَّةَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لِمَذْهَبِهِ وَمَوْضِعِ الِاخْتِيَارِ مِنْ ذَلِكَ بِالسَّبَبِ الَّذِي أَوْجَبَهُ وَالْعِلَّةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهِ مَا حَضَرَنِي مِنْ بَالِغِ العلم والمقدار الطَّاقَةِ، لَعَلَّ اللَّهَ يَهْدِي بِهِ مُسْتَرْشِدًا، وَيَكْشِفُ مِنْ غُمَّةٍ، وَيُنْقِذُ مِنْ حَيْرَةٍ، وَيَعْصِمُ شَارِبًا مَا دَخَلَ عَلَى الْفَاسِدِ مِنَ التَّأْوِيلِ وَالضَّعِيفِ مِنَ الْحُجَّةِ وَيَرْدَعُ طَاعِنًا في خِيَارِ السَّلَفِ بِشُرْبِ الْحَرَامِ، وَأُؤَمِّلُ بِحُسْنِ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ حُسْنَ الْمَعُونَةِ، وَالتَّغَمُّدَ لِلزَّلَّةِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بالله.
قد أجمع الناس عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِكِتَابِ اللَّهِ إِلَّا قَوْمًا مِنْ مُجَّانِ أَصْحَابِ الْكَلَامِ وَفُسَّاقِهِمْ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَتِ الْخَمْرُ مُحَرَّمَةً وَإِنَّمَا نَهَى اللَّهُ عَنْ شُرْبِهَا تَأْدِيبًا كَمَا أَنَّهُ أَمَرَ فِي الْكِتَابِ بِأَشْيَاءَ وَنَهَى فِيهِ عَنْ أَشْيَاءَ عَلَى جِهَةِ التَّأْدِيبِ وَلَيْسَ مِنْهَا فَرْضٌ كَقَوْلِهِ فِي
[ ١٢٢ ]
الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ) فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فيهم خيرا (وقوله في النساء) فاهجروهن في المضاجع واضربوهن (وَكَقَوْلِهِ) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط (وَقَالُوا لَوْ أَرَادَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ لَقَالَ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْخَمْرُ كَمَا قَالَ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ (وَلَيْسَ لِلشُّغْلِ بِهَؤُلَاءِ وَجْهٌ وَلَا لِتَشْقِيقِ الْكَلَامِ بِالْحُجَجِ عَلَيْهِمْ مَعْنًى إِذْ كَانُوا مِمَّنْ لَا يَجْعَلُ حجة في إِجْمَاعٍ وَإِذْ كَانَ مَا ذَهَبُوا إليه لا يختل على عاقل ولا جاهل وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ مَا غلا وقذف بالزبد مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ خَمْرٌ وَأَنَّهُ لَا يَزَالُ خَمْرًا حَتَّى يَصِيرَ خلا.
واختلفوا فِي الْحَالِ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا مِنْ مَنْزِلَةِ الْخَمْرِ إِلَى مَنْزِلَةِ الْخَلِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يَتَنَاهَى فِي الْحُمُوضَةِ حَتَّى لَا يبقى فيها مستزاد
[ ١٢٣ ]
وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ أَنْ تَغْلِبَ عَلَيْهَا الْحُمُوضَةُ وَتُفَارِقَهَا النَّشْوَةُ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةَ الْعَيْنِ كَمَا حُرِّمَ عَيْنُ الخنازير وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ بِعَرَضٍ دَخَلَهَا فَإِذَا زَايَلَهَا ذَلِكَ الْعَرَضُ عَادَتْ حَلَالًا كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الْغَلَيَانِ حَلَالًا.
وما أَكْثَرَ مَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ إِذَا انقلبت عن عصير
[ ١٢٤ ]
والخل إذ انْقَلَبَ عَنْ خَمْرٍ أنَّ عَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ غَيْرُ عَيْنِ الآخَرِ وهذا الْقَوْلِ مَا لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ عَلَى مَنْ تَدَبَّرَهُ وَأَنْصَفَ مِنْ نفسه وكيف يكون ههنا عَيْنَانِ وَالْجِسْمُ وَاحِدٌ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْوِعَاءِ وَلَمْ يُبَدَّلْ وَإِنَّمَا انْتَقَلَتْ أَعْرَاضُهُ تَارَةً مِنْ حَلَاوَةٍ إِلَى مَرَارَةٍ وَتَارَةً مِنْ مَرَارَةٍ إِلَى حُمُوضَةٍ وَلَمْ يَذْهَبِ الْعَرَضُ الأول جملة واحدة وَلَا أَتَى الْعَرَضُ الثَّانِي جُمْلَةً وَإِنَّمَا زَالَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ شَيْءٌ بَعْدَ شَيْءٍ كَمَا يَنْتَقِلُ طَعْمُ الثَّمَرَةِ وَهِيَ غَضَّةٌ مِنَ الْحُمُوضَةِ إِلَى الْحَلَاوَةِ وَهِيَ يَانِعَةٌ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ وَكَمَا يَأْجِنُ الْمَاءُ بول الْمُكْثِ فَيَتَغَيَّرُ طَعْمُهُ وَرِيحُهُ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ وَكَمَا يَرُوبُ اللَّبَنُ بَعْدَ أَنْ كَانَ صَرِيفًا فَيَتَغَيَّرُ رِيحُهُ وَطَعْمُهُ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ ومِثْلُ الْخَمْرِ مِمَّا حَلَّ بِعَرَضٍ وَحَرُمَ بِعَرَضٍ المسك كان دما عبيظا حَرَامًا ثُمَّ جَفَّ وَحَدَثَتْ رَائِحَتُهُ فيه فصار طيبا حلالا.
وأما النَّبِيذُ فَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ قَوْمٌ هُوَ مَاءُ الزَّبِيبِ وَمَاءُ التَّمْرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُغْلَيَا فَإِذَا اشْتَدَّ ذَلِكَ وَصَلُبَ فَهُوَ خَمْرٌ وَقَالُوا إِنَّمَا كَانَ الْأَوَّلوُنَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَشْرَبُونَ ذَلِكَ يَتَّخِذُونَهُ فِي صَدْرِ نَهَارِهِمْ وَيَشْرَبُونَهُ فِي آخِرِهِ وَيَتَّخِذُونَهُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَيَشْرَبُونَهُ عَلَى غَدَائِهِمْ وَعَشَائِهِمْ
[ ١٢٥ ]
وَقَالُوا سُمِّيَ نَبِيذًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الْقَبْضَةَ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيبِ فَيَنْبِذُونَهَا فِي السِّقَاءِ أَيْ يقلونها فِيهِ وَقَالَ آخَرُونَ النَّبِيذُ مَا اتُّخِذَ مِنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُسْتَخْرَجِ بِالْمَاءِ أَوْ تُرِكَ حَتَّى يَغْلِيَ وَحَتَّى يَسْكُنَ وَلَا سمى نَبِيذًا حَتَّى يَنْتَقِلَ عَنْ حَالِهِ الْأُولَى كَمَا لَا يُسَمَّى الْعَصِيرُ خَمْرًا حَتَّى يَنْتَقِلَ عَنْ حَلَاوَتِهِ وَلَا يُسَمَّى الْخَمْرُ خَلًّا حَتَّى تَنْتَقِلَ عَنْ مَرَارَتِهَا وَنَشْوَتِهَا وَإِنَّمَا سُمِّيَ نَبِيذًا لِأَنَّهُ كَانَ يُتَّخَذُ وَيُنْبَذُ أَيْ يُتْرَكُ وَيُعْرَضُ عَنْهُ حَتَّى يَبْلُغَ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ لِأَنَّ النَّبِيذَ لَوْ كَانَ مَاءَ الزَّبِيبِ لَمَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ وَلَأَجْمَعَ النَّاسُ جَمِيعًا عَلَى أَنَّهُ حَلَالٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَغْلِيَ
[ ١٢٦ ]
فَفِيمَ اخْتَلَفَ الْمُخْتَلِفُونَ وَعَمَّ سَأَلَ السَّائِلُونَ؟ قَالَ الشَّاعِرُ:
نَبِيذٌ إِذَا مَرَّ الذُّبَابُ بِدَنِّهِ تَفَطَّرَ أَوْ خَرَّ الذُّبَابُ وَقِيذَا
وَقَالَ ابْنُ شيرمة:
وَنَبِيذُ الزَّبِيبِ مَا اشْتَدَّ مِنْهُ فَهُوَ لِلْخَمْرِ وَالطِّلَاءِ نَسِيبُ
وَقَالَ الآخر:
تَرَكْتُ النَّبِيذَ وَشُرَّابَهَ وَصِرْتُ حَدِيثًا لِمَنْ عَابَهُ
شَرَابًا يُضِلُّ سَبِيلَ الرَّشَادِ وَيَفْتَحُ لِلشَّرِّ أَبْوَابَهُ
فَسَمَّاهُ نَبِيذًا وَهُوَ يَفْعَلُ هَذَا الْفِعْلَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَاءَ الزَّبِيبِ وَلَا مَاءَ التَّمْرِ قَبْلَ أَنَ يُغْلَيَا.
وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عن أخيه سلمة بْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ شيبة
[ ١٢٧ ]
ابن أبي كبير الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنّ رَسُولَ الله ﵌ قَالَ: خِدْرُ الْوَجْهِ مِنَ النَّبِيذِ تَتَنَاثَرُ مِنْهُ الْحَسَنَاتُ وَمَاءُ الزَّبِيبِ لَا يُخْدَرُ مِنْهُ الْوَجْهُ وَلَا تَتَنَاثَرُ مِنْهُ الْحَسَنَاتُ. وَرَوَى شَرِيكٌ عن أبي اسحق عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: سَقَانِي ابْنُ مَسْعُودٍ نَبِيذًا شَدِيدًا من جر أخضر
[ ١٢٨ ]
وحدثني سبابة بن عمرو بن حميد عن كبير بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَصْحَابُ أَنَسٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ النَّبِيذَ الصُّلْبَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْخَوَابِي وَمَا جَاءَ فِي مِثْلِ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النبيذ ما غلا وأسكر كثيرا وفرق بين النبيذ الزَّبِيبِ وَنَبِيذِ التَّمْرِ وَلَا أَعْلَمُ بينهما فرقا فيكره واحد ويسحب آخَرُ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا مُسْكِرَانِ أَنْشَدَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ:
أَلَا يَا أَيُّهَا الْمُهْدِي إِلَيْنَا الْآسَ مِنْ شَهْرِ
دع الآس ولا تغفل
[ ١٢٩ ]
إِذَا جِئْتَ عَنِ التَّمْرِ
فإنَّ الآس لا يسكر واللذة فِي السُّكْرِ